الرس - خليفة الخليفة
يعد الإرهاب ظاهرة غريبة على مجتمعنا حيث ظهر بين ظهرانينا في عدة مناطق وتصدت له قوات الأمن الباسلة بكل حزم وصرامة حتى لا يدمر الحرث والبشر وفي السنوات الماضية كانت له بثور وفقاعات هنا وهناك انتهت بحمد الله مع أول ظهور لها.
هذه الخلايا كانت كالخلايا السرطانية تبحث عن الأماكن الحساسة لتنمو وتعد نفسها لتنتشر مختفية داخل التجمعات السكانية، وفي أي مواجهة مع رجال الأمن دائما تكون النهاية بحمد الله نصرا مؤزرا لبواسل الأمن ضد خفافيش الليل.
هذه المواجهات لا بد أن لها أثرا نفسيا واجتماعيا سلبيا على حياة الناس وفي محافظة الرس التي شهدت إحدى المواجهات بين رجال الأمن وإحدى الجماعات الخارجة الضالة التي استمرت لمدة ثلاثة أيام داخل حي الجوازات ذلك الحي السكني الوديع والجميل الهادئ تحول فجأة إلى كابوس جاثم على الأرواح ورائحة البارود تخنق الأنفاس.
أم محمد مع زوجها كانت تسكن بجوار البناية التي اتخذتها الفئة الضالة وكرا لها أمضت عدة سنوات بعد زواجها تسكن هذا البيت بدوره العلوي تعيش حياة هانئة هادئة كأي عروسين في مقتبل العمر رزقت ببكرها محمد وبحكم عمل زوجها معلما بإحدى القرى النائية التي تبعد عن الرس ما يقارب80 كم كان يذهب فجرا بعد أداء الصلاة إلى عمله تاركا محمد وأمه لا خوف عليهم في هذا البلد الآمن في ذلك اليوم الأسود تصحو أم محمد على غير المعتاد يوقظها صوت إطلاق النار وأزيز الأرض وارتجاف المباني من حولها.
طائرات عامودية تحلق تشتت هدوء حي الجوازات، أم محمد غير مصدقة ما يجري، لا تستوعب ما يحصل بالقرب منها، يصيبها الذعر والخوف، زوجها في قرية نائية وخارج خدمة الاتصالات كانت الساعة تشير إلى الثامنة صباحا، تحاول الاتصال بذويها بعد يأسها من الاتصال بزوجها، تجد والدها ينطلق بسرعة نحوها لكنها داخل الطوق الأمني بيتها في دائرة الخطر وفي مرمى نيران الفئة الضالة بل ومجاور للبيت الذي اتخذوه وكرا لهم هم وقد عمل رجال الأمن طوقا على الحي لمحاصرة الإرهابيين تبقى وحيدة مع ابنها ذي الثلاث سنوات داخل المنزل ووالدها محمد معها بالاتصال يتقطع قلبه على ابنته يحاول مع رجال الأمن إخراجها لكن رجال الأمن وخوفا على حياتها وحياة والدها وولدها يفضلون بقاءها داخل المنزل إلى حين الموعد المناسب، كانت شامخة كشموخ بنات الرس تحاول أن تصمد بشجاعة متناهية في أصعب اللحظات يطلب منها رجال الأمن ومن خلال الهاتف مساعدتهم في فتح باب المنزل ليدخل من اقترب منهم للصعود إلى سطح المنزل، تمضي ببطولة نادرة، وتنطلق نحو الباب، تقوم بواجبها، تعود أدراجها مسرعة، تهوي إلى الأرض كما ذكر أحد المشاركين من رجال الأمن معبرا عن تعجبه بما شاهده من هذه المرأة ليتأكد من حياتها بنفسه قائلا: سبحان الله إن لهذه المرأة حياة لم تنته، فخلال سقوطها على الأرض تنطلق من فوق رأسها قذيفة آر بي جي لتدمر الجدار المجاور لها فلو لم يقدر الله لها هذا التعثر والسقوط لكانت أشلاء متناثرة من هذه القذيفة فكان في تعثرها وسقوطها على الأرض خيرة لها.
تسقط المرأة وكأن شيئا لم يكن وانطلقت إلى داخل المنزل لتحتضن صغيرها محمد وقد أعياه البكاء والخوف وعلى بعد مئات الأمتار وخارج المنطقة المحيطة بالحدث ومع رجال الأمن ينتظر والدها يحاول عبر الاتصال أن يهدئ روعها تتلقى التعليمات منه بأن تتخذ من إحدى غرف المنزل في الجهة الأخرى مكانا آمنا لها وخلال هذه المكالمة قذيفة قوية تخترق الجدار الأسمنتي للمنزل والغرفة التي هي بداخلها مع الطفل تهتز لها أركان المنزل حتى شعرت أنه يتهاوى بها، شعرت بالموت مرة أخرى، وأنه قد دنى منها.
تسقط هذه القذيفة ديكور سقف الغرفة من الجبس المزخرف، تتهاوى كتلة واحدة وكأن المنزل قد انهار عليها وعلى ابنها ولكن لحسن الحظ أن هناك قطعة من أثاث المنزل طاولة خشبية تلقت الثقل وخففت منه لتبقى هي عالقة تحته وطفلها محمد ينزف دما وهي مصابة برأسها. الدم قد بلل ملابسها، تمضي ساعات على هذه الحالة تعد ساعاتها الأخيرة، ومع ذلك لا تزال برباطة جأشها وإيمانها بربها القوي، تحاول إبعاد الخوف عن ابنها وعن نفسها، لم ينقطع عنها ابتهال والديها ودعاؤهما أن ينجيها ربها من هذا الكرب، تسحب نفسها وطفلها من تحت هذا الثقل بكل شجاعة، تمضي إلى الدور الأرضي حيث يحاصر جيرانها أيضا.
تطلب النجدة لما أصابها من نزيف، تبقى معهم تلك الليلة المشؤومة لتأتي ساعة الفرج من ربها، ومع حلول منتصف المساء يستطيع رجال الأمن إخراجهم من المنزل وإخراج عدد آخر من الأهالي المحاصرين في الحي.
لم تنته المعاناة مع آخر طلقة أطلقها رجال الأمن على هذه الفئة الضالة بالنسبة لأم محمد بل إنها لم تستوعب ما حصل لها وكيف بقيت على قيد الحياة لأن تفكيرها كان منحصراً بطفلها الذي ظلت تحضنه طوال ساعات إطلاق النار في اليوم الأول من أحداث الرس لا يفصلها عن بيت الفئة الضالة الذي تحصنوا فيه إلا جدار واحد فعلقت بين نار الأمن ونار الضلال ودوي الانفجار وأزيز الرصاص لا يفارقها.
بعد أن انقضت تلك الأحداث بأيامها الثلاثة بدأت معاناة أم محمد لتنهار ويشخص الأطباء حالتها في المستشفى الحكومي خطأ بزائدة دودية يعترض والدها صاحب الخبرة ومعرفته بما أصاب ابنته لكن مع إصرار الأطباء يوافق زوجها دون علم والدها وتجرى لها العملية لتزداد حالتها سوءا لم يكن ما أصاب نورة إلا صدمة نفسية قوية جدا تعرضت لها لا تحتمل أبدا.
أكدها بعد ذلك أطباء في مستشفى الملك سعود بعنيزة وأطباء مستشفى الوفاء لكن الله يشاء أن تتم هذه العملية وتبدأ رحلة المعاناة مع والدها الأستاذ محمد بن راشد المزيني الذي يحكي لنا معاناته المستمرة من تلك الأحداث وما أصاب ابنته فيقول بعد إجراء العملية الأولى التي أجريت في غير محلها: راجعت عددا من المستشفيات وشخصوا حالتها بالصدمة أدت إلى التصاق أحشائها فكانت طوال الوقت لا تشعر بما يدور حولها من الألم فمن المهدئات والمسكنات إلى الجلسات الطبية الأسبوعية أعيش مع أم محمد قلقا لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى استمرت حالة ابنتي تزداد سوءا فلجأت إلى الطب الشعبي وأتى تشخيص هذه المرأة الطبيبة كتشخيص الأطباء في مستشفى الملك سعود والوفاء لكن العلاج كان الكي فسبحان الله الذي لا إله إلا هو أن هذا ما جرى فقد حملت ابنتي لا تشعر بشيء قد مددت على المقاعد الخلفية للسيارة وذهبت بها برفقة أمها إلى هذه المرأة المعروفة جنوب الرس ويقال لها أم خالد وعندما شرحنا لها حالة أم محمد وأنها على هذه الحالة طوال الأشهر لا تذوق للنوم طعما ولا نعلم ما بها أكدت أنها مصابة بخوف شديد وأن دواءها الكي عاجلا في موضعين من جسدها وتحت إلحاح مني لابنتي تم ذلك وخلال عودتي بالسيارة للبيت ذكرت الله كثيرا أم محمد وقالت إن الأصوات المزعجة في أذني قد اختفت وفعلا نامت أكثر من 12ساعة لم يحدث هذا منذ شهور من انتهاء حادثة الإرهاب خفت حالتها كثيرا ولكن كثيرا من المعاناة والمضاعفات ما زالت تعاود أم محمد وكذا ابنها فكثيرا ما تنتابه نوبات من البكاء والخوف وخاصة عندما يسمع أصوات الألعاب حيث يدخل في نوبة بكاء شديد وخوف فما زلت أراجع بهم المستشفيات بعد مرور هذه السنوات من هذه الحادثة الغريبة على المجتمع السعودي.