Al Jazirah NewsPaper Friday  18/04/2008 G Issue 12986
الجمعة 12 ربيع الثاني 1429   العدد  12986
الملك عبدالعزيز (الحلقة الثالثة)
وضع المملكة في مصاف الدول العظمى.. وشارك في صناعة القرارات الدولية
مطيع النونو

كان الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - في القرن الماضي ظاهرة إنسانية، ومن عظماء التاريخ الذين دفعوا البشرية في طريق الحياة الأفضل، ولم يكن بين ملوك الشرق مَن يضارع صقر الجزيرة العربية، ولم يرد حاكم قوي وصل إلى مكانة مؤسس الدولة السعودية الذي لا يعدله ملك في العالم الإسلامي؛

لذلك كان أعظم رجل عربي في الشرق العربي، وكان قوي الإرادة النافذة، ويتحلى بصفات الزعيم السياسي المحنك؛ ما جعله أبرز شخصية في عالمنا العربي، ويتمتع بالقوة والشجاعة والشخصية المحبوبة، والاستقامة التامة، وصواب الفكرة، والتف حوله زعماء الدول العربية في ذاك التاريخ.

كما اختاره قادة العالم الغربي، ومنهم الرئيس الأمريكي فرانكلن روزفلت والرئيس ونستون شرشل قائد قوات التحالف لدول المحور الذي حقق الانتصار على الجيش النازي الألماني، وعقدا اجتماعات مع الملك عبدالعزيز للتشاور معه في أوضاع العالم العربي وإعلان استقلال وسيادة الدول العربية.

ولهذا اكتسبت المملكة العربية السعودية احترام دول العالم بشخصية الملك عبدالعزيز وعظمته. والعظمة إما أن تكون بالطباع والأخلاق والمزايا في الصفات الشخصية، وإما أن تكون بالأعمال الجليلة التي صنعها العظيم، وأما أن تكون بالآثار التي أبقاها في تاريخ أمته وفي تاريخ الأمم الأخرى، وكل هذه المزايا كان الملك عبدالعزيز يتمتع بها؛ لذلك أصبحت المملكة العربية السعودية من الدول العظمى وصاحبة القرار منذ عهد الملك عبدالعزيز، وتشارك في صنع التاريخ وتوجيه القرارات الدولية، ولا يمكن أن تنعزل عن الأمم الأخرى في هذا العالم؛ لأن الشرائع السماوية تفرض عليها التعاون سوية وبذل كل جهد إنساني لعمارة الأرض، والبُعد عن الحروب المدمرة والعمل على تحقيق الأمن والسلام والطمأنينة لكافة الشعوب؛ لأن المملكة صاحبة رسالة حق، من خلال أهداف نبيلة، ومُثُلها في الأخلاق والاجتماع والإنسانية، من خلال نظريتها وعقيدتها الإسلامية بأن جميع الشعوب كلهم عيال الله؛ لأن الشريعة الإسلامية مشتقة من السلام والسلامة.

ولهذا لم تعرف البشرية نظاماً للعدالة كما نظمه الإسلام في تعامله مع غير المسلمين؛ فالإسلام يأمر بالإحسان، ويمنع العدوان على الآخرين. والحقيقة أن الملك عبدالعزيز أوجد دولة قوية، وتوافر فيها رجال من أبنائه لهم عقلية الدولة المتطورة، ولديهم كفاءات يضطلعون بالحكم ويشاركون في تحمل المسؤولية نحو عقيدتهم ووطنهم وشعبهم، مخلصين لشريعتهم الإسلامية التي اتخذت دستوراً ثابتاً للدولة.

لقد أكد التاريخ السعودي أن مؤسس الدولة السعودية كان يشرف بنفسه على تربية أبنائه، ويوجههم نحو ممارسة الحكم؛ ليحققوا خدمة الوطن والدولة والشعب للحفاظ على هذا التاريخ الذي سبق أن أقامه الأجداد بسواعدهم وجدده الوالد العظيم بعد تحرير الجزيرة العربية؛ لتبقى المملكة راسخة مدى التاريخ لا يزحزحها أي طارئ لا سمح الله حتى يرث الله الأرض ومَن عليها.

