Al Jazirah NewsPaper Monday  16/06/2008 G Issue 13045
الأثنين 12 جمادىالآخرة 1429   العدد  13045
(مقامات حائلية) .. لمحات تاريخية

المحرر الثقافي

يعرض الأديب الباحث أحمد الفهد العريفي في كتابه الجديد (مقامات حائلية)، العديد من الصور الاجتماعية السائدة في أزمان سابقة، حيث نراه وقد عمد في إصداره الجديد إلى قراءة الماضي القريب، ذلك الذي يُعد امتداداً لماض أشبع بحثاً وتمحيصاً، فهو، ووفق هذا المنطلق، نراه وقد أورد عنواناً صغيراً لهذا المؤلف (لمحات تاريخية واجتماعية ونصوص شعرية)، فهذا العنوان وإن جاء عاماً فهو يحمل دلالة البحث والاستقصاء في تجربة حياتية عاشتها منطقة حائل منتصف القرن الهجري الماضي، في فترة قيام التعليم النظامي على وجه التحديد، وما صاحبه من تحوُّل اجتماعي جعل الأنماط السائدة آنذاك تصاب في حالة من التحوُّل الذي عرف وقتها بمشاريع التنمية التي نبعت من الحاجة إلى التطور ومسايرة العصر الحديث.

يستهل الباحث أحمد العريفي كتابه في لمحة تاريخية عن مدينة حائل القديمة، تتمثل في (الجغرافيا - التاريخ) مع بناء معادلة خاصة تتمحور حول الهدف التعريفي بالمنطقة بأسلوب جديد يؤرخ للمنطقة بشكل جديد وبأسلوب رشيق.

تنهض في الصفحة الأولى من الكتاب مقولة للرحالة الفنلندي جور أوغست فالين الذي عرَّف المكان الجغرافي بحائل نسبة إلى جبال السمراء الثي تعد الشاهد الثالث بعد جبلي أجا وسلمى في المنطقة .. فالسمراء تُعد هي الأقرب إلى البلدة القديمة حسب ما ذكره المستشرق فالين.

فكتاب (مقامات حائلية) رحلة استنطاقية لمقولات سابقة حول المكان في المنطقة، حينما استشهد الباحث في جملة من الوثائق التي تحدد معالم المدينة القديمة، وأبرز ما قيل فيها شعراً ونثراً، والتعرف عن قرب على تلك المواقع، إضافة إلى ما سبق ذكره عن السمراء، مثل (السويفلة) ووادي الديعجان، وسوق الرزين، وحي لبدة، وسرحة، والعليا، والزبارة، إضافة إلى وصف مستفيض للسور القديم الذي يحيط بمدينة حائل من جميع الجهات.

وعن الجانب التاريخي يوثق الباحث أحمد العريفي رحلة التاريخ الحائلي في الشعر قديمه وحديثه، حيث نراه وقد عني في تحديد معالم المكان الذي قامت عليه بعض الأحداث مستعيناً بالكثير من المصادر والمراجع الهامة التي تحدد الشواهد التاريخية والاجتماعية التي ظلت سائدة في المنطقة منذ قرون.

تميل رؤية العريفي في الشرح والتحليل إلى استنباط البعد الشعري الذي نطالعه بكثرة، حيث تعد الاستشهادات رافداً مهماً من روافد بناء العلاقة بين القارئ والتاريخ الذي ظل هو السند الوحيد لقيام تلك الحكايات الشيقة حول أحداث عصفت، ومن ثم سكنت ومن ثم لاذت في أعطاف التاريخ على هيئة ذكريات لا نمل من ترديد أطراف منها ولا سيما المدهش والعظيم من تلك المواقف.

كتاب (مقامات حائلية) ذهب فيه مؤلفه العريفي إلى أن يكون على هيئة رسائل تحمل معطى الاستلهام لفترة ماضية، حيث يورد المؤلف الكثير من القصص الشيقة والمقولات المؤثرة، والمقاطع الشعرية التي تؤصل لمرحلة مهمة في حياة أعيان منطقة حائل الذين كان لهم دور بارز في إثراء المشهد المعرفي، والبناء العقلي على قلة ما يمتلكه هؤلاء من إمكانات.

ومن أبرز من تناولهم الباحث أحمد العريفي في كتابه الأعلام المشهورون في المنطقة على مدى قرون مثل عوائل العلي، والرشيد، والجرباء والسبهان والمجراد، العتيق، والحماد، والعبدة، والعنين، والسالم، والخلف، والقريشي، والقويعي، والفايز، والصويغ، والصالح، والعريفي، والمشراي، والعقلاء، وغيرهم من الأسر والعائلات التي كونت نسيج المجتمع الحائلي، فكان المؤلف يعمد إلى توثيق تلك المراحل للأجيال الحالية، من أجل تقريب وجهات النظر بين فئة وأخرى، وحقب زمانية وما يليها من مراحل اتسمت بالصعوبة، والقسوة، إلا أن هذه الأجيال قدمت الكثير من الدروس في الوفاء للأرض، الحب للأهل والوطن، فقد تضمنت هذه الرسائل المائة الواردة في كتاب العريفي العديد من صور المعاناة التي كانت تمر في الناس شأنهم شأن أي مجتمع إلا أن طرافة بعض المواقف هو ما استشعره الباحث العريفي حيث عمد إلى استعراض تلك المواقف، مبيناً ما انطوت عليه من مفارقات تسجلها تلك القصص والحكايات التي تواردت على هيئة صور اجتماعية معبِّرة تستحق المتابعة والتأمل.

في المشهد (المائة) من الكتاب، عني الباحث أحمد العريفي بملمح تاريخي يتمثل بما قد يكتب عن شواهد القبور، وبما تحمله من دلالات تاريخية تعرِّف بهؤلاء الراحلين بل تراه وقد وضع في كتابه مقاربة تاريخية لما دوّنه الرحالة الغربيون من أمثال المستشرق الألماني يوليوس أويتنق الذي زار مدينة حائل 1883م وحتى 1884م، حيث دوّن مشاهداته ولم يفته - كما يشير المؤلف - أن يقدم وصفاً لبعض مقابرها، حيث أورد العريفي بعض المنقولات من كتاب هذا الرحالة.

كما عني الباحث في تحديد أماكن المقابر في مدينة حائل، وأبرز الشخصيات الهامة التي دفنت فيها - يرحمهم الله جميعاً - من العلماء والأمراء والشعراء والوجهاء والأعيان في المنطقة، بل ورد ذكر لعدد من عامة الناس، إذ يؤكد الباحث أن ما لفت انتباهه في هذا المشهد هو وجود الكتابات على شواهد القبور، حيث أسهمت في التعريف بالشخصيات التي صنعت بعض الأحداث، ولم يكن المراد فيها تجاوز ما هو مألوف، لأنّ هذه الكتابات ظلت في عهد المشائخ والعلماء منذ ذلك الحين، بل إن هناك من ورد اسمه على شاهد قبره يرحمه الله وتاريخ وفاته.

اشتمل الجزء الأخير من الكتاب على عرض موسع ومميز للعديد من النقوش الأثرية على الصخور، وكذلك المخطوطات، والرسائل، وكذلك الصور المعبِّرة لبعض الشخصيات التي ورد ذكرها في الكتاب، إضافة إلى استعراض لا بأس به من المخطوطات التي تؤكد أن الباحث العريفي عمد إلى تقديم رؤية حديثة حول مسيرة الحياة الاجتماعية والتعليمية في المنطقة، إضافة إلى تقديم كم هائل من القصص والروايات التي تواترت منذ عهد ليس بالقريب، وإن جاءت المنقولات والصور حديثة، فهي تعكس اتساق المرحلة وتحديد الهوية العميقة للمجتمع الحائلي الذي مر بالعديد من التحوُّلات.

كتاب (مقامات حائلية) شيق في عرضه، ومترابط في سرد حكاياته، ودقيق في استعراض الشواهد الجغرافية والتاريخية التي سجلت حضورها في الذاكرة الاجتماعية في المنطقة، فقد اعتمد أحمد العريفي على نقل القصص من أفواه الرواة لبعض القصص والحكايات التي أسهمت في تعزيز الخطاب التدويني في هذا الكتاب، نظراً لما تمليه أهمية أن تكون الحكاية حاضرة، وشارحة لجملة من الشواهد الشعرية التي سردها المؤلف استشعاراً لتعزيز دور القصة المعبِّرة عن أحداث تساوقت على ألسنة الرواة، فكان لها هذا الحضور المتناغم في الذائقة.

يُعد الكتاب حقيقة إضافة نوعية إلى قائمة الكتب الجادة، التي تحاول أن تبتعد عن الحشو الزائد، والمقولات الزائغة، فذكر المواقع والأحداث بشكل مختصر غير مخل هو ما اتبعه الباحث من أجل أن يكون للأجيال الحديثة فرصة أخرى للتعرف على شواهد الماضي، وهذا ما برع فيه المؤلف الأستاذ أحمد الفهد العريفي في هذا الإصدار الذي بلغ نحو (356 صفحة) من القطع العادي، واشتمل على العديد من الصور لمخطوطات وكتابات ورسائل وردت ضمن هذا الكتاب المميَّز.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد