Al Jazirah NewsPaper Saturday  12/04/2008 G Issue 12980
السبت 06 ربيع الثاني 1429   العدد  12980
المرة والحوامل السعوديات
فوزية البكر

لا أظنني بحاجة إلى تعريف (المرة) وهي الدواء الشعبي الأكثر شهرة بين السعوديين خصوصا أن المثل الشعبي الذي تردده كل أنثى هنا هو (ما تنام الحرة وما في بيتها مرة) وبذا فقد شكلت المرة تراثا نفسيا قويا لدى السعوديين والسعوديات بحيث تراهم ينقلونها معهم في أسفارهم ويشترون منها الكيلوات وينصحون بأثرها غير المسبوق لأصحابهم من الأجانب المساكين الذين أهمل تراثهم اكتشافا خطيرا كحبيبتنا المرة.

وبالتأكيد فأنا إحدى الضحايا الأوائل بالمناسبة لهذه الخدعة المريعة ولم يستوقفني عندها إلا حينما كادت هذه المرة أن تتداخل في حياتي الشخصية لتكون طقسا يوميا لابد من ممارسته واسمعوا الحكاية.

كل امرأة تقريبا مرت أو ستمر ببعض المتاعب ذات العلاقة بالحمل أو الولادة وحيث إن محدثتكم كانت إحدى الضحايا ولم ينفع الطب الحديث في التخلص من المشكلة اقترحت الوالدة اسم هذا (الخبير) المشهور الذي يقع محله في قلب مدينة الرياض (في الديرة القديمة) ولا داعي لذكر اسمه هنا مما قد يمنحه مزيدا من الشهرة هو بالتأكيد في غنى عنها!

وتتوفر في متجر هذا المعالج الشعبي العجيب كل أنواع الأعشاب والأدوية والمعالجات الشعبية وسيضرب الأطباء الحديثون على وجوهم قهرا حين يعرفون أنك يجب أن تأتي مبكرا ومن بعد صلاة الظهر لتحتل دورك في الطابور الطويل من النساء الباحثات عن حلول يعتقدن أنها سحرية للرجل الذي طارت شهرته في حل المشكلات النسائية الآفاق... ستتعجبون كيف يمكن لمتعلمة مثلي أن توافق على شيء كهذا؟؟

لعدد من الأسباب فأنا بالمناسبة أؤمن بقوة بالطب البديل الذي قد يستخدم أنماطا كثيرة سواء كانت القوى السالبة أو الإيجابية أو تغيير أنواع الأطعمة أو استخدام الخامات الطبيعية للبيئة أو آخر النظريات الهندية في التوافق العقلي وكيف نصل إليه أو الإيمان بقوى الروح وأثرها على الجسد.. فرغم المنهج العقلي الذي أتبناه في معظم ما أقوم به وأفعله لكنني أميل إلى الانفتاح على بدائل جديدة دائما وتجربتها.. هذا إضافة إلى أن ذهابي ولهذا المشوار على وجه التحديد كان سيحقق سعادة وراحة للشخص الأكثر أهمية في حياتي وهي الوالدة أطال الله في عمرها ومنحها العافية والتي ظلت ورائي حتى أنهينا مشوارنا التعس!

انتظار الطابور كان طويلا ولم يحالفني الحظ في أن يطل هذا المشهور بطلته البهية علي ومن فتحة شباك دكانه وليعطيني دقائق معدودة لشرح المشكلة وليقترح العلاجات المناسبة وخلال الانتظار كان علي أن أسمع كل قصص النساء من مختلف أنحاء المملكة واللاتي قدمن بحثا عن مخرج لأزماتهن وغادرن المكان بأكياسهن البلاستيكية المملؤة بأدوية ومقترحات الطبيب المشهور. وها قد جاء دوري قبل صلاة المغرب بقليل ولأن الطبيب على عجل أو أن هيئتي لم تعجبه فلم يكلف نفسه حتى بالرد على ما كنت أقول أو مناقشة العوامل بل سارع بتقديم اقتراحه (المعجزة) في أن أتناول المرة كل يوم وطوال فترة الحمل أي تسعة شهور بالضبط وعلي شراؤها من محله حيث يتوافر النوع الأحسن وبسرعة ودون تأخير فالطابور من ورائي طويل وصلاة المغرب على الأبواب ومن ثم فقد تم تحويلي للصبي الهندي في الشباك الآخر والذي فاق أستاذه فيما يبدو في حفظ كل أنواع العلاجات المقترحة وهو يقدر كميتها وما علينا إلا الدفع!

ذهلت من الاقتراح بالطبع ووقفت وقفة بطل مثخن بالجراح في وجه التنفيذ ولأن لدي والدة تتميز أكثر ما تتميز بالمنطقية ورجاحة العقل وتقتنع بالدراسات والأرقام لذا كان حجم المواجهة محدود خصوصا أنني كنت قد أنهيت قراءة بعض المعلومات التي وفرتها دراسة قام بها بعض الأطباء في المستشفى التخصصي عن أن 70% من المرة هو عبارة عن رصاص! والتفت لبقية النساء ولمن غادرن قبلا ولمن سيأتين لاحقا وكل منهن فرحة بكميات المرة التي سيلتهمنها طوال الحمل وتساءلت بهلع ما الذي سيحدث لكل هؤلاء الأجنة الذين يأتون من بطون أمهاتهم محملين بكميات غير محتملة من نسب الرصاص القاتل الذي يتسرب إلى الجسم عبر الجهاز الهضمي ولا يصرفه الجسم بعد ذلك أبدا!

هل تعي هؤلاء النسوة ما يحدث وكيف يمكن أن يكون لذلك أثره في الإصابات اللاحقة لهؤلاء الأطفال بأمراض مستعصية وعلى رأسها السرطان الذي تثير نسب انتشاره بين السعوديين أطفالا وكبارا قلق المجتمع البحثي والطبي, ممارسات الطب الشعبي قد تكون جزءاً من علاج نفسي يحقق الراحة لطالبه لكنه يتحول إلى خطر مدمر عند دخول مواد لم تتم تحليلها ولم يتم قياس نسب الكيميائيات المختلفة فيها كما في حالة دواء المرة الطيب الذكر.

إنني أتساءل كيف يمكن السماح بذلك جهارا وفي قلب المدينة وماذا يحدث لأجساد هؤلاء النسوة ولأجنتهن فيما بعد من جراء تناول كميات غير مدروسة من الأدوية والأعشاب الشعبية ولفترات زمنية طويلة تفعل فعلها البطيء والمدمر داخل أجسادهن دون أن يدرين.

أتفهم الرغبة الجارفة لدى كل مريض بمحاولة ما أتيح للبحث عن علاج للمشكلة لكن ذلك يجب أن يتم بدراسات طبية أو بتوفير نشرات من الأجهزة العلمية والطبية ومن وزارة الصحة تحتوي المعلومات العلمية وبشكل مبسط حول طبيعة التشكيل الكيميائي لهذه المواد وتوضع في محلات الطبابة الشعبية ليكون خيار المعرفة متاحا لمن أراد ولنحمي أجنة المستقبل من تدمير غير مقصود لكن لا رجعة فيه لخلاياهم ولصحتهم المستقبلية.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد