تحقيق - إيمان البحطيطي
إن الفطرة تأباه والشريعة الإسلامية تحرمه والمجتمع يرفضه بشدة، وتتأذى العين لرؤية من تعتقد أنه يمارسه، فهو كالإدمان الذي يرجى الشفاء منه ولكن يحتاج لعزيمة ومجهود مضاعف للخلاص منه، قضية خطيرة وحساسة ولكن انتشارها في العديد من الدول العربية والغربية على حد سواء بات وأصبح أمراً واقعاً.
لمناقشة هذه القضية ألا وهي (الشذوذ الجنسي) بين الجنسين، تتلاحق علامات الاستفهام حول عمق هذه القضية من خلال هذا التحقيق لتتضح الرؤية لمعرفة الأسباب والدوافع والبحث عن الحلول..
أنواع وأسباب
ونبدأ في مناقشة هذه القضية مع الدكتور عبدالعزيز الحسين - أستاذ علم النفس الجنائي - استشاري علم النفس- بجامعة الملك سعود ليوضح لنا أسباب الشذوذ الجنسي بين الجنسين فيقول:
في الحقيقة أشكال الشذوذ الجنسي كثيرة، وفي الجميع يعتبر خروجاً عن الفطرة التي ارتضاها الله سبحانه وتعالى للخلق، وبالتالي تأخذ سلوكيات متعددة، فبالنسبة للذكور قد يبدأ بالإعجاب وبناء علاقة مع نفس الجنس وعادة يكون بين البالغين، أو يكون بين بالغ وحدث صغير السن، وقد يأخذ أشكالاً متعددة ومراحل مختلفة، وقد يصل إلى أسوأ مرحلة، وآخر مرحلة في الشذوذ وهي ما تسمى (بالجنسية المثلية) والقرآن الكريم قد تحدث عن هذا النوع من الشذوذ ودعا المؤمنين إلى تجنب هذا النوع من الشذوذ، وقد ذكر في القرآن قوم لوط وما آل بهم من مآل مهلك، وبالتالي أي ميل جنسي إلى نفس الجنس بلاشك هو نوع من الشذوذ عن الفطرة السليمة، وهو اعتداء على حدود الله سبحانه وتعالى.
وأضاف: وما يحدث بين الإناث بات ظاهرة تتفشى وتنتقل من المجتمعات الغربية إلى مجتمعاتنا الإسلامية، وتأخذ أيضاً أشكالاً معقدة قد تكون أكثر تعقيداً مما عليه مجتمع الذكور، وهي تبدأ بعلاقات الصحبة والإعجاب وعلاقات اهتمام غير عادي بالطرف الآخر، ومحاكاة في المظهر والملابس للصاحبة، وبالتالي قد تتطور هذه العلاقة وقد تصل إلى مستوى معين وتقف عندها، ولكن في بعض الأحيان تصل إلى حالات متطورة ومتطرفة جداً كممارسات شاذة ومنحرفة جداً، وهذا يعد مرضا نفسيا مزمنا واجتماعيا لدى الطرفين.
المحظور وآثاره
ويوضح د.عبدالعزيز كيفية الوقوع في هذه الرذيلة بأن يبدأ أحد الأطراف باصطياد الطرف الآخر، بحكم (النزعة الجنسية) و(بحكم الرغبة في تفريغ الرغبة الجنسية يحاول أحد الطرفين البحث عن ضحية؛ فقد يحاول العديد من المحاولات إلى أن يصطاد الضحية المناسبة، وتبدأ العلاقة وتنمو، ثم تتطور ويصبح هناك تلازم وتصاحب لرفيقين يلازمان بعضهما، وبناء عليه تتعطل جوانب كثيرة جداً.
ثم أبان الآثار المترتبة على هذه العلاقة الشاذة، والتي منها مثلاً: انخفاض مستواهم في التحصيل الدراسي، وإذا كان الشذوذ بين شخصين في العمل ينخفض الأداء في العمل، ويحدث مشكلات أسرية واجتماعية كثيرة جداً، والسبب في ذلك أنه في معظم الأوقات ينفضح أمر الشواذ جنسياً؛ لأن هناك علامات وسلوكيات تفضح الشاذين جنسياً.
ويبين رأي علماء النفس حول الشذوذ فيقول بعض علماء النفس يعتبر الشذوذ نوعا من الإدمان، وفي بعض المراحل ينظر إليه على أنه نوع من الأمراض النفسية المستعصية التي لا تستجيب للتدخل العلاجي النفسي.
ويرجع د.الحسين أسباب الشذوذ إلى أسباب عامة وخاصة؛ أما الأسباب العامة عند الطرفين من الذكور أو الإناث فقال: أرى شخصياً أولها انعدام ضبط النفس والتحكم في السلوك والتصرف، يرتبط هذا في مجتمعاتنا الإسلامية بشكل أساسي بمدى ضعف الوازع الديني، فكلما حصل ضعف في الوازع الديني استسلم الإنسان إلى نزواته ورغباته دون مراعاة ودون مبالاة بالمعايير والقيم والأخلاق، وحتى في المجتمعات الأخرى نجد الشذوذ الجنسي يتنافى مع أبسط معايير القيم والأخلاق الإنسانية بشكل عام؛ لذلك فالشذوذ الجنسي سلوك منبوذ حتى في المجتمعات المتحررة.
ومن ضمن الأسباب أسباب حضارية، فنجد أن بعض المجتمعات تبيح قدراً من التصرفات والسلوكيات حتى أصبح في المجتمعات الغربية والصناعية دول بدأت تبيح وتشرع إتيان بعض السلوكيات الشاذة، وتعترف بمجتمعات الشاذين من الذكور والإناث، وهذا مما شجع الرذيلة والشذوذ الجنسي بأنواعه على الانتشار، وللأسف انتقلت هذه الثقافة لمجتمعات خارج تلك الأوطان عبر التواصل (التقني الحديث)، فأصبح من السهل نقل صورة لممارسات شاذة في مجتمع بعيد إلى مجتمعاتنا عن طريق الإنترنت، والمواقع التي تتعمد نشر الرذيلة وإشاعتها وأيضاً عن طريق الأجهزة التي تسهل نقل وترويج مثل هذه الصور؛ مثل أجهزة الهاتف النقال عن طريق برامج البلوتوث، وما إليها.
أيضاً ظهور وانتشار وسائل الإعلام بلا شك سهل نقل الظاهرة، ولكن ليس سببا لذلك، ولكنه عامل مساعد لزيادة نشر الممارسات الشاذة إلى بعض مجتمعاتنا الإسلامية.
ويرى أن أحد الأسباب أيضاً إلى الشذوذ هو تأخر سن الزواج بالنسبة للشباب والشابات؛ لأنه كما هو معروف أن الفتى والفتاة في مراحل نموهم يصلون عادة إلى سن تكتمل فيه الكثير من مظاهر النمو، ومن ضمنها النمو الجنسي الذي معه يشعر الإنسان بالإلحاح لتلبية هذه الحاجة والتنفيس عنها، وطبعاً لدى البعض خصوصاً ممن يتأخرون في سن الزواج.
وبالسؤال عن وجود الشذوذ عند صغار السن في المرحلتين المتوسطة والثانوية فما هي الأسباب أيضاً؟
ما يحدث في المجتمعات الغربية يكون التنفيس بطريقة غير مشروعة مما يحل المشكلة، ولكننا محكومون بالدين الحنيف وتعليماته، ونحن نبتعد عن التنفيس المشروع وهو الزواج المبكر، فبالتالي يعبر الشباب عن كبت هذه الرغبة مما يترتب عليه الانحراف والشذوذ، فمثلاً الفتاة في نهاية المرحلة المتوسطة وبداية المرحلة الثانوية هي مكتملة ومهيأة من ناحية النمو الجنسي، فإذا تركت إلى المرحلة الجامعية أو ما بعدها فبلاشك هذا يضع ثقلاً كبيراً على الضبط الأسري، وأيضاً الضبط الذاتي، لكن إذا ضعف الضبط الذاتي وضعف دور الرقابة الأسرية هنا يكون الشخص معرضاً للتنفيس عن الرغبة الجنسية بوسائل غير مشروعة.
ويوضح أن بعض المشايخ نصح بالزواج في سن مبكر وعدم التقيد بسن 25 أو 27 بالنسبة إلى الفتاة وإنما من المفضل إذا أتاها النصيب في 17 ألا يتردد ولي أمرها بتزويجها إن جاءها من يرضى دينه وخلقه.
وهذه بعض الأسباب وليست جميع الأسباب، كذلك الاضطرابات الشخصية في وقت مبكر للفتاة أو الفتى مما يدفعه إلى تلبية الرغبة الجنسية بوسيلة شاذة وهنا الشخص قد يعاني اضطرابا سلوكيا يشعر معه بالتبلد وعدم الإحساس وعدم التقيد بالمعايير المجتمعية مما يجعله يكون هذه العلاقة البهيمية، ويكرس جل وقته لتلبية هذه الرغبة.
الإناث والشذوذ
وعن انتشار هذه العادة عند الإناث في بعض المجتمعات فرغم أنها غريبة ودخيلة على مجتمعاتنا العربية والإسلامية إلا أنه يخشى من انتشار أو تفاقم هذه الظاهرة مستقبلاً؛ ففي مجتمعاتنا قد تختار الفتاة ذات الميل الشاذ بين تكوين علاقة غير مشروعة مع شاب وبين فتاة من بني جنسها، فيمكن أن تعتقد بصورة خاطئة أن تنمية العلاقة مع نفس جنسها أهون من تكوين علاقة مع شاب لأن هناك عوائق أسرية وعقابا مباشراً قد يواجهها فتتجه إلى هذه العلاقة مع الفتاة الأخرى التي تعتقد خطأ أنه أنسب، وتجد نفسها متورطة بعد أن أصبحت شاذة، وكما أوضحت سابقاً أن طبيعة الشذوذ الجنسي يأخذ سلوك (الإدمان) ويصبح من الصعب إخفاء هذا السلوك، وهو ما يجعلنا نشاهد الشاذين في أماكن متعددة، لأنه يأخذ بالفعل سلوكا إدمانيا، فمثلاً المدمن على المخدرات أو على التدخين نجده دائماً يميل إلى تلبية السلوك الذي تعود عليه ولا يهتم لما يقوله الآخرون عنه، وهنا تكمن الخطورة.
ويفيد د.عبدالعزيز أن نسبة انتشار الشذوذ في المجتمعات الغربية أكثر لأنها ظاهرة جلبت من تلك المجتمعات وساعدت وسائل التقنية على أنماط مختلفة لم يكن لها مثيل.
علامات ودلائل
وبالاستفسار عن العلامات التي تدل على الشذوذ بين الفتيات يفيد د.عبدالعزيز أن الفتاة النبيهة تستطيع أن تلحظ من جليستها هل المحبة في الله أو أنها محبة شاذة وأن الاهتمام جسدي، ويبدو أيضاً على الشخص الشاذ من خلال المظهر العام من احتشام وبالنسبة للفتى سوف يميز من خلال السلوك والتصرف ونجد أن الشخص الشاذ لا يستمتع إلا بالحديث عن القصص الجنسية، وكل تركيزه ينصب وينحصر في الانشغال بالاهتمامات الجنسية، ولكن الخطورة في المجتمع الذكوري أنه أحياناً الشذوذ يأتي من شخص بالغ يستدرج طفلاً صغيراً أو قاصراً، وبالتالي هنا الشخص القاصر قد لا يدرك أهداف وخطط الشخص البالغ المنحرف.
ويوضح د.الحسين أن المسؤولية الكبرى تقع على أرباب الأسر، وأن يتنبه الأب لعدم إبقاء أبنائه الصغار خارج المنزل خصوصاً في المساء أو في أي ظرف لا يأمن على ابنه فيه حتى لو كان الخروج إلى مكان قريب مثلاً إلى المتجر المجاور أو للمنزل، فعليه أن يقدر هل البيئة آمنة أم لا.
وحول وجوب توعية الصغار يقول: الطفل الصغير قد لا يدرك مفاهيم الشذوذ ولا يحيط بها، كما يحيط البالغ لكن هناك احتياطات نضعها أمام الصغير بعدم مصاحبة للكبار ونحذره، ولكن نوعي الأكبر من الثامنة مثلاً، ولكن في حدود المعقول والتي تتناسب مع سنه، ولكن دون شرح قصص قد تعطي آثاراً عكسية ودون إفراط أو تفريط.
