Al Jazirah NewsPaper Tuesday  03/06/2008 G Issue 13032
الثلاثاء 29 جمادى الأول 1429   العدد  13032
 

تأملات في الرثاء والعزاء والتأبين
محمد عباس عبدالحميد خلف

 

لست أدري لماذا.. وهي أول مرة أتابع وأقرأ بدقة ما كتبته قلوب بعض المفجوعين في وفاة أحد الأعزاء.. وقد يكون قريباً، أو صديقاً، أو رجلاً مشهوداً في الحياة..

دون مجاملة.. كان رثاء الأستاذ خالد المالك لابن عمه معالي الدكتور صالح المالك في صورة حقيقية من التوجع وصدق الأسى، كانت هي الدافع إلى متابعة كل ما كتبه المعزون فيه على صفحات «الجزيرة».

ومنهم في اليوم الأول د.يوسف السلوم، وفي اليوم الثاني د.محمد بن أحمد الرشيد، والأستاذ حمد القاضي، والأستاذ عبدالعزيز الخريف.. وكثيرون غير هؤلاء ممن توالت تعازيهم في الصحف بعد ذلك ومنهم الدكتور عبدالعزيز الخويطر والشيخ الدكتور صالح الحميد والدكتور صالح العلي والدكتور صالح العمير والدكتور إبراهيم العواجي والأستاذ سليمان الجاسر الحريش والدكتور جابر الحريش وغيرهم كثير، ولكن كلمة (والرجال يبكون أيضاً) للأستاذ خالد المالك كانت هي الأكثر حزناً وألماً يقول: إن البكاء يصاحب الرجال كما هو للنساء، ولا عيب في هذا وبخاصة حين يلامس أهم ما يحرك أشجاننا، وقال (أمس.. بكيت في صمت، وحزنت بتأثر شديد) (أنا لا أكتب مرثية عن وفاة حبيبي أبي هشام؛ فالموقف والحدث أكبر من أن ترثيه كلمات خجولة كهذه).

دعاني ما قرأته خلال ثلاثة الأيام الماضية من صادق الرثاء، ومخلص العزاء، وطويل الكلمات في تأبين فقيدنا الكريم العزيز - رحمه الله - دعاني إلى البحث في بعض كتب تراثنا عن الرثاء والعزاء والبكاء والتأبين.. وهل كل هذه صورة واحدة.. بدرجة واحدة للحديث عن عزيز نفقده، أو حبيب نودعه..

عرفت اللغة الفرق بين الرثاء والتأبين، فقالت: إن التأبين هو الثناء على الشخص بعد موته؛ أما الرثاء فبكاء الميت وتعديد محاسنه، ونظم الشعر فيه، ويقال: النائحة ترثي الميت، تترحم عليه، وتندبه، والندب كالرثاء: بكاء الميت وتعديد محاسنه. ويظهر أن نقاد العرب لم يستخدموا كلمة الندب في معنى الرثاء والتأبين، كما لم يفرقوا في الاستخدام بين الكلمتين.

ولما كان التأبين ثناءً على الميت، وتعديداً لفضائله، وكان من عناصر الرثاء تعديد محاسن الميت، رأى النقاد أنه لا فرق بين الرثاء والمديح، ولاَ فَصْلَ بين المدحة والمرثية إلا أن يُخلَط بالرثاء شيء يدل على أن المقصود به ميت، مثل: كان.. عَدِمْنا به.. أو ما يشاكل هذا مما يدل على أن المتحدث عنه ميت.

ولم يتحدث قدامة بن جعفر في الرثاء عن العنصر الأساسي فيه كفن من فنون الشعر، وهو بكاء الميت، وإظهار اللوعة والأسى لفقدانه، وذلك هو اللون الذي يصبغ به الرثاء، ويصبح بذلك متميزاً عن المدح.

أما ابن رشيق (العمدة) فقد تنبه إلى هذا العنصر الأساسي، ولكن خصه بأن يكون الميت ملكاً أو رئيساً كبيراً، إذ يقول (وسبيل الرثاء أن يكون ظاهر التفجع، بيِّن الحسرة، مخلوطاً بالأسى والأسف والاستعظام إذا كان الميت ملكاً أو رئيساً كبيراً).

ولست أدري كيف قصر ابن رشيق الرثاء والتفجع والحسرة والتلهف والأسف والاستعظام على الملوك والرؤساء الكبار، مع أنه ذكر في هذا الباب رثاءً متفجعاً متلهفاً يقطر دموعاً، قيل في حبيبة ماتت، وزوج مضى، وطفل قضَى.. وربما كان ذلك منه مناسبة للعصر الذي عاش فيه الذي كان للعظماء منه نصيب الأسد، وقلَّ بالنسبة إليه رثاء غيرهم من عامة الناس، وأعزاء الشاعر، لكن الحقيقة أن الرثاء لا يقف عند العظماء، واللوعة ليست وقفاً على رثائهم، والاستعظام لا يحس به الراثي إلا عند العظماء - كما يقول ابن رشيق - بل يشعر به كل من يفقد عزيزاً عليه.

ولما كان قدامة لا يفصل بين المدح والتأبين إلاّ في اللفظ دون المعنى كان الرثاء القوي عنده هو الذي يثني على الميت بالفضائل النفسية.

ولكننا لسنا مع قدامة في أن الرثاء ينبغي أن يشمل الفضائل الأربع مجتمعة (العقل والحلم والعفة والشجاعة) بل إن الرثاء المصيب هو الذي يتلمس الفضائل الإنسانية التي يتصف بها من يؤبنه الشعر. وربما كان قدامة بهذا المذهب يرمي إلى أن الذي يستحق الرثاء هو من يجمع هذه الفضائل، ومن نقص عنها ليس جديراً بالرثاء.. لكننا لا نتفق أيضاً معه في الوقوف عند هذه الفضائل، ولا تلزم الشاعر أو الراثي عامة بأن يأتي في قوله بما يصور هذه الفضائل - بل عليه أن يصور النواحي التي برز فيها المرثي بروزاً واضحاً؛ لأن تلك النواحي هي التي تملك على الراثي - شاعراً أو كاتباً - قلبه، فيرثي فقيده العزيز عن عاطفة وإيمان - مما يجعل لكلامه قوة وتأثيراً، وصدق شعور، ويتحقق له ما يعرف بصدق التجربة.

ورأى النقاد أن مجال القول يتسع للراثي عندما يرثي كبار الرجال في الهيئة الاجتماعية؛ لأن في أفعالهم وصفاتهم ما يستطيع الراثي أن يسجله في شعره، ويشيد به، ولذا عدُّوا من أشد الرثاء صعوبة على الراثي أن يرثي طفلاً، أو امرأة لضيق الكلام عليه فيهما، وقلة الصفات التي تتمثل في أعمالهما.

لكن التراث العربي حمل لنا نماذج من رثاء الأطفال والنساء ما هو جد صادق، موجع مؤثر، نابع عن شعور غمره الأسى الحقيقي، والتفجع القوي، ويحضرنا جميعاً في هذا الموقف ما قاله محمد بن عبدالملك الزيات في رثاء أم ولده: فهو من أجود ما جاء في الرثاء، وأشجاه، وأشده تأثيراً في القلب، وإثارة للحزن.. قال:

ألا مَنْ رأى الطفلَ المفارقَ أمه

بعيدُ الكرى عيناه تَبْتدِرَان

رأى كلَّ أم وابنها غير أمهِ

يبيتان تحت الليل ينتجيان

وَباتَ وحيداً في الفِراش تحثهُ

بلابل قلب دائم الخفقان

فلا تلحياني إن بكيتُ فإنما

أداري بهذا الدمع ما تريانِ

وإن مكانا في الثرى خط لحده

لِمن كان في قلبي بكل مكان

ومن رثاء الزوجات الموجع هذا الديوان الكامل الذي كتبه الشاعر المعروف إبراهيم ناجي في رثاء زوجته.. ومن قوله وقد عاد للبيت بعد فترة طويلة:

طوَّفْتُ بالبيتِ الحزين مُسلِّماً

فبكىَ، وأوشكَ أنْ يردَّ سلامي

أعرفتني يا دارُ، أم أنكرتني

تهب الأسى والبثّ والآلام

لبس الظلام وعاش فيه ومن ير

ما ذقْتُ لم يأنسْ لغير ظلام

وكلنا يعرف كيف كان رثاء الخنساء لأخيها صخر نموذجاً لا يتكرر في الرثاء مدى الحياة، وكلنا يعرف كيف جاء رثاء المتنبي لجدته التي فرحت بمجيء خطاب منه إليها يخبرها بقرب عودته، ففرحت حتى غلب الفرح على قلبها فقتلها، قال يرثيها:

أحنُّ إلى الكأسِ التي شربتْ بها

وأهَوى لمثواها التراب وما ضَمَّا

بَكيْتُ عليها خِيفةً في حياتها

وذاق كلانا ثكل صاحبه قدْمَا

أتاها كتابي بعد يأسِ وترحهَ

فماتت سرورا بي فمت بها غَما

حَرام على قلبي السرورُ، فإنني

أعدُّ الذي مَاتَتْ به بعدها سُمَّا

وما انسدَّتِ الدنيا عليَّ لِضيقها

ولكنَّ طرفاً لا أراكِ به أعْمَى

ومن أروع نماذج الرثاء الصادق قولاً وشعوراً ما كتبه شاعرنا الدكتور عبدالرحمن العشماوي (دموع مسكوبة على فراق والدتي الحبيبة رحمها الله تحت عنوان: (أواه من هذا الفراغ):

تَرضَى النفوسُ وتستطيبُ عذابَها

لمَّا تزف إلى الإلهِ ركابَها

أنا ما بكيتُ على الحبيبَةِ يائِساً

من رحمةٍ فتح المهيمنُ بابَها

لكنه ألم الفراقِ... ولوعةٌ

سَلَّتْ عليَّ سيوفَها وحرابَها

ورأيتُ (فقَد الأم) صار حقيقةً

ورأيتُ من شمس الحنان غيابَها

وعلمتُ أن حبيبتي وأنيستي

وأميرتي قد أغمضت أجْفانها

إن الفؤاد يحبُّها ويَهابُها

ولأنه عرفَ الحبيبة هَابَها

كنَّا صِغاراً حين فارقني أبي

فمضت تقدمُ روحَها وشبَابَها

وفي هذا الحديث الصادق غاية الصدق: الصدق الواقعي، والصدق الشعوري والصدق الفني اكتملت لشاعرنا الكبير كل مقومات العمل الشعري المتميز فكراً ووجداناً ولغة.. حتى يقول:

مالي أرىَ الظلماءَ بعدكِ خبأتْ

عن نَاظِريَّ هِلاَلَها وشِهَابَها

هي لوعة الحرمان بعدك أشعلتْ

قلبي، فأكملت الهمومُ نِصابَها

يا رب هيئ للحبيبةِ منزِلاً

في الخلدِ، أجزلْ يا عظيمُ ثوابها

تدفق لا تصنَّع فيه.. إخلاص لا تكلف وراءه.. وأشهد أنه لا إنسان في حياة الإنسان منا أعظم من الأم.

هذا.. هو الرثاء.. العزاء.. التأبين.. حديث قليل من كثير قيل في خصائصه.. وقليل من مئات القصائد والمقالات التي سطرتها القلوب فيه.. دَفَعني اليوم للبحث عنها هذا الحديث الصادق الذي كتبه أستاذنا خالد المالك في يوم وداع معالي الدكتور صالح المالك رحمه الله.

{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.

التعليق

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد