Al Jazirah NewsPaper Sunday  20/04/2008 G Issue 12988
الأحد 14 ربيع الثاني 1429   العدد  12988
الكتاتيب في حائل
علماء أجلاء قاموا بدورهم قبل التعليم النظامي

بقلم: علي حمود العريفي

تورد بعض المصادر التاريخية أن ظاهرة انتشار الكتاتيب قد استمرت على مر العصور في شتى أنحاء العالم الإسلامي، وقد ساهمت في مكافحة الأمية بين الناس، كما يؤكد الصحابي عبدالله بن مسعود رضي الله عنه بقوله: (لا بد للناس من ثلاثة: أمير يحكم بينهم ولولا ذلك لأكل بعضهم بعضاً، ولا بد للناس من شراء المصاحف وبيعها ولولا ذلك لقل كتاب الله، ولا بد للناس من معلم يعلم أولادهم ولولا ذلك كان الناس أميين).

وكانت الكتاتيب تاريخياً تسمى (مجالس الأدب)، ومن المرجح أن هذا النوع من دُور العلم قد عرف تاريخياً من أيام الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فقد روي أن جبير بن حبوة كان معلماً ومؤدباً في أحد مكاتب مدينة الطائف، ويُذكر أن الضحاك بن مزاحم المتوفى سنة 105هـ كان مؤدباً للأطفال والصبيان في أحد الكتاتيب في مدينة الكوفة، وكان لديه ثلاثة آلاف صبي يعلمهم.

ثم ما لبثت أن زادت قاعدة الكتاتيب واتسعت نتيجة لما حققته من أهداف كثيرة ممثلة في غرس الروح الإسلامية وتنميتها في قلوب الناشئة من خلال حفظ القرآن الكريم وفهمهم، وقد حرص أولياء الأمور آنذاك على إرسال أبنائهم إلى دُور العلم في الكتاتيب من أجل ترسيخ العلوم والمعارف لدى الأبناء، وفي ذلك قال العلامة ابن خلدون: (اعلم أن تعليم الوِلدان القرآن الكريم شعار من شعائر الدين، أخذ به أهل الملة، ودرجوا عليه في أمصارهم؛ لما سبق به القلوب من رسوخ الإيمان وعقائد من آيات القرآن الكريم وبعض فنون الأحاديث).

وساهمت الكتاتيب على مر العصور في حفظ الهوية الإسلامية في وجه الاحتلال الأجنبي الذي يعلم أن قوة الإسلام بثقافته ولغته العربية التي هي سر وجوده وشخصيته، ونستطيع القول: إن الفضل لله في الحفاظ على الهوية الإسلامية ثم للدور الرائد الذي قامت به الكتاتيب على مر العصور.

والكتاتيب من أقدم وسائط التربية التي عرفها المسلمون إلى جانب البيت والمسجد، وتمثل جانباً مضيئاً من الصور الناصعة لموروثنا الإسلامي المجيد، ويجب علينا نحن أبناء هذه الحضارة والتاريخ الحافل والمجد التليد أن نفاخر به ونعتبره التاريخ التعليمي والتربوي الرائد الذي تستمد منه القوة والعطاء في زمن التقنية، يجب أن نستمد من خطى ذلك الشيخ الفاضل معلم الكتاتيب الذي أضاء في داخله الضمير الإنساني تجاه أبناء أمته وحمل مشعل العلم ينير الطريق لهؤلاء الصبية في زمن التحدي والظروف الصعبة.

لكننا وللأسف نشاهد في هذا الزمن في الإعلام العربي مَنْ يتعمّد تشويه صورة شيخ الكتاتيب على الشاشات بأنه ذلك الشيخ الذي يحمل العصا ويلتف حوله الصبية، ويصورونه بالمهرج الذي لا همّ له سوى بطنه، ولا يحسن قراءة العربية فضلاً عن قراءة القرآن الكريم إلا بطريقة مضحكة هزيلة!! هذا ما قدمه إعلامنا العربي من صور لتلك الخطى الجليلة والرائدة للكتاتيب بدلا من الاستنارة بروح العزيمة وصدق التوجه وشعورهم المتوقد تجاه أبناء المسلمين، وقد نذروا أنفسهم لإقامة دُور العلم وحماية الناشئة وتعميق العلوم والمعارف والعقيدة الصافية.

وهذه صفحة ناصعة من تاريخنا المحلي شهدت العمل الجليل الذي قام به مشايخنا وعلماؤنا الذين نذروا أنفسهم لهذه الرسالة بوعي مبكر سجله الرحالة الذين زاروا حائل في الثلاثينيات حينما زار المستشرقون مدينة حائل سنة 1334هـ - 1914م، وذكروا أن في حائل مدرستين: مدرسة المرشدي الدينية في مسجد برزان، ومدرسة ابن مرعي في حارة لبدة، وذكروا أن هاتين المدرستين يقوم معلموهما بتدريس العلوم الدينية.

ومنذ بداية القرن الرابع عشر الهجري بدأت الصورة تتضح أكثر وأكثر عن وجود مدارس للكتاتيب؛ فقد افتتح الشيخ شكر بن حسين مدرسة ذكر الهندي على أنها مدرسة كبرى لتعليم القرآن وتحفيظه، وتخرج من هذه المدرسة كثير من الطلاب، ولما توفي الشيخ شكر سنة 1337هـ - رحمه الله - تولى أمر مدرسته أخوه لأمه الشيخ علي بن محمد العلي.

وقد كان التعليم بمنطقة حائل يعتمد على حلقات المساجد وفي بعض البيوت، حيث يقوم العلماء بتعليم تلاميذهم العلوم الدينية والقراءة والكتابة والتاريخ، وقد تخرج من هذه الحلقات علماء أجلاء قاموا بدورهم بتعليم الآخرين ابتغاء مرضاة الله فنذروا أنفسهم لهذا العمل الجليل، وللصغار كتاتيب تعلمهم القراءة والقرآن الكريم والكتابة ومبادئ الحساب.

وفي عام 1353هـ افتتح الشيخ سليمان السكيت أول مدرسة بحائل أدخل في تعليمها إلى جانب القراءة والكتابة علم التاريخ واللغة العربية والحساب وتعليم الخط، وأطلق عليها اسم (مدرسة سبيل الرشاد)، وتخرج منها الكثير من الشباب.

وكان طلبة العلم في حائل يتلقون تعليمهم على الكثير من العلماء والمشايخ.. ومنهم: الشيخ صلح بن سالم البنيان، والشيخ عبدالله بن مرعي، والشيخ عثمان العبدالكريم العبيداء، والشيخ حمود بن حسين الشغدلي، والشيخ عبدالرحمن بن سليمان الملق، والشيخ عبدالله الخليفي، والشيخ عبدالله بن بليهد، والشيخ عبدالله المهوس، والشيخ سليمان العطية، والشيخ علي الصالح، والشيخ عبدالعزيز بن صالح النزهة، والشيخ صالح بن محمد الزريقي، والشيخ يوسف اليعقوب، والشيخ عمر اليعقوب، والشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الملق، والشيخ إبراهيم المبرك.

وكان للبنات بعض الكتاتيب منها: كتّاب هيلة في حي لبدة مقابل بيت إبراهيم المشاري، وكتّاب بنت هيلة واسمها نورة في العليا، وكتّاب هيا بنت صالح الناصر الشاعر، وكتّاب فاطمة الغازي في حارة سرحة، وكتّاب نورة محمد الصوينع.

ومن المعلوم الثابت أن التعليم في حائل بدأ مبكراً؛ فقد ذكر الرحالة في ذلك العهد في بداية الثلاثينيات أنهم شاهدوا في حائل مدارس شبه نظامية، وكانت بجهود مشايخها وعلمائها الأفاضل، يدفعهم في ذلك الدافع الديني تجاه طلابهم واستشعارهم بأهمية الرسالة وفرضية العلم على كل مسلم ومسلمة، وأن إسلامنا الحنيف يحتم العلم على كل مسلم ومسلمة والعمل به، وكان مجتمع حائل في ذلك الوقت مجتمعاً حضرياً، وحائل تسمى حاضرة نجد حينذاك.

وكانت أساليب التعليم في الكتاتيب تعتمد على التلقين والحفظ وتعليم القرآن الكريم وتجويده والقراءة والكتابة، وكل ذلك بطرق بدائية وبمواد طبيعية تستخرج مما حولهم من أشجار طبيعية، فيعمدون إلى عمل ألواح للطلاب للكتابة عليها، ثم تدهن بمادة بيضاء تشبه الجص شبه الطباشير، ويعاد استخدامها، وتسمى (بيضاء لوح).. ويبدأ المعلم عادة مع الطلاب على شكل حلقة للدرس يتوسطهم المعلم، ويبدأ معهم متدرجاً بالحروف الهجائية بالطريقة الصوتية (ألف.. باء.. تاء) ثم يردد الطلاب مع شيخهم الحروف، وبعدها يكتب كل طالب الحروف على (بيضاء لوح) الخاصة به، وهكذا.. وحين يعود يسأله الأهل: وين خطتك؟ يقول: بالألف.. ويتدرّج معه الشيخ إلى علامات النصب والرفع ليردد معهم بالصوت: (باء نصب باء، والباء المكسورة بي خفاض بي، والباء المرفوعة بو رفاع بو، والباء الساكنة أب جزم أب)، وهكذا حتى يتقن الطلاب جميع الحروف، ثم ينتقل الشيخ إلى خطة أخرى للطلاب، وهكذا.. والأساليب نفسها تطبق على كتاتيب البنات في المنازل لدى من نذرن أنفسهن لهذا الدور في تعليم بنات ذلك المجتمع.

وقد واجهت الكتاتيب متاعب كبيرة في إقناع أولياء الأمور بأهمية تعليم الأبناء؛ لأن الآباء في ذلك الوقت مشغولون في مزارعهم ومتاجرهم ويعتبرون ذهاب الأبناء إلى حلقات العلم يشغلهم عن الحقل والمتجر. وقد واجهت الكتاتيب متاعب كبيرة أيضاً في أوساط بعض الأسر التي تمنع بناتها من التعليم، وقد استمر هذا في نجد حتى في بدايات التعليم النظامي.

لقد أسس هؤلاء المشايخ القاعدة المتينة لهذا التاريخ التعليمي المضيء، وتخرج على أيديهم أجيال قادت المسيرة من بعدهم.. وبعد ثلاث سنوات من تأسيس الشيخ السكيت (مدرسة سبيل الرشاد) سنة 1353هـ بدأ التعليم النظامي في حائل عام 1356هـ بافتتاح (المدرسة السعودية) في عهد المؤسس الملك عبدالعزيز - رحمه الله - وانضمت (مدرسة سبيل الرشاد) وجميع الجهود المباركة لرجال التعليم السابقين إلى التعليم النظامي في المدرسة الحكومية (المدرسة السعودية) في حي العليا في مدينة حائل، وكان وقتها المدير العام لمديرية المعارف سماحة الشيخ طاهر الدباغ - رحمه الله - وكان أوائل المعلمين المعيّنين في (المدرسة السعودية) هم رواد التعليم في حائل:

(1) الشيخ سليمان السكيت:

الذي عمل بالمدرسة السعودية، ثم مديراً للمدرسة العزيزية، ثم مديراً للمدرسة الفيصلية، ثم مديراً للمعهد العلمي، ثم انتقل إلى دار الأيتام، ثم قاضياً إلى أن أُحيل إلى التقاعد - رحمه الله.

(2) الشيخ علي بن صالح السالم:

عمل مديراً للمدرسة الفيصلية عام 69هـ، ثم مديراً للمعهد العلمي عام 73هـ، ثم عمل مشرفاً على مدارس المنطقة من عام 74هـ إلى أن أحيل إلى التقاعد، ثم انتقل إلى رحمة الله عام 1399هـ.

(3) الشيخ صالح العلي الطويرب:

كان ضمن هيئة التدريس بالمدرسة السعودية عام 56هـ، ثم مديراً للمدرسة الغربية التي غُيّر اسمها إلى مدرسة عمر بن الخطاب إلى أنْ أُحيل إلى التقاعد - رحمه الله.

(4) الشيخ عبدالكريم بن ناصر الثويني:

تعيّن مدرساً بالمدرسة السعودية عام 56هـ، وظل بها إلى أن اختير مديراً لمدرسة حارة مغيضة بحائل وأحيل إلى التقاعد، وعمل مدرساً بالمعهد العلمي، وانتقل إلى رحمة الله عام 95هـ.

(5) الشيخ محمد بن عبدالله الخلف:

عمل مدرساً بالمدرسة السعودية، ثم انتقل إلى سلك القضاء، وظل قاضياً إلى أن أحيل إلى التقاعد - رحمه الله.

(6) الشيخ صالح بن راشد البكر:

عُيّن في المدرسة السعودية عام 1358هـ، ثم مديراً لها، ثم مديراً للمدرسة الثانية، ثم مفتشاً إدارياً، ثم انتقل إلى منطقة أبها مديراً للتعليم هناك، وبقي بها إلى أن اختير مديراً لإدارة المستودعات بجهاز الوزارة، ثم مديراً لشؤون الموظفين بالوزارة، وأخيراً مديراً عاماً لمعهد العاصمة النموذجي بالرياض إلى أن تقاعد وانتقل إلى رحمة الله.

(7) الشيخ إبراهيم بن عبدالكريم الثويني:

عمل مدرساً بالمدرسة السعودية عام 59هـ، ثم مديراً للمدرسة الغربية (عمر بن الخطاب)، ثم مديراً للمدرسة الثانوية، ثم مفتشاً إدارياً، وأخيراً مديراً للتعليم بمنطقة حائل إلى أن تقاعد عام 1405هـ - رحمه الله.

(8) الشيخ عبدالله العرفج:

عمل معلماً بالمدرسة السعودية عام 56هـ، ثم انتقل إلى عنيزة، ثم انتقل إلى جدة مفتشاً إدارياً إلى أن تقاعد - رحمه الله.

(9) الشيخ علي بن محمد العلي:

أسس مدرسة خاصة لتعليم القرآن الكريم بحائل، وظلت هذه المدرسة قائمة إلى أن التحق بهيئة التدريس في المدرسة السعودية في عام 69هـ، وظل يمتهن التدريس إلى أن انتقل إلى رحمة الله.

(10) الشيخ صالح الزريقي:

أسس مدرسة خاصة في حائل لتعليم القرآن الكريم، والتحق بهيئة التدريس بالمدرسة السعودية، وتوفي رحمه الله تعالى.

(11) الشيخ محمد المنصور:

عمل مدرساً بالمدرسة الفيصلية، ثم بالمدرسة العزيزية ثم أحيل إلى التقاعد - رحمه الله.

(12) الشيخ عبدالرحمن بن عبدالله الملق:

عمل مدرساً بالمدرسة السعودية عام 68هـ، ثم وكيلاً لمدير المعهد العلمي الابتدائي بحائل، ثم مديراً للمعهد، ثم مفتشاً إدارياً بإدارة التعليم، ثم مديراً للشؤون الإدارية، وبقي بعمله الأخير إلى أن طلب الإحالة إلى التقاعد.

(13) الشيخ إبراهيم بن حماد الصائغ:

عمل مدرساً بالمدرسة السعودية، وبقي بعمله إلى أن اختير مديراً لمدرسة الزبارة بحائل التي حُوّل اسمها إلى مدرسة أبو بكر الصديق، ثم انتقل موجهاً تربوياً بإدارة التعليم بحائل إلى أن تقاعد رحمه الله.

(14) الشيخ عيسى بن ناصر الملق:

انضم إلى أسرة المدرسة السعودية معلماً عام 68هـ، ثم مديراً لتعليم البنات بحائل، ثم موجهاً للتربية الإسلامية إلى أن تقاعد.

(15) الشيخ علي بن عبدالعزيز المشاري:

عمل مدرساً في المدرسة العزيزية عام 68هـ، ثم بالمدرسة الفيصلية إلى أن تقاعد - رحمه الله.

(16) الشيخ محمد بن إبراهيم المشاري:

تعيّن مدرساً بالمدرسة السعودية، ثم وكيلاً للمدرسة الفيصلية إلى أن تقاعد - رحمه الله.

(17) الشيخ عبدالله الشلاش:

عيّن مدرساً بالمدرسة السعودية عام 1358هـ، وانتقل مدرساً بمدينة بريدة، وأخيراً انتقل إلى جهاز الوزارة موجهاً للتربية الإسلامية إلى أن أحيل إلى التقاعد - رحمه الله.

(18) الشيخ إبراهيم المبرك:

كان له مدرسة خاصة (كتّاباً) تقوم على تدريس القرآن الكريم في مدينة حائل، وظلت هذه المدرسة قائمة إلى أن تعين مدرساً بالمدرسة السعودية، وبعد مدة انتقل إلى رحمة الله.وهناك الكثير من الرواد ممن لا يتسع المجال لذكرهم في حائل وفي المحافظات والمدن ممن كانت لهم أيادٍ بيض على طلابهم، ثم انطلقت مسيرة التعليم النظامي وتوالى فتح المدارس وأضاء مشعل العلم كل مدينة وقرية وهجرة في مملكتنا الحبيبة في هذا العهد الزاهر.

للتواصل:




hailart2002@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد