سمع رنين الجرس..
كان يجلس وحيداً إلى طاولته الخشبية.. فوق الطاولة يستقر مصباح يرسل ضوءاً ساطعاً..
قلمان جاف ورصاص.. أوراق مسودات..
وأوراق بيض..
قبل رنين الجرس بلحظات قلائل..
كان قد وضع مقياس الحرارة في فمه.. عرف من سنين عدة أن أفضل لحظات الكتابة هي لحظات القلق والتوتر والخوف..
كانت حرارته ترتفع تدريجياً كلما اقترب موعد الكتابة، وكأنه سجين ينتظر لحظة الحرية بعد العاشرة مساء..
يجلس إلى طاولته.. يطلق العنان لمخيلته ويدعها تسيح في عوالم الدهشة..
بعد أن يتناول وجبة عشائه الخفيفة التي يشتريها من مطعم قريب من سكنه..
يجلس إلى منضدته يهيئ أوراقه وأقلامه ومسوداته.. يهيئ كأساً أنيقاً مترعاً بالعصير في الناحية اليسرى من المنضدة.. وقبل أن يشرع بالكتابة يضع مقياس الحرارة تحت لسانه..
مع الفقرة الأولى يخرجه من فمه ويضعه جانباً..
لملم أوراقه المكدسة على الطاولة..
ورفع ورقة بيضاء سقطت على الأرض..
حين سمع رنين جرس الشقة.. كانت ليالي الصيف معتدلة، ومن نافذة شقته المشرعة يتسلل نسيم بارد منعش.
كانت تلك ليلة نادرة؛ فقد اعتاد الناس
أن يعانوا من حرارة الصيف القاتلة
من ذا الذي يقرع الجرس؟
من ذا الذي سيحرمه من ألم الكتابة وعذابها..
من ذا الذي يشد حصانه ويمنعه من الجري في قفار الألم ومروج اللذة.
من ذا الذي سيحرمه من قلق وأوجاع هذه الليلة المعتدلة النادرة.
سار ببطء إلى باب الشقة..
حرك المفتاح في الباب ثم أدار الأكرة
وحين فتح الباب تنشق في الحال عطراً جميلاً.