Al Jazirah NewsPaper Friday  06/06/2008 G Issue 13035
الجمعة 02 جمادىالآخرة 1429   العدد  13035
شهدت مؤخراً انتحار امرأة خمسينية
قرية الدوح بجازان يكتنفها البؤس والحرمان

جازان - أحمد حكمي

لم يكن حدوث أول قضية انتحار شيئاً عادياً بالنسبة لهم خصوصاً وأنهم أبناء مجتمع بدائي بكل ما تعنيه هذه الكلمة من دلالات، قضية اهتزت لها كل البيوت الطينية القديمة التي تنتشر في تلك القرية ضحيتها امرأة في الخمسين من عمرها نجحت في إتمام عملية انتحار بعد محاولات عديدة والسبب مرض نفسي تعاني منه منذ 13 عاماً طريقتها البدائية في عملية الانتحار لم تكن بمحض الصدفة، بل كانت هي الأنفع والأجدر في مكان تنتشر فيه منازل كلها مبنية من الطين وتغطيها أسقف من الأخشاب والأغطية، لا كهرباء ولا ماء. حين تتجول في أرجائها تدرك أنك تعود إلى الوراء ما يقارب الخمسين عاماً، أهلها راضون بالواقع المر الذي فرض عليهم!!! ضغوط نفسية وعصبية تحوم حول المكان وساكنيه، أجواء تنبأ بأنها لن تكون الضحية الأخيرة، بل ستلحقها العديد من ضحايا الانتحار. إنها قرية الدوح التابعة لمركز الموسم التي شهدت يوم الثلاثاء 8 أبريل انتحار سيدة في الخمسين من عمرها بسبب مرض نفسي تعاني منه..

(الجزيرة) تجولت في أرجاء القرية لتلتقي بأحد أقارب المنتحرة فكان لقاؤنا بابن أخيها يحيى عاتي الذي روى لنا قصة الانتحار وتجوّل بنا في أرجاء القرية لينقل معانات سنين من الألم والحرقة بسبب ضيق العيش وقلة الإمكانات.

محاولات سابقة

يقول يحيى: خبر انتحار عمتي كان مثل الصاعقة بالنسبة لنا خصوصاً وأننا مطمئنون بوجود زوجها وأبنائها من حولها، فهي سبق أن حاولت أكثر من مرة أن تنتحر لكن كانوا يراقبون كل تحركاتها فتفشل كل المخططات، ولكن هذه المرة استغلت غفلتهم عنها فأتمت العملية بعد أن قامت بربط حبل في الأخشاب التي تغطي سقف البيت ثم اعتلت السرير الخشبي المسمى (القعادة) وربطت الحبل حول عنقها وألقت بنفسها على الأرض لتعلن نهاية لحياتها التي عانت فيها كثيراً مع المرض. حاول أقاربها نقلها إلى المستشفى لكنها وصلت وقد فارقت الحياة.

مساكن بدائية

بعدها تجوّل بنا يحيى بين المنازل، منظرها من بعيد مخيف جداً لا تستطيع المرور فيها لوحدك، متداخلة في بعضها فغالبيتها مبنية من الطين تغطي أسقفها أخشاب وأغطية تقيهم حرارة الشمس والأمطار تحف بهذه المنازل حدود من أعمدة الأخشاب الصغيرة والقش تفصل كل منزل عن الآخر، والبعض وهم قليلون يملكون في مقدمة منزلهم القليل من الأغنام التي تعتبر الوسيلة المساعدة في حصولهم على المال من خلال بيعها والانتفاع بقيمتها.

أثناء تجولنا رفض يحيى التصوير لأن هناك نساء في الخارج مما يسبب لنا وله الإحراج من أصحاب تلك المنازل فواصلنا المسير إلى أن وصلنا إلى منزل مهدي عاتي فأشار لنا بالتوقف قليلاً ريثما يخلي المكان من عائلته بعد ذلك سمح لنا بالدخول.

منزل متواضع مكون من شقين شق مبني من الطين والأخشاب كغالبية المساكن وشق آخر مبني من القش يدخل فيه زوجته وأولاده، ساحة البيت مليئة بالأسرة الخشبية (القعد) يقبع في إحدى زواياها العريش وهو مبني من القش للقيلولة وحين يقبل عليهم الضيف فبرغم وضعهم الصعب لكن الكرم متأصل فيهم ولا يردون أحداً بل يلزمون عليه المبيت.

لا ماء ولا كهرباء..

عند دخولنا إلى المنزل أخذ مهدي يروي لنا ما يعانيه وأولاده قائلاً: أنا لا أستطيع أن أتكلم فهناك من هو أبلغ مني فيحكي المعاناة بتفاصيلها إنه المكان الذي أنتم فيه وترونه.

ويضيف نحن نعيش بعيدين كل البعد عن أبسط أمور الحضارة بيوتنا من الطين لا كهرباء تضيئها فعندما يحل الظلام لا ترى سوى بصيص ضوء من كل منزل يبعثه سراج متواضع يشتعل أحياناً وأحياناً كثيرة يفضل البقاء على حاله دون فائدة.

حكايتنا مع الماء تكاد لا تنتهي فأملنا الوحيد هو الوايتات التي تأتينا بمبالغ باهظة تصل إلى 150 ريالاً وأحياناً يرفضون المجيء بسبب سوء الطريق المؤدي إلينا فتجدنا أحياناً كثيرة بلا ماء ننتظر متى يحل علينا الفرج.

بلا دراسة

يضيف يحيى أولادي الآن بلغت أعمارهم التاسعة والثامنة لكني لم أستطع إدخالهم إلى المدرسة بسبب بعدها عن مسكننا وعدم توفر وسائل نقل لهم فكما ترى حالنا وأنا خائف فوات العمر عليهم دون أن يتعلموا شيئاً ينتفعوا به خصوصاً وأن أقرانهم يدرسون في مراحل متقدمة، وكما أنني عندما أذهب بهم إلى المدرسة قد ترفضهم الإدارة لكبر سنهم.

أين التنمية من قريتنا؟

أثناء تجولنا التقينا أبو ناصر وهو من سكان القرية يقول المنطقة مقبلة على نقلة تنموية كبيرة خصوصاً مع وجود العديد من المشروعات لكن الخوف أن تمر هذه النقلة التنموية من أمامنا دون أن يتغير فينا شيئاً فنحن نعلم أن أمير المنطقة يعمل ليل نهار من أجل بناء أجيال المستقبل وأن يعيش أبناء هذه المنطقة برخاء وراحة. ويقول مرافقنا يحيى أثناء سيرنا حين يأتي إلينا بعض الناس من خارج القرية يظنون أننا من مخالفي الإقامة وغير سعوديين ولا نحمل إثباتاً لهويتنا السعودية التي نفخر بها نظراً لما يرونه من قدم مساكننا خصوصاً وأنها مبنية من الطين ولا يوجد لدينا كهرباء ولا ماء لكن حين نحدثهم بوضعنا يتفاجؤون ويقدرون كم نحن متحملين هذه المشقة. ويقول علي عاتي انسداد الطريق يكون عائقاً أمامنا خصوصاً وأننا نعاني كثيراً من قلة الماء فسائقو الوايتات حين يرون الطريق وعراً يرفضون المجيء إلينا والسبب بعد الطريق وانسداد الطريق الأقرب. سكان القرية حملوا الجزيرة أمانة نقل معاناتهم إلى المسؤولين للنظر في بقعة من بقاع هذا الوطن المعطاء والذين يطمعون أن ينعموا بأبسط الأمور الحياتية ألا وهي الماء والكهرباء والمسكن فحالتهم لا تسر ناظرها فقضية الانتحار التي وقعت ربما تكون طريقاً يسلكه الكثير من سكان هذه القرية لسوء الأحوال المعيشية فهم على ثقة بأن القيادة وأمير المنطقة الطموح الأمير محمد بن ناصر لن يألوا جهداً في نقلهم إلى حياة أرقى مما هم عليه، الجزيرة روت الحكاية كما هي فهل من مستجيب؟!




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد