في الصفحة الأخيرة من عدد جريدة الجزيرة رقم (12973) كان هناك خبر عن قيام وزارة الشؤون الاجتماعية بشكر وتكريم موظف رفض رشوة من إحدى الشركات التي تتعامل معها الوزارة والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن لماذا لم تنشر صورة ذلك الموظف ويذكر اسمه وهذا هو أقل مكافأة يتلقاها وأجزم أن المكافأة المالية لا يمكن أن تغني عن ذلك كما لا أعتقد أن الاحتياطات الأمنية هي التي اقتضت عدم ذكر اسمه خوفا على سلامته لأنه معروف للجهة التي عرضت عليه الرشوة ولذا أرى أن الواجب كان يقتضي نشر صورته وذكر اسمه بل وتكريمه بصورة موسعة وهي ستكون رسالة بل دعوة صريحة لأصحاب القلوب النظيفة والضمائر الحية لرفض الرشوة أما مدح الموظف والثناء عليه دون أن ذكر اسمه فلا فائدة منه حيث الكثير يستطيعون ادعاء هذا الشرف في مجالسهم وأمام أبنائهم دون أن يكون لهم ناقة أو جمل في كشف هذه الرشوة.
والشيء بالشيء يذكر فالحديث عن الرشوة ذو شجون فإن المنطق يرفض الرشوة بل يرفضها كل من في قلبه ذرة من إيمان على اعتبار أنها نوعا من الظلم حيث بمجرد قبول الشخص المرتشي للرشوة يكون قد ساهم في تمرير جريمة دينية وأخلاقية وسلوكية نظامية بل وساعد ا لظالم على ظلمه حيث الشخص الواثق من استحقاقه لما يطلب أو يطالب به من عمل أو خدمة لا يحتاج أن يقدم في سبيل الحصول عليه مالا أو هدية أما من يسعى لمخالفة الشرع أو النظام أو يسعى للتعدي على حقوق الآخرين فهو من يبذل الغالي والنفيس في سبيل ذلك بل وبالتالي فهو لا يجد غضاضة في شراء ذمم الآخرين للحصول على ما يراه له وحده دون الآخرين ولا يقيم كذلك وزنا أو اعتبارا لمبدأ العدالة الذي هو أساس التعامل بين طبقات المجتمع والذي معياره الجدارة والأحقية وهذا ما جعل الكثير من العلماء يعتبرون الرشوة من كبائر الذنوب استنادا إلى الكثير من الأحاديث ومنها قول الصحابي الجليل عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي) حيث استنبطوا أن اللعن لا يكون إلا على الذنب العظيم والرشوة عندما ننظر إلى آثارها على المجتمعات فإننا نستطيع أن ننبذ ممارسها ونفضحه دون أن نشعر للحظة بتأنيب الضمير حيث من خلال الرشوة يستطيع شخص ما فاقد للأهلية الوظيفية أن ينال أعلى المناصب وفي أدنى الأحوال ما لا يستحق من المناصب ثم هو يسعى بعد ذلك لتعويض ما دفع من رشوة من خلال الأخذ من المال العام بطرق مختلفة تتنافى مع النظام كما أنه في الغالب يكون شخصا غير ملائم للوظيفة التي يشغلها وبالتالي فهو لا يمكن أن يكون منتجا أو قادرا على تطوير قدرات من حوله بل قد يكون عقبة في تطوير ورقي العمل فيتسبب بتصرفاته الخرقاء في ضياع الأموال التي بين يديه وكذلك في وأد أفكار المتميزين وإحباط طموحاتهم وتسربهم إلى أماكن أخرى ولا مبالاة من بقي منهم بعد أن فقدوا الشعور بالولاء والانتماء لمكان رزقهم كما أن الرشوة تظهر خطورتها عندما تدخل في مجالات تتعلق بحياة الناس وصحتهم فيحدث التلاعب في الأدوية والمستحضرات الطبية والمواد الغذائية والمباني السكنية والخدمية حيث قد يترتب عليها كوارث ووفيات وإعاقات وأمراض قد لا تظهر آثارها إلا بعد سنوات بل ويكفي الرشوة قتامة أنها عندما تتفشى في مجتمع فإنها تجعل الشخص الجدير والمستحق في آخر الصفوف ومن يملك المال في الصدارة ويكفيها كذلك أنها تجعل الباحثين عن الأموال يتنافسون بالمتاجرة بوظائفهم بصورة جنونية إلى أن يصلوا إلى مرحلة أن لا يستطيع شراء خدماتهم إلا من يملك المال الوفير وهذا ما جعل ديننا الإسلامي العظيم يعتبر الرشوة شيئا من الغلول لأن فيها سرقة للمال العام وسرقة لأموال الناس وقد بين ذلك صلى الله عليه وسلم حين قال: (والذين نفس محمد بيده لا ينال أحد منكم شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطية، ثم قال: اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت).
مما يتطلب من الجهات المختصة تشديد الرقابة والمتابعة لمن بيده حوائج المسلمين مع منحهم ما يستحقون من رواتب وامتيازات تجعلهم مكتفين مادياً ونفسيا وتنمية الوازع الديني فيهم بحيث يدرك من يرتشي أن ما يقوم به هو خيانة للأمانة وتذكيرهم بتاريخنا الإسلامي الذي يحفل بالكثير من القصص التي تحذر من الرشوة وتبينها لكل من يبحث عن الحق ويتبعه ومنها قوله صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل الذي كلفه بجمع الزكاة من الأمصار الإسلامية (هلا جلس أحدكم في بيت أبيه وأمه ثم انتظر حتى يهدى إليه) حين قال له ذلك الرجل هذا لكم وهذا أهدى لي لينبث من وراء هذه الحادثة مبدأ إسلامي لا يزال قائما منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة ولكن مشكلة البعض في هذا الزمان أنه عندما يتعلق الأمر بالدرهم والدينار فإنه يوجد لنفسه المبررات والمسوغات وينسى مبادئه وما تربى عليه ويرتكب الرشوة وعندما يلام يتذرع بأنه لم يكن يعلم أن تصرفه يعتبر قبولا للرشوة أو تقديما لها مع أنه لو تجرد من الهوى وكان صادقا مع نفسه لما ساق مثل هذا المبرر الهش وعلى أية حال الرشوة لمن جهلها هي وجود اتفاق بين شخصين أو أكثر بحيث يعرض أحدهما على الآخر مالا أو فائدة ومنفعة أو هدية أو وعد فيقبلها الطرف الآخر ويترتب عليها القيام بأداء عمل ما أو الامتناع عن أداء عمل مما يدخل في نطاق وظيفته أو صلاحياته أو يؤخر تنفيذه وهي باختصار متاجرة أحدهم بوظيفته أما أخطر أنواع الرشوة هي ما يفعله البعض تحت مسمى خدمة مقابل خدمة حيث بفعلهم هذا يتجاوزون الأنظمة دون أن يشعر بهم أحد.
ومن الأمور التي يعجز البعض عن التفريق بينهما الرشوة والهدية وذلك لتشابههما في كثير من الجوانب ولكن من يبحث عن الإجابة بصدق وخلاص سيجد أن الهدية الهدف منها البحث عن المودة والبر والإحسان إلى الطرف الآخر بعكس الرشوة الذي الهدف منها هو البحث عن ما يملكه الآخر من سلطة وقرار ونحو ذلك.
وأخيرا تبقى الواسطة هي ما يستحق النظر والتأمل حيث البعض يرى أن الواسطة هي نوع من أنواع الرشوة على اعتبار أن الواسطة تعود لأسباب اجتماعية وفيها من المحاباة وكسر للأنظمة الشيء الكثير كما أن الواسطة تكون في بعض الأحيان قائمة على مبدأ المساعدة ومد يد العون ثم تتطور عند البعض إلى أخذ مقابل مالي ولذا نجد الكثير ممن يخافون سوء العاقبة يرفضون الواسطة بجميع أنواعها حتى وإن غضب منهم أحبابهم ولكنهم دائما يجدون الجزاء من الله برضى واحترام الناس لهم في النهاية.
علي بن زيد القرون
حوطة بني تميم