طالعت في جريدة «الجزيرة» الغراء في العدد 13014 الصادر يوم الجمعة جمادى الأولى 1429هـ لقاء خاصا بالجزيرة للشيخ عادل بن محمد العُمري المحاضر بقسم الدراسات القرآنية بجامعة القصيم وألفيته لقاء جيدا، أجاد فيه الشيخ عادل في إيراد بعض الأدلة الدالة على أن الأصل في الأفراح (إدخال البهجة والسرور والفرح على العروسين والمدعوين) وقد أعجبني كثيراً إلا أن لي بعض الاستدراكات على الشيخ الكريم.
أولاً: ذكر الشيخ أنه يستنكر (إنكار بعض الفضلاء والفاضلات ضرب الدفوف في مناسبات الأعراس) والصواب ألا يستنكر أحد ضرب الدفوف في الأعراس وقد أذن به النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة رضي الله عنها عند البخاري ومسلم، ولكن الذي يستنكره الفضلاء التجاوزات في ذلك فإن المتأمل لحال كثير من أعراسنا يتبين له ما فيها من تجاوزات مثل:
1- إحضار (الطقاقات) اللواتي يتغنين بالأغاني خلافاً لما كان عليه نساء الأنصار والجواري اللواتي كن ينشدن أشعاراً طيبة.
2- ما يسببه وجود (الطقاقات) من سهرٍ لا مبرر له حتى أوقات متأخرة من الليل وما ينجم جراء ذلك من تضييع لصلاة الفجر والنوم عنها. ومن القواعد الأصولية (إن كل ما أفضى إلى محرم فهو حرام).
ثانياً: ذكر الشيخ حديث عائشة عند البخاري ومسلم: (أن أبابكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تغنيان وتضربان بالدف) ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى بثوبه فانتهرهما أبوبكر وقال مزمار الشيطان ببيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكشف رسول الله عن وجهه وقال: (دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد)، ذكر الشيخ عادل أن هذا الحديث فيه دليل على جواز سماع الرجال للضرب بالدفوف.
وهذا خلاف الصواب، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عند كلامه عن هذا الحديث: (ففي هذا الحديث بيان: أن هذا لم يكن من عادة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الاجتماع عليه، ولهذا أسماه الصديق مزمار الشيطان والنبي صلى الله عليه وسلم أقر الجواري عليه معللاً ذلك أنه يوم عيد والصغار يرخص لهم في اللعب في الأعياد كما جاء في الحديث) إلى أن قال: (وليس في حديث الجاريتين أن النبي صلى الله عليه وسلم استمع إلى ذلك والأمر والنهي إنما يتعلق بالاستماع لا بمجرد السماع كما في الرؤية فإنه إنما يتعلق بقصد الرؤية لا بما يحصل منهما بغير اختيار) انتهى كلامه. الفتاوى (11-566).
وقد سئلت اللجنة الدائمة عن جواز سماع الضرب بالدفوف والرقص عليها للرجال في الأفراح وحفلات الزواج؟ فأجابت (الرقص للرجال سواء معه ضرب للدفوف أو لا، لا نعلم له دليلا يدل على مشروعيته. فتاوى اللجنة الدائمة (19-116).وبهذا يتبين أن الحديث فيه دليل على جواز ضرب الدفوف للنساء دون الرجال وليس في الحديث أيضا ما يدل على أن هذا الدف كان يضرب للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان (مسجى) وقد وضع غطاءه على وجهه فليس في حاله ما يدل على أنه كان يستمع ذلك.
ثالثاً: شدد الشيخ عادل حفظه الله على مسألة الوعظ والتذكير في مناسبات الأعراس وبين أن ذلك لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
ونحن نقول نعم الأصل في حفلات الأعراس أنها لإعلان النكاح وإظهار الفرح بذلك، ولكن ما المانع أنه إذا حضر بعض العلماء أو طلاب العلم أن يتوجوا ذلك المجلس بشيء من الذكر فإن ذلك المجلس كغيره من المجالس وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من مجلس لا يذكر فيه اسم الله، كما أن السنة ليس فيها ما يدل على المنع من ذلك في حفلات الأعراس. وقد سئلت اللجنة الدائمة عن حكم إلقاء الكلمات التوجيهية في الأفراح؟ فأجابت: لا مانع من إلقاء محاضرة على الحاضرين في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر في حفلات الزواج. فتاوى اللجنة الدائمة (19-106).
وقد فعل ذلك بعض علمائنا الأجلاء مثل الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - والشيخ صالح الخريص - رحمه الله - رئيس محاكم القصيم سابقاً - ولا يزال بعض الكبار من العلماء على ذلك، المقصود أن هذا من الأمور الطيبة إن فُعل فحسن وإن لم يُفعل فلا بأس.
ختاماً: أشكر الشيخ عادل إيضاحه للأدلة علماً أنني اتفق معه على كثير مما أورده في ذلك اللقاء وأسأل الله أن يوفقني وإياه إلى الحق والصواب.
عبدالسلام بن صالح الرسي - القصيم - بريدة