Al Jazirah NewsPaper Saturday  21/06/2008 G Issue 13050
السبت 17 جمادىالآخرة 1429   العدد  13050
قنفذ بالمقعد الخاص في سيارة الملك فيصل بن عبدالعزيز

رواية اللواء منصور المالك

طالما أن الحديث هذه الأيام عن إنجازات وأعمال جلالة الملك فيصل - رحمه الله - فالوقت سيطول لحصر هذه الإنجازات والأعمال وسوف يؤلف فيها كتب سوف تكون منارا للأجيال القادمة، وعلى ذكر جلالة الملك فيصل فقد كان لي بالمناسبة الشرف أن أكون أحد خريجي كلية الملك عبدالعزيز الحربية الدورة (27) في شهر صفر من عام 1388هـ برعاية جلالة الملك فيصل لحفل التخرج وتسليم الخريجين شهاداتهم العسكرية من يد جلالته وكانت المرة الأولى والأخيرة التي يشرف فيها الملك فيصل حفل تخريج طلبة كلية الملك عبدالعزيز الحربية.

وكان لي الشرف العظيم أن يصدر قرار تعييني بعد التخرج في الحرس الملكي برتبة ملازم ثاني - في مدينة الطائف. ومعروف أنه خلال حكم جلالته -رحمه الله- كان يقضي فترة الصيف في مدينة الطائف ويزاول إدارة شؤون المملكة. فكان يداوم ثلاث فترات في اليوم (في الصباح - وبعد العصر - وبعد العشاء) وذلك في مكتب جلالته في (قصر شبرا الأثري) في الطائف (وهو الآن متحف قصر شبرا) وكنت دائما متواجداً في قصر شبرا لأنني المسؤول عن حراسة هذا القصر.

قصة القنفذ في مقعد جلالة الملك في سيارته الخاصة

وبعيداً عن الحديث عن إنجازات الملك فيصل، وهي كثيرة، فدعوني أصحبكم إلى طرفة ربما يحسن بي أن أرويها لتتزامن مع المناسبة، ففي ذات يوم من عام 1391هـ في فصل الصيف وكان جلالة الملك متواجداً في الطائف كعادته في كل عام من فترة الصيف وفي أحد الأيام وصل جلالته إلى قصر شبرا لاستقبال المواطنين والزائرين والدوام المعتاد -كما هو في كل يوم- وكنت أقوم بالتأكد من أن أفراد الحراسات كل يقوم بواجبه والتفتيش على الأماكن المهمة مثل المكتب والصالون والممرات والتأكد من أن الوضع الأمني على أكمل وجه.

وصل الملك وقمت بفتح باب السيارة له وأديت التحية العسكرية وصعد إلى المكتب والسيارة تبقى في مكانها تحت ظل الأشجار وعند نهاية الدوام تبلغت بأن الملك في طريقه إلى الخروج وكان الملك أثناء النزول يتحدث إلى أحد الوزراء وأعتقد أنه (الشيخ جميل الحجيلان) وزير الإعلام الأسبق ومن واجبات الضابط المسؤول عن الحراسة فتح باب السيارة عند الوصول والمغادرة (إذا كان فهد الغشيان) غير موجود لأن هذا واجب فهد الغشيان. وقمت أنا بفتح باب السيارة قبل أن يهم الملك بأخذ مقعده في السيارة كانت المفاجأة بوجود (شيء ما) على كرسي الملك في السيارة كان الملك قريباً جداً عند باب السيارة (فلقد احترت ماذا أفعل) يلزمني التصرف بأسرع وقت ممكن لإزالة هذا الشيء الموجود على الكرسي وفعلاً حملته بسرعة وتأكد لي أنه ليس مادة خطرة وإنما هو (حيوان غريب) وحملته بيدي ورميته إلى أسفل السيارة ولكن الملك لاحظ ذلك واقترب مني وسألني عن هذا الشيء.

قلت: يا طويل العمر (إنه قنفذ).

فرد جلالته متعجبا قائلا: (قنفذ).

قلت: له نعم.

فقال جلالته: وش عملت فيه.

قلت: رميته تحت السيارة.

فقال جلالته: أخرجوه من تحت السيارة حتى لا تدعسه السيارة.

وقام اثنان من الأفراد (الخويا) بمحاولة إمساكه ولم يستطيعوا، ولأنني كنت حديث التخرج من الكلية ووزني خفيف فقد نزلت تحت السيارة وأثناء محاولة إمساكي (بالقنفذ) قال لي الملك: انتبه من الشوك، وقلت له: ما في شي يا طويل العمر. بعد ذلك اطلع الملك عليه ومن ثم سلمته لأحد أفراد الحراسة لوضعه في الحديقة.

وسأل الملك: من أين وصل وكيف وصل إلى الكرسي.

فلم أستطع الإجابة؛ لأنني أجهل ذلك، وقد أنقذ الموقف السائق الخاص (عمر) عندما أجاب وبسرعة أنني أنا الذي وضعته في السيارة.

فقال جلالته: زين زين اركب يا (عمر) وغادر موكبه إلى القصر.

وطبعا لم أنم في تلك الليلة بسبب ذلك وقد كتبت تقريرا مفصلا رفع إلى قيادة الحرس الملكي.

وفي الصباح جاء الملك إلى المكتب وقمت بسؤال (عمر) السائق الخاص لجلالته عن قصة هذا القنفذ وكيف ومتى جاء ومن وضعه في سيارة الملك.

فرد علي (عمر) فقال قبل يومين كنت (موقف) السيارة قرب المسجد في ظلال الشجرة في قصر شبرا وإذا (بالقنفذ) يخرج من الحديقة أمامي فأخذته وفتحت شنطة السيارة ووضعته داخلها وقلت أعطيه للأولاد يلعبون به - ولكن مع الأسف نسيته لمدة يومين ولم أشاهده إلا وهو في يديك وأنت تأخذه من كرسي الملك إلى الأرض.

فقلت له: كيف جاء من الشنطة إلى كرسي جلالة الملك؟

فقال لي: عمو (عمر) لا تسألني واسأل (القنفذ) كيف خرج من الشنطة إلى كرسي الملك - ومع الأسف كان (القنفذ) طليقا في الحديقة لا نعرف مكانه حتى نسأله كيف خرج من الشنطة إلى كرسي الملك!!

ومنذ ذلك الوقت أصدر قائد الحرس الملكي أمراً بأن تكون السيارة الخاصة بجلالة الملك تحت الحراسة المشددة وأن لا تفتح أو يوضع بها أي شيء حتى عند تعبئة البنزين أو إجراءات الصيانة المعتادة يجب أن تكون تحت الحراسة وبإشراف الضابط المناوب.

هذه قصتي مع القنفذ الذي وضعني في موقف محرج حيث كان لابد أن أتصرف بحكمة وبسرعة والتأكد من أن هذا الشيء آمن وليس خطيراً؛ إذ يجب على رجل الأمن أن يتدرب على سرعة التصرف مع الثقة بالنفس وقوة الملاحظة.

وأخيراً فهذه القصة تظهر مدى تواضع الملك فيصل - طيب الله ثراه - وحكمته حيث لم يتأثر ولم يغضب وكان عطوفا حتى على الحيوان وطلب إخراجه من تحت السيارة حتى لا تدعسه السيارة كما قال لي ذلك بالنص، رحم الله الملك الشهيد وغفر له، وأنعم عليه بالجنة مع الشهداء والأبرار.

* الحرس الملكي


E-mail: m3almalik@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد