Al Jazirah NewsPaper Saturday  21/06/2008 G Issue 13050
السبت 17 جمادىالآخرة 1429   العدد  13050
عُصبة الديمقراطية
روبرت سكيدلسكي - لندن

دأب السيناتور جون ماكين، المرشح الرئاسي عن الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة، على الدعوة إلى تأسيس (عصبة الدول الديمقراطية). ومن المفترض أن تمتلك هذه المجموعة الدولية الجديدة قدرة عسكرية هائلة، ومن المنتظر أن تعتمد جزئياً على منظمة حلف شمال الأطلنطي، فضلاً عن (شراكة أمنية رباعية جديدة) في منطقة الباسيفيكي بين أستراليا، والهند، واليابان، والولايات المتحدة. وبالطبع لن تُدعى روسيا ولا الصين إلى الانضمام - بل إن ماكين يرغب في طرد روسيا من مجموعة الثماني.

يزعم ماكين أن تأسيس هذه العصبة أمر ضروري، لأنه في الأمور التي تشكل أهمية عظمى بالنسبة للولايات المتحدة، مثل مكافحة الإرهاب الإسلامي، والتدخل لأسباب إنسانية، ونشر الحرية والديمقراطية، والأسواق الحرة، ينبغي للولايات المتحدة وشركائها الديمقراطيين أن يكونوا قادرين على التصرف من دون الحصول على إذن من الأمم المتحدة (أو بمعنى أصح روسيا والصين). أو بعبارة أخرى، تتلخص الغاية الرئيسية لهذه العصبة في تهميش روسيا والصين في كل ما يتصل بالشئون العالمية.

وطبقاً لأشد الانتقادات إدانة لخطة ماكين فإنها سوف تتسبب في اندلاع حرب باردة جديدة بين الدول التي تتخذ لنفسها صفة الديمقراطية والدول الموسومة بالاستبداد. وهذه الخطة ليست خطيرة فحسب، بل إنها مفككة وغير مترابطة أيضاً، إذ إن روسيا والصين لا تهددان (العالم الحر) بإيديولوجية قوية وقوات مسلحة عاتية، كما كانت الحال أثناء الحرب الباردة. هذا فضلاً عن انقسام بلدان العالم الديمقراطية بشأن الكيفية التي ينبغي لها أن تتعامل بها مع الإرهاب الإسلامي أو الإبادة العرقية في دارفور: ومن المعروف أن فرنسا هي التي قادت المعارضة لغزو الولايات المتحدة للعراق في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

بالإضافة إلى ما سبق، لابد وأن ندرك أن الولايات المتحدة، حين تتعامل مع قضايا مثل الإرهاب والانتشار النووي وتغير المناخ، تحتاج إلى المساعدة من روسيا والصين. إن نبذ روسيا والصين لن يضعهما على المسار المطلوب. (أعلن ماكين بقدر مذهل من الغطرسة أن الصين لابد وأن تتعلم كيف تتصرف (بمسؤولية)). والحقيقة أن روسيا كانت تتعاون في أغلب الأحوال مع الولايات المتحدة في (الحرب ضد الإرهاب).

إن الفكرة في النهاية غير عملية وغير قابلة للتطبيق. فليس لأحد أن يتصور أن الهند أو البرازيل قد ترغب في أن تشارك كجزء في مثل هذه التركيبة. لذا، فلسوف نتجنب جميعاً قدراً هائلاً من المتاعب إذا ما ماتت هذه الفكرة من بنات أفكار ماكين في مهدها.

بيد أن هذه الفكرة تطرح ضمناً افتراضاً خطيراً، وهو الافتراض الذي تعود رئيس وزراء بريطانيا السابق توني بلير أن يعبر عنه ببلاغة قائلاً إن الديمقراطيات لا يحارب بعضها بعضاً، وعلى هذا فإذا تحول العالم كله إلى الديمقراطية، فلسوف تتوقف الحروب. ويفترض ماكين أن عصبة الديمقراطية مصممة على النحو الذي يقربنا من تحقيق حلم إيمانويل كانت في السلام الأبدي، وذلك بفرض الضغوط على الأنظمة غير الديمقراطية حتى تغير أساليبها، بالقوة إذا لزم الأمر.

وحتى إذا ما تناسينا حقيقة أن الجهود المبذولة لفرض الديمقراطية على العراق وأفغانستان انتهت إلى إخفاق دموي ذريع، فهل نستطيع حقاً أن نقول إن الديمقراطيات لا يحارب بعضها البعض أبداً؟ يبدو أن الرد بالإيجاب على هذا السؤال يقوم على زعمين منفصلين.

الأول أن الديمقراطيات، طبقاً لسجلات التاريخ، لا يحارب بعضها البعض أبداً. والحقيقة أن هذا الزعم يصدق على مجموعة صغيرة من البلدان الغنية (تشكل الهند استثناءً جزئياً لهذا الافتراض) في أوروبا الغربية وفروعها في الخارج، منذ الحرب العالمية الثانية. فضلاً عن ذلك فإن هذه الأنظمة الديمقراطية تتبنى نمطاً غربياً خاصاً من الديمقراطية أو الديمقراطية الدستورية التي تشتمل على كافة المظاهر التي نعتبرها من الأمور المسلم بها في الأنظمة الغربية الحديثة، وليس الأنظمة الديمقراطية الإسلامية مثل إيران. والتعميم المعقول لهذه العينة الصغيرة قد يكون أن (الديمقراطيات الدستورية المزدهرة تميل إلى الحياة في سلام فيما بينها).

والزعم الثاني أن هذه الدول تعيش في سلام لأنها تتبنى أنظمة ديمقراطية. ولكن هل الديمقراطية هي التي جلبت إليها السلام والرخاء، أم أن السلام والرخاء هما اللذان جلبا إليها الديمقراطية؟ وهل كانت الديمقراطية السبب في مسالمة أوروبا منذ العام 1945، أم أن الفترة الطويلة من السلام منذ العام 1945 هي التي سمحت للديمقراطية بالازدهار في أوروبا؟

أنشأ العالم بالفعل مؤسسة لحفظ السلام. فقد تأسست الأمم المتحدة وفقاً لقواعد مصممة لتمكين الدول بكافة ألوانها وأشكالها السياسية من التعايش السلمي. وأعضاء هذه المؤسسة الدولية يقبلون الالتزام بعدم استخدام القوة إلا دفاعاً عن النفس أو ما لم يصرح بذلك مجلس الأمن. والحقيقة أن الولايات المتحدة محبطة بسبب عجزها عن فرض إرادتها على الأمم المتحدة. إلا أن الهدف من وجود الأمم المتحدة يتلخص في حماية كافة الدول من السلوكيات غير الشرعية، بما في ذلك سلوكيات الولايات المتحدة. ولا شك أن عصبة الديمقراطية، بتجاوز الأمم المتحدة وتقسيم العالم إلى معسكرين مسلحين، تكون بذلك قد زادت من خطر اندلاع الحروب.

والعالم لديه أيضاً آلية خاصة لنشر الرخاء والازدهار. وهذه الآلية هي التجارة. ففي العام 1994 تأسست منظمة التجارة العالمية بغرض تحرير التجارة طبقاً لقواعد متفق عليها. وربما تكون هذه المنظمة حافلة بالأخطاء التي تحتاج إلى التصحيح، إلا أننا لا نحتاج إلى عصبة الديمقراطية لتحقيق هذه الغاية. إذ إن إخضاع العلاقات التجارية لقرارات الحظر والعقوبات واختبارات الديمقراطية، والمعايير البيئية، وحقوق الإنسان، من شأنه أن يتسبب في إعاقة نمو التجارة، وبالتالي إهدار كل فرصة أمام الدول الفقيرة غير الديمقراطية للحاق بالركب.

يبدو أن الغرض الوحيدة لعصبة الديمقراطية يتلخص في إضفاء الشرعية على الحروب التي تصنعها النظم الديمقراطية - بهدف نشر الديمقراطية! هذه هي القوة الدافعة وراء رسالة ماكين. وطبقاً لتعبيره فقد بنيت الولايات المتحدة لغرض معين - وهو خدمة (المبادئ العالمية الخالدة). إن مهمتها المقدسة تتلخص في بناء (سلام عالمي دائم قائم على أساس من الحرية، والأمن، والرخاء، والأمل).

الحقيقة أنها لغة خطابية نبيلة! ولكن إن كان هذا هو غرض العصبة - ولا أستطيع أن أرى لها غرضاً آخر - فهي إذاً تشكل خطراً على السلام. وهذا لأنها تدافع عن اعتقاد مفاده أن التعايش السلمي مع الأنظمة غير الديمقراطية ليس بالأمر الممكن على الأمد البعيد. وهذا جنون وتكذيب للتاريخ. والأمر الآن يرجع إلى دول غرب أوروبا التي صقلتها تجاربها عبر التاريخ والتي تعتنق نفس المبادئ الأميركية ولكنها تعلمت شيئاً عن الصبر السياسي، في كبح جماح الهلوسة الأميركية التي تجعل الولايات المتحدة تتصور أنها قادرة على إعادة بناء العالم على هيئتها.

الحقيقة أنني قلباً وقالباً مع نشر الديمقراطية على النمط الغربي، ولكن لا ينبغي أن يكون الثمن تحويل العالم إلى ميدان للقتال. إن التعايش السلمي بين الأنظمة السياسية المختلفة ليس بالهدف المستحيل، بل إنه الغاية التي يتعين على كافة القوى العظمى في العالم أن تتكاتف من أجل تحقيقها.

روبرت سكيدلسكي عضو مجلس اللوردات البريطاني، وأستاذ فخري لعلوم الاقتصاد السياسي بجامعة وارويك، ومؤلف الكتاب الحائز على جوائز والذي تناول سيرة حياة الاقتصادي جون ماينارد كينيز، وعضو مجلس إدارة كلية موسكو للدراسات السياسية.

خاص ب(الجزيرة)



 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد