Al Jazirah NewsPaper Friday  13/06/2008 G Issue 13042
الجمعة 09 جمادىالآخرة 1429   العدد  13042
تعقيباً على مقال د. السماري:
(الاختلاط) ليس محرماً بإطلاق.. كما أنه ليس جائزاً بإطلاق

في زاويته الصحفية كتب الأخ الزميل الدكتور عبد العزيز السماري في العدد الصادر يوم السبت 5 جمادى الأولى من جريدة «الجزيرة» مقالاً بعنوان: (الاختلاط والخلوة غير الشرعية وقانون العمل) طرح فيه جملة من النقاط ظهر فيها الخلط بين الخلوة والاختلاط، ولي مع المقال بعض الوقفات:

أولاً: إن المقرر شرعاً أن الخلوة محرمة بإطلاق استناداً إلى أحاديث نبوية شريفة ثابتة عنه - صلى الله عليه وسلم - مثل حديث (إياكم والدخول على النساء)، وحديث (لا يخلون رجل بإمرأة إلا مع ذي محرم) وهذان الحديثان رواهما الإمام البخاري - رحمه الله - في صحيحه.

ثانياً: إن المقرر شرعاً أن الاختلاط ليس محرماً بإطلاق، كما أنه ليس جائزاً بإطلاق، فمنه ما هو محرم لأن مفسدته ظاهرة ويمكن درؤها.. ومنه ما هو جائز لأن المفسدة غير ظاهرة، أو لأن التحامي عنه والتوقي منه شاق على الناس، ومن ذلك ما ذكره من أمثلة الاختلاط في الأسواق وغيرها من الأماكن العامة.

ومن هنا فإن مجرد وجود الرجال مع النساء في الأسواق والطرق لا يُعد اختلاطاً محرماً، بل ربما لا يُعد من الصور التي يحتملها لفظ الاختلاط.

أما الاختلاط الذي يفضي إلى المحرم فهو محرم لا لذاته وإنما لأنه وسيلة إلى محرم والقاعدة الشرعية تقول: (إن الوسائل لها حكم المقاصد)، وهناك بعض صور الاختلاط في المجتمع لا شك في حرمتها.

ثالثاً: ذكر الزميل الدكتور السماري أنه ليس صاحب رأي في هذا الشأن وليس مؤهلاً للإفتاء وليس صاحب رأي في هذا الشأن في بداية مقاله، إلا أننا نجده في ثنايا المقال وفي نهايته أفتى بحرمة الخلوة ورأى أن الاختلاط واقع لا تجدي معه الفتاوى.

أليست هذه فتوى ورأياً؟

رابعاً: ذكر الكاتب أن أغلب فئات المجتمع - هكذا.. لم تكترث لهذه الفتوى وظلت تمارس الخلوة غير الشرعية.. وأظن أن في هذه المقولة بهذا التعميم مجازفة كبيرة.. فهل صحيح أن أغلب فئات المجتمع تمارس الخلوة غير الشرعية - كما سماها - والتي أقر بحرمتها؟

ثم ذكر أن ذلك لم يحرك المشايخ والعلماء للمطالبة بإصدار قانون يحرم الخلوة.. وضرب مثالاً بالسائق الأجنبي.. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يرى الدكتور السماري أنه من الممكن إصدار قانون يحرم الخلوة داخل بيوت الناس؟

ترى ما هي الجهة التي ستكون مسؤولة عن متابعة تطبيق هذا القانون؟

إن حرمة الخلوة هي حكم شرعي لا أظنه بحاجة إلى أن يصدر كقانون.. وهو يتعلق بالدرجة الأولى بديانة الناس وعلاقتهم بربهم سبحانه وتعالى.. ثم من قال إن العلماء والمفتين لم يرفعوا أصواتهم بتحريم الخلوة مع السائق أو مع الخادمة؟.. لعل الزميل فاته أن يطلع على تلك الفتاوى ومن علم حجة على من لا يعلم.

خامساً: ذكر الدكتور السماري أن المجتمع تحكمه معايير أخرى غير الفتوى.. وأنه لا يستجيب لفتاوى التحريم عندما تقتضي مصلحة غير ذلك.. وهذه مجازفة أخرى.

وهنا أسئلة: ترى ما هي المعايير الأخرى التي تحكم المجتمع؟ وهل المجتمع بعدم استجابته لفتوى تحريم الخلوة يُعد مخالفاً للشرع أم لا؟

وإذا كان المجتمع قد خالف فتوى التحريم، أليس مخالفاً للنص الشرعي على تحريم الخلوة؟ فهي لا تحتاج إلى فتوى بقدر ما تحتاج إلى تطبيق للنص الشرعي، ولا أظن أحداً من المسلمين يرى أن مخالفة النص الشرعي سائغ مهما كانت المصلحة التي يريد تحقيقها.

وهل جاءت الشريعة الغراء إلا بتحقيق مصالح الناس في دنياهم وأخراهم..

فإذا أدار الناس ظهورهم لنصوصها، فقد ارتكبوا خطأً عظيماً ظاهراً.. وإذا كان الأمر كما ذكر الدكتور السماري في مقاله بأن الفتاوى تصبح في طي النسيان إذا لم تتماش مع الواقع - كما زعم - فهل ينطبق ذلك على النصوص الشرعية المحكمة مثل تحريم الخلوة، وتحريم الربا، وترك الصلاة؟ أرجو أن لا يكون هذا المفهوم قد تسلل إلى نفس الكاتب في غفلة منه.

ويبقى أن ممارسات الناس الخاطئة لا يتحملها المفتون مهما كانت.. فدور المفتي في الأصل هو في إنزال حكم الله سبحانه وتعالى على الواقعة التي بين يديه، وأما حمل الناس على الفتوى فأمر آخر.

سادساً: لاحظت من خلال مقالة الزميل السماري أنه لم يعط لعلماء الشريعة والمفتين مساحة ولو بسيطة من الاعتراف بفضلهم في الإفتاء وبيان حكم الله تعالى للناس في المسائل والقضايا التي تواجههم.. وهي كثيرة.. بل إنهم لم يسلموا من شيء من لمزه لهم.. وأرجو أن لا يكون ممن يسعون إلى تهميش هذا الدور أو التقليل من شأن العلماء في حياة الناس.

أ. د. جمال بن صالح الجار الله
أستاذ طب الأسرة - كلية الطب جامعة الملك سعود



 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد