الحمية الغذائية الخطوة الأولى في العلاج
يعد اكتشاف هرمون الأنسولين من أهم الإنجازات العلمية والطبية التي تحققت خلال القرن العشرين، ولقد كان لهذا الاكتشاف دوي هائل في الأوساط الطبية، حيث أنقذ حياة العديد من المرضى الذين كانوا قاب قوسين أو أدنى من الموت. وقبل اكتشاف الأنسولين كان العلاج الوحيد لمرضى النوع الأول هو تجويع المريض، ولقد كانت هذه الوسيلة غير مجدية في علاج المرض، حيث كان المريض يعاني من متاعب ومضاعفات المرض، التي سرعان ما تفتك به وتقضي على حياته في وقت قصير من بداية الإصابة بالمرض.
وفي عام 1921م أشرقت شمس الأمل لآلاف من مرضى السكر، حيث اكتشف العالمان فريدريك بانتنج وتشارلز بست من جامعة تورنتو بكندا هرموناً تفرزه جزيرات لانجرهانز البنكرياسية. ولقد أطلق هذان العالمان اسم أيلتين على هذا الهرمون في بداية اكتشافه، وذلك نسبة إلى مصدر تكوينه بالجسم، وهو جزيرات لانجرهانز ولقد تغير اسم هذا الهرمون بعد ذلك ليحمل اسماً آخر وهو أنسولين، وهو اسم مشتق من الكلمة اللاتينية بمعنى جزيرة.
ولقد أصبح الأمل الواهي لمرضى السكر في تحقيق الشفاء واقعاً ملموساً، حينما أجرى هذان العالمان تجاربهما على الكلاب المستأصل منها غدة البنكرياس، وبينت نتائج هذه التجارب أن حقن الكلاب بالأنسولين يؤدي إلى انخفاض كبير في مستوى سكر الدم.
ولقد كانت هذه النتائج حافزاً كبيراً على تجربة أثر هرمون الأنسولين على المرضى الذين كانوا يمتثلون للموت بسبب مرض السكر، ولقد كانت نتائج هذه التجربة مدهشة للجميع، حيث تغيرت حالة المرضى من أشباح هزيلة نحيلة تترقب الموت في أي لحظة إلى أشخاص أصحاء طبيعيين مقبلين على الحياة. وكان من بين هؤلاء المرضى المعالجين مريض يدعى جورج مينوت الذي عاش بعد نجاح علاجه بالأنسولين ليحقق إنجازاً طبياً آخر وهو علاج الأنيميا الخبيثة باستعمال خلاصة الكبد، ولقد استحق هذا العالم جائزة نوبل على هذا الإنجاز الطبي، وبهذا تكون جائزة نوبل قد منحت مرتين إثر اكتشاف الأنسولين، المرة الأولى للعالمين بانتنج وبست، واللذين كان لهما الفضل بعد الله في استعمال الأنسولين كعلاج لمرض السكر، والمرة الثانية للعالم جورج مينوت الذي حقق علاج مرض الأنيميا الخبيثة.
ولقد تحققت بعد ذلك إنجازات علمية أخرى في مجال أبحاث الأنسولين، حيث اكتشف العالم البريطاني فريدريك سانجر الصيغة الكيميائية للأنسولين في عام 1955م، ثم اكتشف العالم البريطاني دوروثي هود جكين التركيب الفيزيائي للأنسولين في عام 1969م. ولقد توالت الإنجازات العلمية في مجال أبحاث الأنسولين على مدى السنين الماضية، حيث استطاع فريق من العلماء تنقية الأنسولين من الشوائب العالقة به في عام 1972م، واستطاع فريق آخر تحضير الأنسولين في أعلى صوره من النقاء في عام 1980م، ثم تحقق بعد ذلك الإنجاز الكبير في مجال أبحاث الأنسولين، وذلك بإنتاج الأنسولين الآدمي في عام 1984م.
وهرمون الأنسولين هو مادة تفرزها الغدة الصماء للبنكرياس، حيث تنقسم هذه الغدة إلى عدة أصناف من الخلايا: خلايا بيتا وهي الخلايا التي تقوم بإنتاج وإفراز الأنسولين، وخلايا ألفا وهي الخلايا التي تنتج وتفرز هرمون جلوكاجون وهو هرمون مضاد للأنسولين في فعاليته على سكر الدم، حيث يسبب ارتفاع سكر الدم، ويستعمل في علاج نوبات انخفاض سكر الدم. وتشمل خلايا الغدد الصماء للبنكرياس خلايا أخرى وهي خلايا جاما وخلايا دلتا التي تفرز هرمونات أخرى تؤدي وظائف حيوية بالجسم.
يعد هرمون الأنسولين من الهرمونات التي تنتمي إلى مجموعة البروتينات، فهو باعتباره مادة بروتينية ذات وزن جزيئي كبير، فإنه لا يفيد المريض إذا استعمله عن طريق الفم (وإن كانت هناك محاولات لإنتاج أنسولين يؤخذ عن طريق الفم)، لأنه لا يصل إلى الدم عن طريق الجهاز الهضمي، حيث يتعرض لعملية هضم بواسطة العصارات والإنزيمات الهضمية، وحتى الجزء الذي لا يهضم من الأنسولين لا يمتص من خلال الأغشية المخاطية للجهاز الهضمي، ولذلك فإن الوسيلة الوحيدة لاستعمال الأنسولين حتى الآن هي وسيلة الحقن. ويفضل حقن الأنسولين تحت الجلد في معظم حالات علاج مرض السكر، ويحقن الأنسولين في الوريد في الحالات الحرجة، مثل غيبوبة ارتفاع سكر الدم المصحوبة بتكوين المواد الكيتونية. أما عن مصدر الأنسولين فإنه يحضر من بنكرياس الحيوانات مثل الخنازير والأبقار ويطلق عليه اسم الأنسولين الحيواني وهو لا يستخدم الآن، وهناك نوع آخر يطلق عليه اسم الأنسولين الآدمي أو البشري أو الإنساني وهو أنسولين صناعي يحضر إما بإجراء تعديلات كيميائية على الهيكل الكيميائي للأنسولين الحيواني ليصبح مطابقاً كيميائياً للأنسولين الآدمي، أو باستخدام بعض فصائل البكتريا التي تستطيع إنتاج الأنسولين الآدمي، وذلك بإتباع وسائل تقنية الهندسة الوراثية.
أما عن أنواع وأنماط الأنسولين المستخدمة في سكري الحمل فإنها تنقسم إلى عدة أنماط تختلف باختلاف سرعة وطول مدة مفعول الأنسولين، وتشمل هذه الأنماط: الأنسولين قصير المدى سريع المفعول ويسمى الأنسولين الصافي والأنسولين متوسط المدى بطئ المفعول ويسمى الأنسولين العكر وهما النوعان المستخدمان حاليا في سكر الحمل والأنسولين طويل المدى ذو المفعول البطئ جدا ولا يستخدم حاليا إلا بقلة في مرض السكري بصفة عامةً.
و الجديد في أنواع الأنسولين في الآونة الأخيرة فقد طرح في الأسواق العالمية والمحلية نوع جديد من عقار الأنسولين ويسمى أنسولين (ديتيمير - ليفيمير) الذي يجرى العمل على محاولة موافقة إدارة الدواء والغذاء الأمريكية لاستخدامه في سكري الحمل حيث إن الدراسات الأولية أوضحت عدم تأثيره على الجنين وهذا النوع يعد أحد أنواع نظائر الأنسولين طويلة المفعول ويتميز عن الأنسولين المعكر بأنه يعمل على تحسين مستوى سكر الدم على مدار 24 ساعة، فلقد أثبتت كثير من الدراسات العلمية أن الأشخاص المستخدمين لهذا النوع من الأنسولين طويل المفعول يكون انضباط السكر لديهم أفضل من الأنواع السابقة طويلة المفعول وكذلك نسبة هبوط السكر في الدم في مجملها أقل من نسبة هبوط السكر مقارنة بالأنواع السابقة. كما أن نسبة تذبذب السكر في الدم أقل ويعمل على خفض وزن الجسم وهو سهل الاستخدام حيث انه متوفر بأقلام بلاستيكية. وقد أبدى كثير من المستخدمين له من الأطفال صغار السن وأيضا كبار السن استحسانهم لهذا النوع الجديد من الأنسولين وهذا الأنسولين لا يخزن تحت الجلد، حيث إنه بعد الحقن يتحد مع جزيئات الألبومين في الدورة الدموية وهذه الميزة فريدة مقارنة بأنواع الأنسولين الأخرى طويلة المفعول. وبالتالي تكون نسبة هذا الدواء في الدم أكثر استقراراً بالمقارنة بالأنواع الأخرى التي تخزن تحت الجلد ويعتمد امتصاصها على عوامل مختلفة من حيث درجة حرارة الجلد والنشاط الرياضي وغيرهما. وعندما يحقن هذا النوع تحت الجلد لا يشعر المريض بحرقان حيث إن هذا الأنسولين له ميزة أنه متعادل الحمضية بمعنى أنه ليس حمضياً ولا قلوياً. وهو عادة ما يقرن مع هذا الأنسولين أنسولين قصير المفعول يعرف بالنوفورابد وهو يعطى قبل الوجبات الغذائية ويستمر عمله لمدة ساعتين تقريبا وقد وافقت إدارة الدواء والغذاء الأمريكية على استخدامه في سكري الحمل حيث إن الدراسات الأولية أوضحت عدم تأثيره على الجنين. وهناك أيضا أنسولين الانتوس وهو أنسولين طويل المفعول حصل على موافقة إدارة الدواء والغذاء الأمريكية لاستخدامه في سكري الحمل حيث إن الدراسات العلمية دلت على عدم تأثيره على الجنين.
ويعد العلاج المكثف بالأنسولين علاج هام لسكر الحمل وله أهداف متعددة وتهدف جميعها إلى الحد من مقدار تذبذب وتأرجح مستوى السكر في الدم ومحاولة تحقيق معدل سكر مناسب ومقبول لتقليل المضاعفات على الأم الحامل والجنين معا ومن طرق العلاج المكثف بالأنسولين الحقن المتكرر للأنسولين أو استخدام مضخة الأنسولين.
والحقن المتكرر للأنسولين هو إحدى وسائل العلاج المكثف بالأنسولين ويتمثل في إعطاء المريض أربع حقن أنسولين في اليوم. يعطى المريض حقنة الأنسولين طويل المفعول والتي تستمر 24 ساعة قبل النوم أو في الصباح الباكر وتقرن مع الأنسولين قصير المفعول قبل الوجبات الثلاثة الرئيسة. ومثال ذلك أن يقرن أنسولين اللانتوس قبل النوم مع أنسولين الهومولوج أو النوفورابد قبل الوجبات.
ويعد استخدام مضخة الأنسولين هي إحدى وسائل العلاج المكثف بالأنسولين أيضا وتعتمد على ضخ الأنسولين بصفة مستمرة وعلى مدار الساعة ويقوم المريض إلى جانب ذلك بضخ كميات إضافية قبل الوجبات الرئيسة والخفيفة وأيضا في حين ارتفاع مستوى السكر في الدم وينصح باستخدامه في الحوامل.
لتحقيق الفائدة المرجوة من العلاج المكثف بالأنسولين يتطلب من مريض السكري تحليل السكر بصفة متكررة قبل وبعد الوجبات الأساسية وأثناء النوم كما يلزم المريض معرفة كيفية حساب الجرامات من الكربوهيدرات وذلك بزيارة أخصائي التغذية. ويجب في سكري الحمل كما هو الحال في مرض السكري بصفة عامة تحليل السكر بصفة متكررة والجديد في هذا الأمر أن هناك أجهزة جديدة.
ومن هذه الأجهزة التي أصبحت متوفرة حالياً هو جهاز تحليل السكر المستمر وهو عبارة عن جهاز صغير بحجم البيجر يقوم بحساب السكر بصفة مستمرة على مدار اليوم دون الحاجة للوخز وأخذ الدم. حيث يوصل الجهاز بأنبوب دقيق يوضع تحت الجلد يقوم بحساب السكر كل 5 دقائق أي يعطي حوالي 288 قراءة في اليوم يتم تخزينها وتفريغها عن طريق الكمبيوتر الشخصي وتظهر الأرقام على شكل منحنيات بيانية يسهل قراءتها. كما يزود هذا الجهاز المريض بصوت تنبيهي إذا انخفض أو ارتفع السكر ولهذا الخاصية أهمية كبرى بالنسبة للأطفال أثناء النوم. ويحاول المختصون إيصال هذا الجهاز بجهاز مضخة الأنسولين المتوفرة حالياً في الأسواق فيصبح الجهازين معاً بمثابة غدة بنكرياس صناعية تعمل على حساب السكر وبالتالي ضخ الأنسولين على حساب مستوى السكر في الدم.