وبهذه الروح الطيبة، وبهذه الطوية السليمة، كان ينظر الملك عبدالعزيز إلى تاريخ ومستقبل الوطن السعودي، وأقام سياسة ثابتة، سار عليها من بعده جميع أبنائه من الملوك الذين تعاقبوا على قيادة المملكة للحفاظ على استقلال وسيادة الوطن. إلى جانب السياسة الرشيدة، وهي التضامن العربي التي أوجدها الملك عبدالعزيز، فقد التزم بها قادة المملكة مع ثوابتها والتعاون مع الأشقاء العرب ومتانة العلاقات الأخوية الصادقة مع دول العالم العربي، والالتزام بكل المواثيق والمعاهدات مع دول العالم؛ بهدف ضمان سيادة وحرية الوطن السعودي المقدس. وكانت مدرسة الملك عبدالعزيز هي الوحيدة التي حافظت على تاريخها.

لذلك استمرت المملكة العربية السعودية بثوابتها محافظة على كيانها، وكان الملك عبدالعزيز حريصاً على أن تحافظ الدول العربية على مكانتها وسيادتها التي بلغتها، والحصول على الاستقلال والحرية، ولكن وبكل أسف لم تتحقق هذه الأمنية؛ بسبب ضعف القيادات السياسية التي تسلمت المسؤولية؛ حيث ارتكبت تلك القيادات أخطاء جسيمة بسبب تعدد الأحزاب السياسية في الوطن العربي وتنافس الفئات الحاكمة للسيطرة على الحكم وعدم مشاركة الشباب الذين هم جيل المستقبل وتوجيههم ودفعهم للمشاركة بالمسؤولية الحقيقية، بل ترك الشباب وشأنهم وكانوا مصيدة للأحزاب والكتل السياسية الأخرى التي تعمل لمصالحها الخاصة والاستيلاء على الحكم لتحقيق المنافع الشخصية.

وتم الاتفاق بين الملك عبدالعزيز والملك فاروق العاهل المصري والرئيس السوري شكري القوتلي على نظام خطة عمل لأمور الدول العربية الأعضاء بجامعة الدول العربية، تقوم على عقد مؤتمرات ثلاثية تشاورية بين دولهم الثلاث على اعتبارهم يمثلون وجهة نظر جميع الدول في الجامعة؛ لذلك كانت قراراتهم منسجمة مع مواقف ووجهة نظر الزعماء العرب الآخرين، واتخذت في المؤتمرات المصغرة الثلاثية قرارات مصيرية ذات أهمية بالغة من خلال إيمان الأقطاب الثلاثة بوحدة الأمة العربية باعتبارها السياج المنيع للأمة العربية وضمانة لاستقلالها، وإبعاد كل مؤامرة قد تتعرض لها دولة عربية. وكانت خطة الزعماء الثلاث شاملة واضحة المعالم في تنسيق السياسات العربية وصلاتها الدولية، بالإضافة إلى الأمور الدفاعية العسكرية والقضايا الاقتصادية والثقافية المشتركة، وهذا ما ساعد على تماسك التعاون المشترك وثوقاً وقوة. لذلك خُيّل للدول العربية أن الدول الثلاث إنما تعمل معاً وكأنها دولة عربية واحدة وفي خدمة قضايا العالم العربي قاطبة. وكان هذا التعاضد حقيقة واقعة، وكانت نتائج اللقاءات المصغرة حاسمة للمصير المشترك، وإذا دعت الحاجة توجه دعوة لوزراء خارجية الدول العربية للتشاور الجماعي في أمرها واتخاذ القرار لدعوة القادة العرب لمناقشة المستجدات واتخاذ القرارات الموحدة بشأنها. وساعدت تلك القرارات على استقرار الوضع العربي وتماسك التضامن بين دوله. وفي السنة الأولى لقيام جامعة الدول العربية شهد العالم العربي احتفال الوطن السوري بالذكرى الأولى لعيد جلاء القوات الفرنسية والبريطانية عن سورية يوم 17 نيسان (أبريل) 1946م، وكانت أول مناسبة وطنية عربية يشهدها العالم العربي بعد قيام جامعة الدول العربية؛ حيث لبست سورية ثوب الحرية والسيادة والاستقلال، وأكدت المناسبة تضامن الوطن العربي مع سورية، وشاركت وفود الدول العربية الأعضاء في الجامعة بهذه الذكرى يتقدمهم الوفد السعودي برئاسة الأمير فيصل بن عبدالعزيز ممثلاً الملك عبدالعزيز، ووفود العراق والأردن ولبنان ومصر والأمين العام لجامعة الدول العربية عبدالرحمن عزام باشا. كما شارك في العرض العسكري الكبير قطعان من جيوش الدول العربية وسرب من الطائرات المصرية والعراقية شاركت الطائرات السورية بعرض جوي رائع.

وأطلق بهذه المناسبة على الرئيس شكري القوتلي رئيس الجمهورية السورية بطل الجلاء باعتباره كان مفاوضاً عنيداً مع الرئيس ونستون تشرشل حتى حصلت سورية على سيادتها، وأعلن الرئيس القوتلي أن سورية قدمت في سبيل الجلاء مئة ألف شهيد في سبيل استقلالها، ولم تتنازل لفرنسا لإبقاء قواعد لها في الأراضي السورية، وقال: لن يخفق في الوطن السوري إلا العلم السوري ولا تعلو فيه إلا هذه الراية.

وكان يوم 30 تشرين الثاني 1947هـ قد شهد أكبر مؤامرة دولية على الوطن العربي؛ حيث صدر قرار تقسيم فلسطين بين العرب واليهود؛ حين صوتت (33) دولة إلى جانب القرار، يتقدمها الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والدول الغربية، وعارضت الدول العربية القرار إلى جانب أفغانستان وتركيا وباكستان والهند واليونان وإيران وكوبا، كما استنكفت عشر دول عن التصويت.

وفور صدور قرار التقسيم أعلن الأمير فيصل بن عبدالعزيز رئيس وفد المملكة لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة: (كنا نأمل أن تكون هناك أسس للتفاهم، غير أن قرار اليوم قد أزال هذا الأمل من الأذهان، وفرق ميثاق هيئة الأمم المتحدة معلنا أن المملكة العربية السعودية تعتبر نفسها غير مرتبطة بهذا القرار، وحرة في التصرف باتخاذ ما تراه مناسباً)، وكان تمزيق الأمير فيصل ميثاق الأمم المتحدة باعتبار أن قرار تقسيم فلسطين يتنافى مع مضمون ميثاق الأمم المتحدة الذي شاركت المملكة بوضع مبادئه العادلة.

وفي يوم 15 أيار (مايو) 1948م وقعت الحرب العربية مع اليهود، وهي الأولى في منطقة الشرق الأوسط، وزحفت الجيوش العربية على فلسطين وهاجمت المستعمرات اليهودية، وكانت الكارثة التي حلت بالعالم العربي، ووافق اليهود والعرب على قيام الهدنة رغم ما أحرزته الجيوش العربية من انتصارات في فلسطين، وصدر قرار مجلس الأمن بوقف القتال، حيث وصف القرار بأنه مجلس ظالم.

وفي مؤتمر صحفي عقده الزعيم اللبناني كميل شمعون حمل على الهدنة واعتبرها لمصلحة اليهود، وهي تكسب اعترافاً دولياً باعتبار إسرائيل تتمتع بكيان يوازي كيان الدول العربية المستقلة، وقال: إنني أترك للأيام القريبة لنرى ما إذا كنا ساعدنا بأيدينا على تأسيس الدولة اليهودية وقيامها على عتبة الشرق العربي. والوثائق التاريخية المتوافرة في مراكز البحوث العلمية تؤكد مدى اهتمام الدول الكبرى بالمنطقة العربية الذي يعود إلى ما قبل (1500) سنة؛ لذلك بعد زوال حكم الإمبراطورية العثمانية بدأ التآمر عملياً على المنطقة باعتبارها ملتقى الطرق الدولية؛ لأن شواطئ سورية ولبنان تطل على حوض البحر الأبيض المتوسط الذي يلامس القارات الثلاث آسيا وأوروبا وإفريقيا. وبعد عام 1948م الذي كان عام النكبات والمفاجآت السياسية، ومن أخطرها الكارثة الفلسطينية بدأت في عام 1949هـ المؤامرات ضد سورية، ووقع أول انقلاب أطاح بالحكم الوطني السوري باعتبار سورية مسرحاً لجميع العبادات في العالم رغم أن عدد سكانها لا يتجاوز في ذاك التاريخ ثلاثة ملايين نسمة، يمثلون حوالي عشرين طائفة ومذهباً دينياً، كما هو الحال في الوطن اللبناني وعدد طوائفه يزيد على 18 طائفة مذهبية، كما أصبح هناك 18 منظمة في فلسطين المحتلة. وكانت التجربة الديمقراطية المبكرة التي شهدتها سورية ولبنان أتاحت لعدد كبير من الأحزاب القيام بدور سياسي، وكان أخطر ما في الأمر هو تعدد الأحزاب في البلدين في ظروف لا تتحمل فيها المصلحة التنافس والخصومات، بما انعكس سلبياً على جميع الأحزاب، في وقت انطلقت فيه فكرة القومية العربية في الوطن العربي.

وبدأت المداخلات الإقليمية والدولية في سورية لأخطر الزلازل السياسية، وشهدت البلاد ثلاثة انقلابات عسكرية متلاحقة كانت وبالاً على الشعب السوري؛ حيث وقعت بعد ثلاث سنوات من تمتع الشعب السوري بحريته واستقلاله؛ لأن الوطن السوري قد رفض مع العالم العربي فكرة قيام دولة إسرائيل في قلب العالم العربي، وكان الزعيم السوري الاشتراكي أكرم الحوراني المحرض الأول للانقلابات العسكرية في سورية، وتعاون معه ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث، وكان لكل حكم عسكري في سورية توجه سياسي خاص به، يبدأ بإطلاق الشعارات التي تندد بالحكم السابق والحديث الفضفاض عن مبدأ الانقلاب الجديد؛ لذلك أصبحت القضية الفلسطينية بمثابة مزايدات سياسية وتجارية بين القيادات العسكرية؛ لذلك كان أصغر ضابط في الجيش السوري يفكر في القيام بانقلاب ليحكم الوطن السوري. وانتقلت الانقلابات إلى مصر، وأطيح بالملك فاروق، وشملت الانقلابات بعض الدول العربية ذات النظام الجمهوري وأيضا النظام الملكي في العراق واليمن وليبيا بدعم من الرئيس جمال عبدالناصر الذي سيطر على الحكم في مصر وأطاح باللواء محمد نجيب وأقصاه عن الحكم؛ لذلك شملت الهزات السياسية المنطقة العربية، وكان هذا الأمر الهاجس الأول لدى جلالة الملك عبدالعزيز ونظرته لمستقبل الأمة العربية وضرورة استقرار الأوضاع في العالم العربي وقيام التضامن بين الدول العربية وإعلان جامعة الدول العربية؛ ليحافظ العالم العربي على كيان وجوده، كما كان لجلالة الملك عبدالعزيز إحساس كبير بوجود مؤامرات دولية وتنافس عالمي على المنطقة العربية بسبب موقعها الجغرافي الاستراتيجي، ولكن كان قادة الدول العربية بعيدين جداً عن تلك التصورات الواقعية التي لمسها الملك عبدالعزيز من خلال صلاته الدولية مع قادة العالم الغربي.

وفي شهر آذار (مارس) 1950م وقع أول خلاف سياسي بين سورية ولبنان في مهد انقلاب أديب الشيشكلي في سورية، حيث تولى رئاسة الوزارة السورية خالد العظم المعروف بالمليونير الأحمر؛ باعتباره من رجال المال والاقتصاد، ولكن يتعاون مع الحزب الاشتراكي الذي يتزعمه أكرم الحوراني وأيضاً مع الزعيم الشيوعي خالد بكداش رئيس الحزب الشيوعي في سورية ولبنان؛ لذلك أطلق عليه لقب المليونير الأحمر.

وقدم الرئيس العظم مذكرة إلى رئيس وزراء لبنان رياض الصلح يخيره بين وحدة اقتصادية بين البلدين أو انفصال جمركي لوضع حد لبلبلة الوضع الاقتصادي بين البلدين على حد تعبير الرئيس العظم، ولكن رفض الرئيس الصلح مذكرة الإنذار السورية باعتبارها لا تنسجم مع روح التعاون والصداقة التي حافظت عليها الحكومات اللبنانية المتعاقبة، وأكد أن لبنان أخلص للعلاقات مع سورية وضحى في سبيلها بالكثير من مصالحه؛ وذلك حفاظاً على الروابط العديدة واعتقاداً مخلصاً في نظام العلاقات الأخوية التي تمثل نفعاً متبادلاً في البلدين.

ورافق الخلاف والموقف المتأزم بين سورية ولبنان انعقاد مجلس جامعة الدول العربية في القاهرة يوم 23 آذار - مارس 1950هـ، حيث مثّل المملكة العربية السعودية في اجتماعات الجامعة سمو الأمير فيصل بن عبدالعزيز نائب الملك وبتوجيه من جلالة الملك.

تدخل الأمير فيصل أخوياً لحل المشكلة الاقتصادية بين البلدين بعد أن تبين له أن الاتهامات المتبادلة ناتجة عن أمور سياسية شخصية من خالد العظم، وهي تنازع لا مبرر له؛ لذلك أساء الأمر للموقف العربي من القضية الفلسطينية التي تُبحث في دورة الجامعة العربية، ودعا الأمير فيصل رياض الصلح وخالد العظم لتناول الشاي في منزله بالقاهرة، وأكد لهما أمنيات الملك عبدالعزيز شخصياً ألا يحصل بينهما ما يكدر صفو العلاقات الطيبة بينهما، كما شرح الأمير فيصل لهما أن الملك عبدالعزيز يحمل كل محبة وأخوة صادقة لسورية ولبنان الشقيقتين منذ القدم، ومن الواجب الوطني ضرورة توحيد الجهود العربية أمام القضايا المصيرية.

وبعد أن عرض كل من العظم والصلح وجهة نظره، كان العظم في رده على الصلح يعبر عن غطرسته كعادته، وكان قاسياً قائلاً: إن سورية لا يمكن أن تقبل بالعودة إلى الحالة السابقة؛ لذلك قطع الطريق لإعادة المياه إلى مجاريها مع لبنان الشقيق. عندها قال لهما الأمير فيصل رحمه الله: أتمنى أن تكون التجربة ونتائجها فيها الخير لسورية ولبنان. منهياً هذا اللقاء. وأمام هذا الموقف المتصلب من الرئيس العظم لم يحاول رؤساء الوفود العربية لاجتماعات الجامعة العربية التدخل في أمر الخلاف السوري اللبناني بسبب الموقف المتعنت الذي اتخذه رئيس وزراء سورية.

وبعد اغتيال الرئيس رياض الصلح في عمان يوم السابع من تموز 1951م شكّل الوزارة اللبنانية الحاج حسين العويني، حيث حاول إيجاد حل للخلاف مع العظم بالنظر إلى الصلات الأخوية بين العظم والعويني، ولكن فشلت كل الاتصالات مع العظم.

ودعا الرئيس العويني زميله الرئيس العظم لزيارة لبنان لعقد لقاء مع رئيس جمهورية لبنان الرئيس بشارة الخوري، وفشلت المباحثات، وعندها طالب الرئيس الخوري بأن يكون الاتفاق مع سورية على جميع الأمور، دون حل وسط للقضايا المختلف عليها، ولم يوافق العظم على الحل؛ ما دعا الرئيس الخوري إلى ضرورة قيام تبادل تمثيل دبلوماسي بين البلدين ليسهل تبادل الرأي والمذاكرة المستمرة؛ لذلك كان الرئيس الخوري أول رئيس في لبنان يطالب بقيام تمثيل دبلوماسي مع دمشق لحل أي خلاف قد يقع بينهما، وقد مضى على طلب لبنان لقيام التمثيل الدبلوماسي 57 سنة ولم يتحقق.

إن الأزمة اللبنانية السورية التي بدأت يوم 14 شباط 2004م بسبب اغتيال الرئيس رفيق الحريري بعد قرار سحب القوات السورية من لبنان كان لها وقع كبير في الدول العربية بعد أن تأزمت العلاقات بين دمشق وبيروت بسبب تبادل الاتهامات بين البلدين الشقيقين اللذين تربطهما الحدود المشتركة. لذلك طلبت الحكومة اللبنانية برئاسة فؤاد السنيورة التي تمثل الأكثرية فيها كتلة المستقبل بضرورة إقامة العلاقات الدبلوماسية بين دمشق وبيروت وقيام علاقات أخوية بين البلدين شبيهة للتمثيل الدبلوماسي مع الدول العربية الأخرى، مع ترسيم الحدود من الشمال إلى الجنوب والتأكيد على أن مزارع شبعا المحتلة من إسرائيل إنما هي تخص الجانب اللبناني. وفي الأسبوع الماضي قام رئيس مجلس النواب نبيه بري بزيارة دمشق، واجتمع بالرئيس السوري بشار الأسد، وأعلن بري أنه حصل من الرئيس الأسد على موافقته لإقامة التمثيل الدبلوماسي مع لبنان. لذلك السؤال المطروح: هل سيرى هذا القرار النور في وقت قريب الذي سيساعد على حلحلة الأزمة السورية اللبنانية؟ وهل سيرفع العلم اللبناني على مقر السفارة اللبنانية في دمشق، ويرفع العلم السوري على مقر السفارة السورية في بيروت؟

ولأول مرة في تاريخ القمم العربية الدورية شهدت القمة العربية في دورتها العشرين التي عقدت في دمشق يومي 29 و30 آذار- مارس الماضي انخفاضاً في التمثيل، ولم يسجل التاريخ العربي مثل هذا الانخفاض في تمثيل الدول العربية وعدم حضور قادة الدول العربية الفاعلة في العالم العربي لقمة دمشق، كما غاب لبنان عن الحضور، وهذه هي المرة الأولى التي يغيب فيها لبنان عن القمم والاجتماعات العربية المصيرية بسبب تفاقم الخلاف مع سورية، علماً بأن لبنان من الدول المؤسسة لجامعة الدول العربية.

لذلك كان اللقاء السعودي المصري في شرم الشيخ بين خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز والرئيس حسني مبارك للتأكيد على أهمية استقرار لبنان وتحريك الوضع فيه باعتباره المفتاح الأول في عودة الوئام العربي وانفراج العلاقات العربية/ العربية، وهي أساس ومحرك هذه الخلافات التي تراكمت على الوضعين في الأراضي الفلسطينية بعد توسيع الخلاف بين منظمتي فتح وحماس، وفي لبنان بسبب الخلاف بين لبنان وسورية الذي مضى عليه أربع سنوات ولم يشهد الحل الأنسب لعلاقات البلدين الشقيقين حتى الآن.



لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 5137 ثم إلى الكود 82244

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد