Al Jazirah NewsPaper Saturday  12/04/2008 G Issue 12980
السبت 06 ربيع الثاني 1429   العدد  12980
أزمة القرار..
عبدالعزيز السماري

القرار جزء لا يتجزأ من الحياة، بل إن حياة الإنسان بكل ما تحمل من مراحل عمرية مختلفة وتطورات نوعية في وعيه وعمله وحياته الشخصية هي مجموعة من القرارات،

قد تكون أحياناً حاسمة في تحديد اتجاهاته وتطوره كلما تقدَّم به العمر.. وقد تكون مجرد كلام وأقاويل تُردد لغرض التقليل من التوتر النفسي في حياة الإنسان.. تخرج عادة بصوت عال وجهوري لكن يتضح مع مرور الأيام أنها لم تكن سوى كلام ليس له هدف، ولا يؤدي إلى نتيجة محددة ونهائية..

والقرار هو (البت النهائي والإرادة المحددة لصانع القرار بشأن ما يجب وما لا يجب فعله للوصول لوضع معين وإلى نتيجة محددة ونهائية، ومن ثم يمكن تعريف القرار بأنه مسار فعل يختاره المقرر باعتباره أنسب وسيلة متاحة أمامه لإنجاز الهدف أو الأهداف التي يبتغيها لحل المشكلة التي تشغله).

وهو أيضاً نقطة التحول في اتجاهات التنمية والتطوير في الوطن، وفي معظم الأحيان تأتي مراحل ودراسات ما قبل إصدار القرارات الوطنية وما قد يرتب عليها من آثار سلبية أو إيجابية التمهيد الأكثر الأهمية في تحديد نتيجة القرار، ويظل التحدي الأكثر هو في متابعة ما بعد إصدار القرار أو الأوامر العليا، لكن الأمر أيضاً لا يخلو من تلك القرارات التي تأتي في منزلة الكلام أو الأقاويل التي ليست لها نتيجة محددة ونهائية، فما نشكو منه في الوقت الحاضر هو كثرة القرارات الصادرة والتي تتوارى بهدوء خلف الكواليس وتدخل دائرة النسيان وتظل حبيسة الأدراج في مكاتب البيروقراطية، وهذا يعني أنها ربما لم تحمل في طياتها غرضاً محدداً للوصول إليه أي قرارات ليست للتطبيق أو أن هناك خللاً تنظيمياً في مراقبة تنفيذ ما يتم إصداره من أوامر من مختلف مستويات الإدارة العليا..

دائماً ما تعود أساليب التطبيل والتفخيم للقرارات بتبعات غير إيجابية على مرحلة ما بعد إعلان القرار، فالزخم الإعلامي في أغلب الأحيان يفرغ القرار من قلق الوصول إلى أهدافه، ولكي ينجح القرار في الوصول إلى أهدافه لا بد من نزع السامية عنه أولاً لكي لا يكون وسيلة للمنتفعين، وأن يكون مثلاً قراراً حكومياً من أجل أن يكون محلاً للنقد والنقض والحوار والمراجعة إذا لم يصل إلى أهدافه في الفترة المحددة لتطبيقه..

تجاربنا الأخيرة مع عديد من القرارات التي لم يتم تطبيقها، والتي كانت تحمل في طياتها أهدافاً إستراتيجية وطنية أسقطت بين أيدينا الثقة في القرارات القادمة، ومن أهم هذه القرارات على سبيل المثال الأوامر التي صدرت لتوطين مهن عديدة منها سيارات الأجرة، والبقالات والمحلات التجارية وأسواق الذهب والكمبيوتر، ووظائف المعلمين والمعلمات في المدارس الخاصة، وسيظل المواطن غير قادر عن مساءلة المسؤول عن أسباب عدم تطبيقها في الواقع نظراً لغياب مؤسسات مستقلة تطالب الحكومة بتنفيذ هذه القرارات الوطنية الإستراتيجية..

كذلك لا يزال العرب يحتلون موقع الصدارة وأصحاب الأرقام القياسية في إعلان القرارات والمواقف في قضاياهم الحاسمة، وتأتي القرارات السياسية في المقدمة بلا منازع.. كان صداها يملأ الشارع العربي ضجيجاً، وكان أيضاً من النادر أن يصمد أحد هذه القرارات أمام تحدياتهم القومية.. حتى قرار السلام الذي وقف العرب على مختلف مشاربهم لم يأخذه العدو بمحمل الجد، بل لم ينظر إليه كفرصة حقيقة للسلام، وهو يعني أن العرب في تاريخهم الحديث لديهم أزمة حقيقة في تنفيذ قراراتهم المعلنة، وعليهم أولاً إيقاف إصدار القرارات في الوقت الحاضر ثم العمل على مراجعة قراراتهم القديمة الواحد تلو الآخر حتى تعود الثقة من جديد في الشارع العربي لمواقفهم السياسية، ولعل القرار السياسي الوحيد الذي تم تنفيذه بنجاح كان ذلك الذي لم يتم إعلانه للجماهير، وهما قرارا حرب 73 وإيقاف تصدير النفط للغرب..

ولكي نتجاوز هذه الأزمة الحضارية علينا أن نعمل من أجل تهيئة أجواء نجاح القرار، وذلك من خلال أولاً توفير الأشخاص والكوادر المؤهلة لذلك، ورفع كفاءة المؤهل منهم، والمساهمة في بناءً مراكز الدراسات والأبحاث المتخصصة في هذا الشأن، وذلك لما لها من أهمية فعَّالة في بناء خطط التنمية المستقبلية، والأهم من ذلك أن يتم تأسيس تنظيم مؤسسي مستقل ولديه النفوذ لمراجعة ومتابعة القرارات التنفيذية.

والأهم من ذلك الحد من البذخ الإعلامي في إطراء القرارات الجديدة، وأن تؤجل احتفاليات القرارات الصاخبة إلى ما بعد إتمام تطبيقه بنجاح على أرض الواقع، أو أن تظل هذه القرارات غير معلنة للجماهير إلى أن تظهر نتائجها، وذلك من أجل الحفاظ على ثقة الشارع في القرارات الجديدة..



لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 6871 ثم إلى الكود 82244

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد