تقرير - فهد الفاضل
أذكر وغيري كثيرون قصة شابين احترقا حتى الموت قبل فترة في عنيزة، لم يكن أمامهما إلا الاستغاثة بمن لا يملك القدرة على إنقاذهما، حيث علقا في سيارتهما وهي تشتعل؛ إثر حادث تصادم مع سيارة أخرى في التقاء الدائري الغربي مع الجنوبي في عنيزة، والسبب (قطع إشارة) لم تعد قادرة على امتلاك التقدير الكافي بالحفاظ على شخصيتها الاعتبارية بعد أن أصبحت عند البعض لا قيمة لها!، كان الشابان يصرخان بمن تجمهر بالقرب من السيارة، في مشهد رعب، وتراجيديا مؤلمة ومأساوية، وما من مجيب، فالنار بهيبتها تخلع القلوب بمجرد مشاهدتها، فكيف بالاقتراب منها؟
تخيَّل فقط!!
تخيَّل نفسك تقف، وأمامك شخص يحترق، تراه فتشيح بوجهك لأنك لا تمتلك القدرة على إنقاذه، بل إنك لتخجل من ضيق ذات اليد، حتى وإن كانت الحلول بمتناول اليد، مع التسليم بقضاء الله وقدره، شابان يحترقان حتى الموت، وبعد فوات الأوان يتم إخراجهما متفحمين تماماً، ولم تُجْدِ أوراق (السلوفان) التي تم لفهما بها في التبرير، أو محو حسرة ارتسمت على محيا كل من شاهد الموقف المثير، وهو بالفعل مثير للمشاعر، وللجدل؛ إذ إن (طفاية) الحريق لم تكن حاضرة كالعادة، حتى وإن كان من تجمهر حول الحادث حشد من البشر، بل حتى مع القدرات الكبيرة للدفاع المدني والهلال الأحمر، وسرعة الانطلاق إلى مكان الحادث، فالمسافة بعيدة بما يكفي لموت الشابين قبل تداركهما، وكل شيء بقدر، ولكم أن تتخيَّلوا كيف كان وقع الحادثة على نفوس ذويهما، ولم يمض وقت طويل إلا وتوفي خمسة مقيمين في حادث واحد ولذات السبب وفي نفس المكان، الذي بات الترقُّب المشوب بالحذر وانتظار المزيد من المآسي عنواناً، بل وشعاراً دائماً له، إذ إن ما تمَّ ذكره ليس سوى أمثلة فقط، حفظ الله الجميع.
عنيزة مساحات ومسافات
من المهم الإشارة إلى أن عنيزة بمساحاتها الحالية لم تعد تكتفي بعدد محدود من فرق إسعافية أو فرق للدفاع المدني لا تكاد تغطي أجزاء منها، وهي رسالة لمن يهمه الأمر، عنيزة تكبر وتتسع والخدمات في مجال الدفاع المدني ومجال الهلال الأحمر هي نفسها لم تتغير من سنوات عديدة، وحدتان للدفاع المدني ومركزان للهلال الأحمر، وفي الوقت الذي ندرك تماماً حرص الحكومة على بذل الغالي والنفيس من أجل أبنائها، وفي مقدمة ذلك أمنهم وسلامتهم؛ فمن المؤكد أن هناك حاجة واضحة لتدعيم وزيادة بعض الخدمات التي لا غنى عنها، ولعل المنصف يرى بأن الدفاع المدني والهلال الأحمر يبذلون جهودهم وفق الإمكانات المتاحة، لكن هذه الإمكانات لم تعد قادرة على تغطية الحاجة في كل المواقع.
وما أدراك ما الوعي؟!
الأمر الآخر الذي قد يكون أكثر خطورة وأهمية هو الوعي الذي يجب أن يتنامى لدى كثيرين حتى يمكنه تعزيز الخدمات المقدمة من الدولة، فحتى لو توفر العدد الكافي من وحدات الدفاع المدني والهلال الأحمر والمرور والدوريات فإن هذه الخدمات مهما بلغ مستواها ستفقد الكثير من قيمتها في ظل انعدام الوعي، أو قلته، فالسرعة، وقطع الإشارة أصبحا أموراً مؤرقة للكل، حتى مع الانضباط التام والقيادة الآمنة التي يتميز بها البعض، فإن هؤلاء قد يبتلون بأخطاء غيرهم، ويذهبون ضحية لتصرفات غير مسئولة يقوم بها من لا يحسن تقدير العواقب بشكل أو بآخر، الإمكانات التي توفر لا بد لها أن تعزز بفرض الوعي وفرض النظام، وإلا فلن يكون لها قيمة تذكر أمام اللا مبالاة، ورعونة التصرف، وسوء السلوك في القيادة، وكثيرون هم الذين راحوا ضحية تصرفات غيرهم، وهم بريئون منها، وهذه مشكلة أخرى لا بد من التوقف عندها كثيراً، حمانا الله وإياكم من كل مكروه.
وهل من حلول؟!
المتمعن بهذه الطرق يجد أنها أقرب ما تكون طرقاً سريعة، لكن الإشارات الضوئية التي تصطف واحدة تلو الأخرى ربما ساهمت في كثير من الحوادث إما لقلة الوعي وعدم الاكتراث بها، أو لعدم الانتباه لها، ولا يمكن قبول أن تكون طرقاً دائرية مع وجود الإشارات الضوئية، والحلول متعددة، لكن التنفيذ هو العائق أمام هذه الحلول، والبعض يرى ضرورة تحويل الإشارات إلى دوارات وميادين، وآخرون يرون في الأنفاق أو الجسور الحل الأمثل، وغيرهم يؤيد وضع المطبات الاصطناعية والتحذيرية قبل مسافات كافية، ولو مؤقتاً حتى تتحقق الحلول الناجعة، لكن هذا الرأي يُقابل بمبرر هو أشد وطأة على النفس، فالمظهر الحضاري يعني الكثير، وقد يتجاوز الاهتمام بأرواح الناس، ولا مانع من الاهتمام بالمظهر الحضاري متى ما وصلنا إلى حد مقنع من الوعي، وقبله من تطبيق الأنظمة بشكل صارم لا مجاملة فيه، وإن كنا نتحدث عن طرق دائرية تشابه الطرق السريعة، فلا يجب أن يكون الحديث مقتصراً عليها، فكل شوارعنا تحوَّلت لدى كثيرين إلى طرق سريعة، وحين تنظر إلى ممارسات تحدث من البعض في جانب السرعة خصوصاً في الشوارع المزدحمة أو قرب المساجد والمدارس والمجمعات التجارية من أجل اللحاق بإشارة صفراء تظن للوهلة الأولى أنك في سكة سفر، ولست في شارع في وسط مدينة، وهو أمر يزيد من الأسى، ويضاعف من حجم المسئولية الملقاة على من بيدهم الأمر توعية أو نظاماً، ولا شك في أن الحديث يطول أمام ممارسات يعزز من ضرورة التصدي لها الشعور بحجم الكوارث التي تتسبب بها الحوادث، ولعل الأرواح والخسائر المتزايدة في جانبها تكفي لإعادة النظر، والوقوف الصادق والمسئول من الجميع؛ ويتزامن ذلك مع صيحات العقلاء: آن الأوان!