«الجزيرة» - سعيد الدحية الزهراني
انطلقت مساء أمس الثلاثاء بقاعة المحاضرات بفندق قصر الرياض فعاليات ملتقى النادي الأدبي بالرياض حول النقد الأدبي في المملكة العربية السعودية في دورته الثانية - الخطاب النقدي المعاصر في المملكة العربية السعودية- بحضور وكيل وزارة الثقافة والإسلام للشؤون الثقافية د. عبدالعزيز السبيل، حيث استهل الملتقى بكلمة ألقاها رئيس أدبي الرياض د. سعد البازعي جاء فيها:
هانحن نلتقي مرة أخرى على مائدة النقد الأدبي، النقد بوصفه موضوعة للحوار وقضية للتأمل، وميداناً لصناعة الفكر والرؤية وتعبيراً عن الذائقة وصياغة لها وتأصيلاً لقيم القراءة والتحليل والتفسير.
إن النقد بهذا المعنى نشاط بالغ الأهمية في حياة كل الثقافات، فلا أدب بلا نقد، ولا فنون بلا نقد، لأن النقد ليس مجرد عملية يقوم بها شخص نيابة عن شخص، بل هو داخل ضمن العملية الإبداعية نفسها، عملية تبدأ مع بدء الكتابة، مع الكلمة الأولى وضربة الفرشاة الأولى والنغمة الأولى، فانتقاء الكلمة واختيار الشكل والمسار الإبداعي هي وليدة عملية نقدية يمارسها الكاتب والفنان داخل نفسه وقبل أن يعرض عمله على غيره. ومن هنا كان النقد الذي يمارسه أولئك الغير للعمل الفني عملية نقدية تالية ولكنها لا تقل أهمية عن سابقتها لأنها العملية التي يدخل من بوابتها العمل إلى الوعي العام ليمارس تأثيره في الإمتاع والتنوير.
ولعل من الطبيعي أن نقول: إن العمل حين يمارس دوره فإنما يمارسه من خلال النقد أيضاً، ليس نقد المختصين فحسب وإنما نقد القارئ العادي، وهو نقد قد يتجسد بعملية الاختيار نفسها أو بالحكم الانطباعي السريع. فمن هذه الزاوية سيتضح أن كل عملية كتابة أو قراءة أو مشاهدة أو استماع هي عملية نقدية بالضرورة.
أيها الأخوة والأخوات:
إن اجتماعنا اليوم هو لتأمل مسار تلك العملية النقدية كيف تمت وكيف تتم لا في المطلق المجرد وإنما في الخصوص المتعين، في الكيفية التي تنامت فيها الرؤية النقدية في مكان بعينه وزمان بعينه، فالمرحلة المعاصرة التي يتناولها ملتقاكم هذا هي استمرار لما سبقها، لما تناوله الملتقى الأول حين وقف على تطور النقد الأدبي في مرحلة التأسيس وعند من اصطلح على تسميتهم بالرواد في ملتقانا هذا يأتلف عدد مميز من الباحثين والباحثات ليقدموا عدداً استثنائياً من الأوراق في موضوعة واحدة، هي النقد المعاصر في المملكة العربية السعودية، وما نأمله هو أن نخرج من هذا الملتقى بقراءة معمقة ومثرية بشموليتها ودقتها وصدقها تضيء لنا معالم النقد الأدبي بوصفه قولاً على قول كما يقولون.
مضيفاً: اسمحوا لي أن أقف قليلاً عند مسألة القول على قول هذه، فإن ما يتناوله هذا الملتقى ما يزال ملبساً لدى البعض ممن استغربوا قبل عامين وما زالوا يستغربون أن يخصص ملتقى للنقد نفسه وليس للأدب.
ففي تقدير البعض أن من غير الجدير بالنقاد أن يتوقفوا عند عملهم بدلاً من التوقف عند الأعمال الإبداعية التي انتدبوا أنفسهم لقراءتها وتحليلها. وأقول لهؤلاء: إن نقد النقد، أو القول على القول، هو من مؤشرات النضج الحضاري من حيث إن النقد نتاج معرفي وتذوقي تعقد له الندوات حين يكون في مرحلة من التراكم والتطور تقتضي التوقف عنده بحد ذاته مساءلة لمساراته وتعرفاً على سماته واستقراءً لمشكلاته. ولا يعني هذا التقليل من الملتقيات التي تتناول الأدب فهي أساسية طبعاً لكنها من الكثرة والحمد لله بحيث تفي بالغرض في حين أن النقد لم تعقد له الندوات الخاصة به أو بالقدر الذي يستحق.
في ختام حديثي أود أن أتوجه بجزيل الشكر لوزارة الثقافة والإعلام ممثلة بمعالي الوزير والزملاء في وكالة الوزارة للشؤون الثقافية، أخص منهم الدكتور عبدالعزيز السبيل، لدعمه المتواصل لنشاط النادي ولا سيما في سعيه لعقد هذا الملتقى. كما أود تقديم الشكر الجزيل لكم جميعاً لتفضلكم بالحضور والمشاركة ولا سيما الزميلات الباحثات اللاتي ازداد عددهن هذه المرة على نحو نرجو أن يستمر.
ولا أنسى أخيراً أن أشكر ضيفنا الكريم الأستاذ الدكتور حمادي صمود لتجشمه عناء الرحلة إلى هذا الملتقى والمشاركة فيه وهو من يثرينا بحضوره دائماً حتى بتنا نعده من أقطاب المشهد الثقافي في المملكة.
ثم قدم الدكتور محمد مريسي الحارثي كلمة شكر فيها أدبي الرياض على تنظيمه لهذه الاحتفالية المعرفية المهمة.. مشيراً إلى أهمية الدراسة النقدية النقدية.. متناولاً بعدي النقد الاحترافي وغير الاحترافي ملمحاً إلى الملتقى الأول الذي خصص لمناقشة النقد في مرحلة الرواد.. مستعرضاً أبرز ملامح الخطاب النقدي عبر مراحله وطرائق مرجعيته المعرفية.. مؤكداً على حركية الخطاب النقدي كغيره من المعارف الأخرى.. طارحاً فكرة أن يتم تطوره هذا الملتقى ليشمل الخطاب النقدي العربي وكذلك الخطاب النقدي العالمي.. ومتمنياً أن يصل هذا الملتقى إلى النتائج المرجوة منه معرفياً..
ثم تحدثت الأستاذة أميمة الخميس.. بكلمة قالت فيها:
من أعمق نقطة في التاريخ، وحينما كانت قصائد المعلقات تخط بماء الذهب وتعلق على أستار الكعبة، كانت الثقافة تربط النص الإبداعي بالمقدس المتسامي والمطلق، حيث كانت تأسس لثقافة تقوم هويتها الحضارية على بيوت اللغة، ومضارب الكلام.
تومض خيمة النابغة الذبياني الجلدية السمراء، (التي كان يضربها في سوق عكاظ) في المخيال الجمعي، لتؤمها الركبان من أصقاع الأرض، وتصنع حولها مجالاً حيوياً لم يندثر وما مسابقة شاعر المليون التي التف حولها القوم إلا الحفيدة الصحراوية المشعثة التي انحدرت من تلك الخيمة.
وظل النص الإبداعي مرتبطاً لفترة طويلة بالحكم القيمي، منطلقاً في أسسه الفكرية من النظام القبلي الأبوي المتدرج من الأدنى صعوداً إلى الفحل الكبير المتسامي في هالة المقدس، فكان كتاب طبقات فحول الشعراء بتسمنه الملك الضليل، أول من وقف وأوقف وبكى واستبكى.
وظل النقد الأدبي لفترات طويلة مكبلاً بالمنظار القيمي الطبقي في مقاربة النص وتقييمه، بل إن كلمة نقد، مشتقة من تمييز الرديء والجيد من النصوص كما يميز المعدن الأصيل من المعدن الخسيس.
أطلال هذه الفسيفساء اللغوية الفاخرة الممتدة عبر طبقات التاريخ، والمطوقة بإرث منسوج بحرفية الصائغ حاصرها الزان وهلهلتها عوادي الدهر.
فنهر الكلام لا بد أن يظل منهمراً متدفقاً متبدلاً متغيراً، تماماً كمادة الحياة نفسها، التي تتفلت من الأطر، وتتأبى على القوانين المطلقة، مهرولة بمؤازرة تطور المعرفة والتفكير النقدي أيضاً. وباتت العلاقة بين النص والناقد اليوم ليست تلك العلاقة الفوقية بين الصانع والحلية، أو بين البائع والسلعة، والتي تتراوح ما بين الخلقي النفعي والجمالي. لكن توسلها الخطابات الفلسفية العالمية، وأنساقها المعرفية، جعل العلاقة بين النص وغابات النقد تتحول إلى مغامرة وجودية كبرى، يوظف فيها الناقد جميع المتاح له من أدوات الكشف والاقتحام، فيتقاطع مع النص، أو يتعارض معه وأحياناً قد يقلب له ظهر المجن، ولكن في كل الحالات، سينشأ على هامش هذه المقارنة، نص ثالث، مهجن بدماء الدهشة والغرابة، تماماً كما يقول عنه باختين بأن (الرواية هي شكل لم يكتمل) أي ينتظر الناقد ليكتمل على يديه.
والنادي الأدبي في الرياض عندما يضرب خيمته الحمراء المتوهجة، ويحشد لمؤتمر النقد الأدبي الثاني، وينظم أوراق العمل، ويستقطب الأسماء الفاعلة في المشهد الأدبي، إنما هو ينقب إرثا ما زالت تومض عروقه في مناجمنا العريقة، ولكن بأدوات ومعاول صقلتها الكلمات وأرهقتها الأحرف.
في النهاية باسمي وباسم اللجنة النسائية في النادي الأدبي بالرياض، أقدم باقة شكر لكل من سعى وحرص وتابع ونظم، وأسس لهذا التقليد الثقافي المميز الذي نرجو جميعاً أن يبقى ركناً ينهض به النادي الأدبي بالرياض بصورة دائمة.
بعدها قدم الدكتور عبدالله الرشيد كلمة تناول فيها جائزة أدبي الرياض جاء فيها:
امتداداً لعناية نادي الرياض الأدبي بالحركة الثقافية في المملكة، وتشجيعاً لإصدارات الثقافية المتميزة، ورغبةً في حفز همم المؤلفين على الإبداع، والإضافة النوعية لحركة النشر والتأليف؛ أعلن في الدورة السابقة لمجلس الإدارة عن جائزة النادي، وكانت تمنح في فرعي الدراسات الأدبية والنقدية والإبداع.
وفي الدورة الحالية للمجلس رُئي أن تكون باسم (كتاب العام)؛ فتمنح سنوياً لأفضل كتاب يصدر في السنة نفسها، بالنظر إلى عدة اعتبارات، أهمها: أن حصر الجائزة في الدراسات الأدبية والنقدية، وفي الأعمال الإبداعية يفوت فرصة تشجيع المؤلفين في مجالات الثقافة الأخرى، وتكريمهم والاحتفاء بنتاجهم والنادي وإن وصف بـ(الأدبي) يُعنى بكل وجوه الثقافة، ويشجع كل صنوف التأليف، في شتى ألوان العلم والمعرفة والإبداع.
وبناءً على ذلك رأت لجنة الجائزة التي ضمت بضعة أعضاء بعضهم من داخل المجلس وبعضهم من خارجه ورأت أن يكاتب المثقفون في المملكة؛ ليرشحوا ما يرون من الكتب، من خلال استبانة أُعدت لهذا الغرض.
وبعد استقبال الترشيحات، وفحص ما ورد فيها، وبالنظر إلى عدد الأصوات المرشحة لكل كتاب، أقر مجلس الإدارة في جلسته الرابعة لهذا العام التي انعقدت في 16-3-1429هـ أن تُمنح الجائزة لكتاب الأستاذ الدكتور عبدالوهاب بن إبراهيم أبو سليمان المعنون بـ(بابُ السلام في المسجد الحرام، ودور مكتباته في النهضة العلمية والأدبية الحديثة)، ومقدارها مئة ألف ريال، وقد كان فارق الأصوات بين هذا الكتاب والكتاب الذي يليه كبيراً جداً.
فاز الكتاب بهذه الجائزة بالنظر إلى تناوله جانباً تاريخياً أغفله الباحثون، إذ استعرض فيه المؤلف بتوثيق علمي دقيق، ورؤية شاملة، واستنطاق لمصادر قديمة ومراجع حديثة، تاريخ باب السلام الذي يرتبط في الذاكرة المسلمة بالعمرة والحج، وهو استعراض شمل أدوار التاريخ المختلفة حتى عام 1375هـ وهو العام الذي بدأت فيه التوسعة السعودية للحرم الشريف.
وذلك الجانب التاريخي ذو أثر مهم في النهضة الأدبية والعلمية والثقافية التي شهدتها المملكة بعامة، والحجاز بخاصة، فقد كانت جوانب باب السلام ملاذاً لمكتبات كثيرة، ملأت ساحاته الخارجية، وأسهمت في بث الوعي العلمي والثقافي، من خلال توفير الكتب وتيسيرها لطالبيها، ومن خلال ما كان يُعقد فيها من ندوات علمية وأدبية، وقد وصف المؤلف ما كان يقوم به الكتبيون في باب السلام بأنه معرض إسلامي للكتاب.
هذا الكتاب الواقع في نحو خمسمائة صفحة من القطع الكبير هو دراسة مفصلة متأنية، يمكن عدّها إضافة كبيرة للمكتبة العربية، وهذه مقاطع من سيرة مؤلفه الذاتية:
الأستاذ الدكتور عبدالوهاب بن إبراهيم أبو سليمان.
ولد في مكة المكرمة عام 1356هـ ونشأ بها وتعلم في رحابها، مُتَلْمِذاً لعلماء الحرم المكي الشريف. حصل على الدكتوراه من جامعة لندن عام 1390 - 1970م.