الوقاية
وحول سبل الوقاية من الوقوع في رذيلة الشذوذ يوضح د.عبدالعزيز أهم السبل بقوله: ينبع من الأسرة فلابد أن يعتني الأبوان، وخصوصاً إذا كان الأب يعمل والأم تعمل، فهذا يعني أن الأبناء سوف يبقون دون مراقبة لفترة طويلة حتى عند عودة الأهل يكونون بحاجة للراحة فيكونون بعيدين عن الأبناء، فيتصرف الأبناء دون مراعاة للعواطف فالتوعية أمر ضروري من الأسرة، ويجب على الأهل البعد عن المشاحنات والعلاقات المتوترة، لأن ذلك ينعكس على الأبناء وتكوين شخصيات (انقيادية) أي يسهل إغراؤها أو شخصيات (عدوانية) تميل إلى الانحراف والعدوان، لذلك لابد من توخي الاستقامة في التربية بالبعد عن بعض السلوكيات الخاطئة في التربية مثل الحرمان أو القسوة الشديدة أو تدليل طفل على الآخر، أو التدليل الزائد أو وصف طفل بألفاظ غير لائقة والاستمرار في هذه الألفاظ؛ لأنها مع الوقت قد تلتصق به ويتكون عنده شعور سيئ ونحن نحاول تجنب تكوين شخصيات سلبية من خلال التربية الخاطئة، ويجب أن تتضمن الكتب المدرسية التوعية بالكثير من الأمور مثل الانترنت والمواقع الإباحية وأضرار البلوتوث، فكما يمكن استخدام هذه الأشياء في الخير من الممكن أن تستخدم في الشر، كذلك الحذر من التعدي على المحارم ونقل الصور غير المحتشمة، وكل هذا يجب أن يكون ضمن الكتب الدراسية والتربية المدرسية في حين أنه للأسف هذه الجوانب مفقودة في الكتاب المدرسي في الوقت الحاضر فيجب أن تلاحق المناهج هذه التغيرات التي في الحقيقة لها إفرازات سلبية على المجتمع.
وسائل الإعلام
ويركز د.عبدالعزيز على دور وسائل الإعلام وما تنقله عبر الوسائل المختلفة، وأن الدور الأساس يقع على الأسرة لكي تنبه أنه ليس كل ما ينقل عبر بعض القنوات أو الإنترنت حلالاً، وإنما كثير من السلوكيات التي تنقل محرمة، ويترك هنا الأمر إلى الطفل أن يمتنع بذاته طالما هو عرف أن هذا محرم وغير جائز كنقل الرذيلة والسلوك الشاذ من خلال الأفلام ووصف حالات الشواذ وهكذا.
الاكتشاف المبكر
وحول الاستفسار عن الحلول يوضح د.عبدالعزيز الحسين أن أفضل طريقة هي الاكتشاف المبكر، فلابد أن يكون هناك تدريب للأسر وأيضاً المشتغلين والعاملين في المؤسسات التربوية على الاكتشاف المبكر لحالات الشواذ لأن الإشكالية في وصول حالات الشذوذ الجنسي إلى مرحلة متقدمة ويصفها البعض من المعالجين النفسيين أنها مرحلة الاستعصاء على التدخل النفسي، فالاكتشاف المبكر والملامح التي تدل على الشذوذ الجنسي بالتقارب، أو الالتصاق الجسمي، الإيماءات، الحركات، اقتناء صور شاذة وإباحية، فيجب المراقبة عن قرب سواء من قبل الوالدين أو من قبل القائمين على العملية التربوية.
ويبين د.الحسين أن العلاج من الشذوذ يخضع للمشورة بين الاختصاصيين النفسي والاجتماعي وهذه الجهود تتضافر لكشف الأسباب الحقيقية، وكل يؤدي دوره في مجاله.
وقد يحتاج إلى وصف العلاجات الطبية، وهناك دور للأخصائي النفسي لقياس الشخصية وتشخيص مستوى السلوك الشاذ، وهناك دور لأخصائي الخدمة الاجتماعية في البحث عن العوامل المجتمعية والأسرية والعمل على متابعة الحالة من خلال الرعاية اللاحقة.