قرأت في صفحة ورود الأمل في الجزيرة عدد الاثنين 7-5- 1429هـ ما نصه: (سئل الأحنف بن قيس ذات يوم: ممن تعلمت الصفح عن الناس؟ قال من قيس بن عاصم. قيل: وما مبلغ حلمه؟ قال: بينما هو جالس في داره دخلت عليه جارية بسفود (سيخ أو سيم) عليه شواء فسقط على ابن له صغير فمات. فقال لها: لا روع عليك أنت حرة لوجه الله. |
وأنا لدي رواية أخرى فقد سئل الأحنف بن قيس رحمه الله: ممن تعلمت الحلم؟ فقال من قيس بن عاصم.. فبينما هو جالس ذات يوم إذ جاء من يخبره أن أخاه قتل ولده.. قال الأحنف: فوالله ما حل حَبْوَته (الحبوة رباط يربط الرجل فيه ظهره بركبتيه حتى يستريح جالساً حيث ليس لهم مساند (مراكي) في الخيام).. ولا قام من مجلسه بل دعا ابناً آخر له وطلب منه أن يعطي أم ابنه القتيل (مائة ناقة) دية ابنها (ابنه أيضاً) لأنها غريبة وأمر بتجهيز ابنه ودفنه (وأنا عندي هذا جلافة وليس حلماً). وقال في ذلك شعراً: |
أقول للنفس تأساءً وتعزيةً |
إحدى يديّ أصابتني ولم تُردِ |
كلاهما خلَّفٌ من فقد صاحبهِ |
هذا أخي حين أدعوهُ وذا ولدي |
|
ورواية أخرى عن عتق الجارية: فقد كانت جارية لأمير المؤمنين المأمون بن الرشيد تصب الماء الحار على يديه ليتوضأ لكن (الماء) كان حاراً جداً فقال لها المأمون: يا جارية أحرقتِني.. فقالت: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى يقول: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} |
قال: كتمت غيظي. قالت: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} |
قال: عفوت عنك. قالت: {وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} |
|
وأما أن الأحنف بن قيس إذا غضب غضب معه مائة ألف لا يسألون فيم غضب.. فقد دخل الأحنف على أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بعد توليه الخلافة وأغلظ له (الأحنف أغلظ لمعاوية) القول. وبعد أن انصرف الاحنف قال يزيد بن معاوية لأبيه: من هذا الذي يغلظ لك القول.. قال معاوية: هذا الذي إذا غضب غضب معه مائة ألف من تميم لا يدرون فيم غضب. |
وعلى ذلك فمعاوية أحلم من الأحنف حيث صبر على غلظته فهو (معاوية) الذي قال: لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت إذا شدوها أرخيت وإذا أرخوها شددت. |
وبالمناسبة كان يضرب بحلم الأحنف بن قيس المثل في الحلم فقد أنشد الشاعر أبو تمام (حبيب بن أوس الطائي) قصيدة يمدح فيها الأمير أحمد ابن الخليفة المعتصم العباسي مطلعها: |
ما في وقوفك ساعةً من باسِ |
تقضي ذمام الأربُع الأدراسِ |
|
(وهو على طريقة الجاهليين في الوقوف على الأطلال.. والأربع الأدراس هي الديار الدارسة (المتهدمة) أطلال). |
|
إقدام عمروٍ في سماحة حاتمٍ |
في حلم أحنفَ في ذكاءِ إياسِ |
|
قال الفيلسوف يعقوب الكندي محرجاً أبا تمام: ما زدت على أن شبهت الأمير بأجلاف العرب (تصوروا النفاق: فعمرو هو البطل المخضرم عمرو بن معد يكرب الزبيدي القائد الشجاع وحاتم السمح هو حاتم بن عبدالله الطائي النصراني الجاهلي سماحته (كرمه) طبقت الآفاق والأحنف هو الأحنف بن قيس الذي نتحدث عنه وإياس هو إياس بن معاوية القاضي الذي انتشر ذكاؤه وفراسته إلى اليوم.. ومع ذلك يقول الفيلسوف الكندي إنهم أجلاف العرب). |
المهم أن أبا تمام أنشد بعد قول الكندي: |
|
لا تنكروا ضَرْبي له مَنْ دونَهُ |
مثلاً شروداً في الندى والباسِ |
فالله قد ضرب الأذلَّ لنورِهِ |
مثلاً من المشكاة والنبراسِ |
|
إشارة إلى قوله تعالى:{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (سورة النور الآية 35). |
فلما انتهى نظروا في القصيدة فإذا ليس فيها هذان البيتان. |
|
والحلم سيد الأخلاق وضده السفاهة، قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأشجِّ بني عبدالقيس: (إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله الحلم والأناة). وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي قرابةً أصِلهُم ويقطعونني وأحْلُمُ عنهم ويسفهون عليه. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن كنتَ كما تقول فكأنما تُسِفُهم المَلّ (الرماد الحار). |
ولكن الحلم غير الاستضعاف فقد قالوا: اتق غضب الحليم.. ومدح النابغة الجعدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقصيدة مطلعها: |
بلغنا السماءَ مجدُنا وجُدُودُنا |
وإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا |
|
|
ولا خير في حلمٍ إذا لم تكن لهُ |
بوادرُ تحمي صفوَهُ أن يُكدَّرا |
قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: لا يَفْضُضِ الله فاك.. فعاش عمراً طويلاً لم تسقط له سن، فالحلم مثل العفو يكون عند المقدرة والحليم مرهوب الجانب ولذا كان الحلماء سادة أقوامهم. |
نزار رفيق بشير - الرياض |
|
|
|
|