حصل على رتبة أستاذ في الفقه وأصوله عا م1403هـ، وتولى عمادة كلية الشريعة بجامعة أم القرى، وأشرف على عدد من الرسائل العلمية، وناقش كثيراً منها.
وهو الآن عضو في هيئة كبار العلماء، ومجمع الفقه الإسلامي، وجائزة الأمير نايف للسنة النبوية، ومؤسسات ولجان أخرى يضيق المقام عن سردها.
جائزة نادي الرياض لكتاب العام، تأتي برعاية بنك الرياض الذي تفضل مشكوراً بهذه الرعاية على أمل الاستمرار في ذلك.
ثم جاءت الكلمة الختامية لضيف الملتقى الدكتور عبدالعزيز السبيل، حيث ألقى كلمة استعرض فيها ملتقيات الأندية الأدبية في المملكة.. مبدياً تفاؤله بهذه الملتقيات ومؤكداً على أهمية الأندية الأدبية وما تقوم به من دور حيوي مهم في الوسط الأدبي والإبداعي والثقافي..
مشيراً إلى ما يطرح في الصحف من انتقادات وملاحظات حولها.. ذاكراً أن هذا الأمر يُعد مؤشراً على حجم ونوع الحراك الثقافي الذي نعيشه والتي تأتي الأندية الأدبية كأحد أهم عناصره وأدواته ومحركاته.
مشيداً في نقطة أخرى بملتقى أدبي الرياض منوهاً كذلك بالجائزة وأهميتها وأثرها في خدمة الثقافة والمعرفة لدينا.. وداعياً إلى تفعيل هذا الجانب عبر مؤسسات القطاع الخاص.. ومثمناً لبنك الرياض هذه المبادرة الخلاقة.. حيث عبر عن تهانيه للدكتور أبو سليمان بفوزه بالجائزة.. ناقلاً تحايا معالي الأستاذ إياد مدني وزير الثقافة والإعلام للمشهد الثقافي عامة ولحضور ملتقى أدبي الرياض خاصة.
ثم انطلقت بعد ذلك أولى جلسات الملتقى بثلاثة بحوث هي:
عنوان البحث: (تحولات مركز الكون النقدي وأثرها في المشهد المحلي).
الباحث: حسن الهويمل، جامعة القصيم، كلية اللغة العربية والدراسات الاجتماعية.
الملخص: الراصد للحركة النقدية العالمية يجد تنقلات النقد عبر ثلاثة مراكز، وهي: منتج النص، والنص المنتج، وملتقى النص. فمركز الكون النقدي تنقل عبر حقبه التاريخية بين هذه القضايا الثلاث الرئيسة التي تعد جماع التحولات. والنقد الأدبي في المملكة العربية السعودية مر بهذه التحولات وترك آثاراً لا يستهان بها، ومهمة البحث الرصد لهذه التحولات الكلية، وسيكون هناك منهج وخطة وآلية يتوسل بها البحث؛ لإبراز أثر هذه التحولات في الحركة النقدية في المملكة.
وكذلك بحث: (نقد على نقد: قراءة في بعض تجارب النقد المعاصر في المملكة العربية السعودية).
الباحث: حمادي صمود، تونس، جامعة منوبة، كلية الآداب والفنون والإنسانيات.
ملخص البحث: يتناول البحث ما ظهر للباحث من خصائص كبرى لهذا النقد كما تجلت في بعض نصوصه المؤسسة التي نحتت قسماته على امتداد ما يزيد على ثلاثة عقود، ومن الخصائص ما يشترك فيه مع النقد في بلدان عربية أخرى، ومنها ما لا يشاركه فيه سواه.
وأخيراً بحث (دوريات الأندية الأدبية وأثرها في مسيرة النقد الأدبي في المملكة: دورية قوافل نموذجاً).
الباحث: محمد الربيع عضو اللجنة التحضيرية لملتقى النقد الأدبي.
الملخص: يقدم البحث (قوافل) نموذجاً لدوريات الأندية الأدبية في المملكة المعنية بالدراسات النقدية، وسيتم التركيز على ما نشر فيها من دراسات نقدية متصلة بالأدب في المملكة العربية السعودية لكتاب سعوديين أو غير سعوديين، ولا يتناول الدراسات النقدية العامة أو المتعلقة بالأدب غير السعودي، وهذا الحصر لنطاق الدراسة يهدف إلى التركيز على ما له علاقة بنقد الأدب السعودي، وهو موضوع الملتقى في دورته الثانية بهدف الإجابة عن مجموعة من التساؤلات المهمة فيما يتصل بخدمة (قوافل) لحركة النقد الأدبي في المملكة في محاولة لاستكشاف المنجز النقدي لتلك الدراسات من خلال النقاط التالية: مناهج نقدية، قضايا نقدية، معارك نقدية، مصطلحات نقدية، نقد النقد.