Al Jazirah NewsPaper Monday  23/06/2008 G Issue 13052
الأثنين 19 جمادىالآخرة 1429   العدد  13052
العنف الأسري
د. مساعد بن عبدالله النوح

الأسرة هي اللبنة الأولى في تشكيل أي مجتمع إنساني، فعلى قدر ما تكون الأسرة متماسكة على قدر ما يكون المجتمع على امتداد موقعه الجغرافية متماسكاً أمام التحديات التي تواجهه، وهذا يتطلب من الآباء والأمهات أن يراعوا شروطاً معينة عند تزويج من تحت أيديهم من الأبناء والبنات.

وتهدف الأسرة من تزويج أبنائها وبناتها، تحقيق عدة أغراض منها: الاستجابة للشارع الحنيف الذي يدعو إلى الزواج، وتحقيق السكن والمودة بين الزوجين، والإنجاب وذلك لاستمرار وجود العنصر الإنساني.

والرجل في البيت، هو العضو الأول في الترتيب الأسري مكلف شرعاً وعرفاً بمسؤوليات لا يستطيع حملها في البيت إلا هو فعندما يمارس هذه المسؤوليات بصورة واعية فإنه يهدف من وراء هذه الممارسة التربية والتأديب وهذا حسن ونتائجه مرضية على المدى القريب والمدى البعيد، أما عندما يمارس هذه المسؤوليات بصورة غير واعية، فإنه يترتب عليها نتائج تلحق الضرر بأفراد بيته، وهذا ما يسمى بالعنف الأسري.

وتختلف أشكال العنف الأسري وتتوزع إلى مجموعات معينة، فمن أشكال العنف وفق أفراد البيت، إذ هناك عنف ضد الرجل وضد المرأة وآخر ضد الأطفال ورابع ضد العمالة المنزلية، ومن أشكال العنف الأسري وفق حجم العنف.

حيث يوجد ما هو بسيط يعاني منه أفراد البيت فرادى أو مجتمعين وقتياً ثم يزول هذا الشعور، ومنها ما هو مغلظ يلحق أضراراً معنوية وحسية ملحوظة على أفراد البيت، وهذا هو المعلن عبر مؤسسات التربية في المجتمع.

لقد تناولت وسائل الإعلام على وجه التحديد باعتبارها إحدى مؤسسات التربية في المجتمع هذه الأشكال وأظهرت الأسباب المسؤولة عن حدوث العنف في البيت، مرة بسبب انفصال الزوجين عن بعضهما والعيش مع شرك للحياة آخر ومرة بسبب تصفية حسابات بين الزوجين، لكني من وجهة نظر مربٍ أكاديمي أسند السبب في سوء اختيار الزوجين لبعضهما أو بصيغة أخرى غياب عامل الكفاءة بينها واعتبره سبباً رئيساً.

مهما تكن أسباب الخلاف بين الزوجين، فإن الأمر لا يصل إلى حد إلحاق الضرر المغلظ المعنوي أو الحسي بالمرأة أو تصفية الحسابات بين الزوجين على نفسيات أو أجساد الأطفال، لأن الله أمر بالمعاملة الحسنة لأفراد البيت، قال تعالى في شأن معاملة الزوجة: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن معاملة الأبناء: (كلكم راعٍ وكل مسؤول عن رعيته).

وإذا كان للعنف الأسري أضرار مباشرة، فإن له أيضاً أضراراً غير مباشرة، مثل عزوف الشباب من الجنسين عن الزواج مخافة تكرار تجربة فاشلة لأخ أو لأخت في البيت لهم الأمر الذي أسهم في ارتفاع حالات العزوبية لدى الشباب الذكور والعنوسة لدى الإناث.

كم هو مفيد أن تتبنى وزارة العدل التفعيل لشروط تكوين الأسرة، فلم يعجزها تحقق توافر النتيجة الموجبة في الفحص الطبي كشرط لعقد النكاح بين الخطين في الوقت الراهن، وهي محددة في الكتابات الشرعية والتربوية وتدرس في مؤسسات التعليم العالي والجامعي.

وكم هو مفيد أن توجه وزارة الشؤون الإسلامية خطباء الجوامع إلى تناول موضوع العنف الأسري في خطبهم لأن للمنبر تأثير سحري على المصلين، فكم من أناس أصلحت المنابر حالهم وجعلت سلوكهم سديدا.

وكم هو مفيد أن تتبنى وزارة الشؤون الاجتماعية إنشاء مراكز لإيواء الزوجات اللاتي ليس لهن أسر أو دخل شهري كما تستقبل هذه المراكز الأطفال الذين لا يرغبون العيش مع والديهم بعد الطلاق في حضرة زوج الأم أو الزوجة الأب.

وكم هو مناسب أن تخصص الجامعات السعودية كرسي بحثي في مجال العنف الأسري، فالأسرة تستحق من تلك الجهات هذا المستوى من الاهتمام ومن الباحثين التسابق على إعداد بحوث من شأنها تشخيص حالات العنف الأسري ووضع الحلول لها، أو على الأقل إذا لم تتسنَ الظروف للجامعات ذلك أن تتبنى عمل مسابقة في مجال العنف الأسري.

إذا كانت الجهات الرسمية في أي مجتمع تتسابق في إطار منافسة حميمة، لتحقيق الأمن سواء الغذائي أو الوظيفي أو الفكري ...الخ، فإنه من المناسب السعي لتوفير ما يسمى بالأمن الأسري.

لم تخطئ خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية في أي مجتمع عندما ارتأت بأن العنصر البشري الصالح هو المقوم الأول في تنفيذ برامجها، وهذا العنصر هو في الأصل من مخرجات أسرة صالحة تأسست في البداية على ضوء الشروط الشرعية التي يرضى بها الدين والشروط الاجتماعية التي يرضى بها المجتمع.

كلية المعلمين - جامعة الملك سعود.








drmusaedmainooh@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد