Al Jazirah NewsPaper Thursday  12/06/2008 G Issue 13041
الخميس 08 جمادىالآخرة 1429   العدد  13041
الثقة وأهميتها في الحياة
مالك ناصر درار - المدينة المنورة

من جملة المميزات التي يتحلى بها هذا العصر العجيب الغريب الذي نعيش فيه فقدان الثقة بين البشر إلى درجة صار المرء معها لا يثق حتى بنفسه.. كما أنه أصبح لا يوجد من يثق به ثقة عمياء.. وبدون قيد أو شرط مهما سمت أخلاقه ورسخت قدمه في دنيا الصدق والأمانة.

فالإنسان بات في نظر الناس كاذباً مخادعاً محتالاً.. حتى يثبت مع كر السنين والشهور أنه على خلاف ذلك.. وهو متهم حتى تظهر براءته بعد عمر طويل.. وبعد أن يكون في غالب الأحيان قد غيَّبه الثرى.. وعندئذٍ فقط، يقال رحمه الله.. كان رجلاً شريفاً كريماً فيتفنن الراثون والمعددون في تعداد صفاته.. والتباكي على حسن أخلاقه.. حتى ولو لم يكن على شيء من هذه الصفات.

لقد فقدت الثقة بين البشر إلى درجة صار معها الواحد منا يحس بحقارة في نفسه.. مهما كان شهماً.. وبالكذب مهما كان صادقاً.. وبسوء الخلق مهما كان صالحاً.. كما يشعر أنه عدو لدود لأبناء البشر أجمعين حتى ولو كان من أخلص الناس.

ومسألة الثقة المتبادلة هي في رأيي من أهم شروط النهوض بالمجتمع وحين لا تكون ثقة.. لا يكون مجتمعاً سعيداً.. وتعود عندئذ البشرية إلى عصور الغاب حيث الذئب لا يأمن شر أخيه الذئب وحيث النمر لا يرتاح للفيل وحيث الحيوانات لا يثق الواحد فيها (بمواطنه) في الغاب.

والثقة أمر مهم في تعامل البشر مع بعضهم البعض في البيع والشراء إن لم تثق بالبائع فإنك تساومه وقتاً طويلاً ثم تخرج معه على خلاف.. ودون أن تبتاع شيئاً..

في الأدب إن كنت تعرف أن أدبياً أو صحفياً أو مصلحاً يغير مبادئه كما تغير المرأة تسريحة شعرها يحل الاحتقار له في نفسك محل الاحترام الطبيب إن لم توله ثقة كاملة فمن المستحيل أن تتداوى عنده وتشفى سريعاً.. وكذلك المحامي إن كنت تشك في مقدرته على تحصيل حقوقك.. لن أنسى ذلك الشاعر الذي كان ينظم قصيدته عصماء في مطلع كل انتخابات. فقد كان يحشو قصيدته مديحاً وتعظيماً بالفائز ويقول فيه ما لا يقال إلا في أعاظم الرجال.. ولكنه كان يترك مكاناً فارغاً لاسم الفائز.. فإذا نجح زيد كان هو الممدوح وإذا فاز خصمه كان التكريم والتقريظ من نصيبه.

يسر أحدهم إليك بقصة أو حادثة.. أو يروي لك حديثاً.. فأول ما يفعل في بدء القصة وآخرها أن يستحلفك بعدم روايتها لأحد.. فكأنه (واثق) سلفاً من عدم (الثقة) بك.. أو كأنه مقتنع أنك ستنقل كلامه على الملأ.. أو كأنه يحثك على أن تذيع الخبر بين الناس.. لغاية في نفسه.

تشترك في عمل تجاري مع أحد الناس، فتتلهى وأنت وشريكك عن عملكما وعن ازدهاره بمراقبة كل منكما الآخر.

تروي قصة فعليك أن تقسم أنها صحيحة فور انتهائك من سردها.. ويروي أحدهم لك حادثة فتسأله على الفور (صحيح).

وتبلغ الثقة ذروتها إذا أحوجك الدهر للاستدانة أنه مسكين من يحتاج الناس خصوصاً إذا كانوا من طائفة المرابين الأفاضل.. فالمدين بشتى التأمينات والرهونات.

ولعل الثقة تبلغ ذروة البشاعة عندما تكون معدومة بين أفراد العائلة الواحدة حيث لا يثق الزوج بزوجته.. والأب بأبنائه والأخ بأخيه.. والجميع بالخادمة..

والثقة مصيبة عندما تفقدها في شخص تسلمه أملاكك أو بيتك.. أو شيئاً عزيزاً عليك.. وأزمنة الثقة هذه أعتبرها من أبشع الأزمات التي تلحق بلداً من البلدان أو ببعض الناس.. فأنت إن لم تكن واثقاً من نظافة الماء.. هل تشربه؟ إن لم تكن واثقاً من الطاهي.. هل تأكل طعامه؟ وإن لم تكن واثقاً من متانة الكرسي فهل تجلس عليه؟ وإن لم تكن واثقاً من حب فتاتك فهل تتزوجها؟ وإذا تزوجتها ولم تكن واثقاً من إخلاصها فهل تحبها وتأمن جانبها؟ الجريدة إن لم تكن واثقاً من صدقها وصراحتها.. هل تنتظرها كل صباح وتتلقفها قبل رغيف الخبز؟

صحيح هنالك أزمات مالية.. واقتصادية.. وأخلاقية.. ولكن أزمة الثقة أشد هذه الأزمات.. بل إنها تسبب إلى حد كبير في خلق الأزمات وطبيعي أن تشتد الأزمة الاقتصادية عندما تفقد الثقة بين التجار وبين الناس بين المتمول والمستدين.. وهذه الضائقة الاقتصادية المالية تجر إلى أزمة أخلاقية.. فعندما يشتد الفقر.. تسيء الأخلاق في غالب الأحيان؟

قلة الثقة تظهر أكثر ما تظهر حين تكون مسافراً من بلد إلى بلد.. وتقف على الجمارك.. ويسألك الموظف بلطف: هل تحمل شيئاً ممنوعاً؟ تجيب بالنفي.. ولكنه مع ذلك، ومع شدة لطفه يتفضل ويفتح حقيبتك.. ويبعثر محتوياتها.. وهو يختلس النظر إليك ليقرأ على قسمات وجهك إن كنت لا سمح الله من المهربين المحترفين.

انعدام الثقة يظهر واضحاً جلياً بين الرئيس والمرؤوس.. وهؤلاء مفروض فيهم أن يثق كل واحد منهم بالآخر ثقة عمياء.. حتى تستقر الأمور.. وتصلح الأحوال.. وثقت بسائق سيارة طالما تعاملت معه، وطلبت إليه أن يوصلني إلى مكان قريب وتصنعت الأرستقراطية ولم أساومه.. فطلب مني خمساً وعشرين ريالاً.. بينما الأجر الحقيقي لا يتجاوز العشرة ريالات.

إن انعدام الثقة بين الناس من أشد أمراض العصر فتكافئ المجتمع.. وإذا انعدمت الثقة ساءت الأحوال.. أين تجد اليوم - كما في الماضي - من يأتمنك على ماله وعرضه وأولاده؟ أين الذي إن عرفك في ضيق جاءك عارضاً المساعدة والمساهمة بأي مبلغ من المال دون ثناء أو كفالة؟

بقيت كلمة أخيرة.. وهي أن انعدام الثقة إن كان أمراً مكروهاً.. فالحذر واليقظة.. وعدم الثقة ثقة عمياء صفات هي على العكس مطلوبة ومحبوبة في هذا العصر.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد