عجيبة أيتها الحياة؛ أيامك الحلوة طعمها ينقضي، وأيامك المرة تقطع نياط القلب، غير أن المؤمن يحمد الله في السرّاء والضرّاء، وأمره كله له خير.. حياة تُسلب من الإنسان.. مَن يعيش معهم.. مَن أحبهم.. مَن تأثر بهم.. لا فرق فيها بين كبير وصغير، وغني وفقير.
جاءني خبر في معرض حياتي كأنه الصاعقة.. قرأت الرسالة الهاتفية التي حملته فما صدقت.. أعدت القراءة مرة ومرة، خدعت نفسي بتشابه الأسماء، اعتقدتُ أن النسيان لحظة سيلغي الواقع.. بكيت كالطفل الذي يحتاج إلى هدهدة أمه، تجمع رفقتي عندي لأني كنت في دار غربة.. ماذا دهاك؟
لم أستطع أن أتكلم أو أصف! عجزت عباراتي عن أن تصف شيئاً.. خذوا هاتفي.. حاولوا أن تقنعوني بكذب الرسالة، أعيدوا لي أملي الكاذب.. حاولوا أن يعيدوا إليّ شيئاً من توازني، لكن الصدمة حولتني إلى طفل بريء صغير..! طفل أحب صديقه من كل قلبه ولكنه فقده وهو بعيد عنه.. عاجلت البحث عن أقرب رحلة تحملني إلى بلدي عسى أن أجد بقية من رائحته، أو أملاً أتعلق به.. لم أكن أعتقد أن ضعفي أوصلني إلى هذه الدرجة.. هل لأني فقدته وهو محبوب على قلبي أم لأني أضعف من أن أحتمل مثل هذه المواقف؟!
نعم.. انتقل إلى رحمة الله الزميل الإعلامي فهد بن محمد العثمان!! جئت إلى بلدي في طائرة كنت أرى جميع ركابها يبكون مثلي، كنت أعتقد أنهم يعرفون فهد كما أعرفه.. رأيت أنوار مدينة الرياض يعلوها كدر وغبرة فتوقعت أنها حزنت لفراق فهد.. إيه، ألهذه الدرجة كنت ضعيفاً.
وفي الغد أوكلت إلي إدارة الإذاعة برنامجاً مباشراً لنتكلم في دقائقه عن فهد.. كنت أتأمل أسماء فريق البرنامج.. أعلن عنهم.. لكني أرى في أعينهم حزناً دفيناً.. أرى في جنبات الاستوديو دمعات حرى، هناك ركن كان يجلس فيه.. هناك درج كانت أوراقه فيه.. هذه أشرطته وتلك أدواته.. فهد اسمه على أشرطة المصحف الذي سعى بنفسه لتسجيله، فهد اسمه على برنامج الفتوى والذكر والخير.. فهد يفزع لأن حلقة من برنامجه الذي أحبه (نور على الدرب) لم تُحضّر بعد.. همه كبير.. رغبته عالية.. مشواره طويل... لكنه مع طوله مليء بالأشجار المورقة، والأزهار المتفتحة، والثمار اليانعة.. فهد بن محمد العثمان اسم طالما تردد في جنبات الإذاعة.. طالما سمعنا عنه.. مسيرته المباركة قضاها بين مصحف منشور وعلم منثور.. يفرح بكل خير يصل إلى الناس، يأنس عندما يسمع مادة أثّرت في المستمع.. حياته عجيبة، أسراره غريبة، كنت أظن عندما وصل خبر وفاته أنني الأحق بالعزاء.. لأن صحبة خمسة عشر عاماً كفيلة بأن أُعزّى فيه، لكني اكتشفت أنني بخلت وضيقت واسعاً.. عندها اعتقدت أن العزاء سيشمل كل العاملين في الإذاعة، ولكن تكرر الخطأ..! حقاً لم يكن سطام وإخوته من أبناء الفقيد أو إخوانه هم الذين يعزون فقط.. ولم أكن أنا ولا أعضاء الإذاعة.. بل العزاء ممتد إلى كل شبر يصله صوت الإذاعة؛ لأنهم يعرفون اسم فهد العثمان على كل مادة تبث عبر الإذاعة.. فهد العثمان عرفه الصغير والكبير... فماذا عساي قائل عنه؟.. أأذكر شيئاً من حبه للفقراء وسعيه في الإحسان إليهم.. حتى عندما كان ممتداً على فراش المرض يسأل عن فقير سعى هو وأحد أصحابه في جمع مبلغ له لشراء منزل يعوله.. سبحان الله.. رأسه مفتوحة بعد العملية ومع ذلك يقول: (ماذا فعلتم لفلان.. اسعوا من أجله تكفون).. أأذكر بره بأمه وأهله، فصفحات هذا البر أعظم من أن تذكر هنا.. كنا نمضي الوقت للتسجيل يوم الاثنين بعد العصر، وأعرف أنه صائم لأنه يبتعد عنا أثناء التسجيل ونحن نتناول القهوة.. وهو يسبح ويستغفر ثم يكتب لي ورقة صغيرة ما زالت بعضها عندي (أبا ياسر، كمل التسجيل عندي شغل)، أتدرون ما شغله؟ إنه يأبى أن يفطر الاثنين إلا مع أمه رحمها الله، براً بها وإحساناً إليها.. يقول لي أحد أقاربه: كان ينام معها حال مرضها حتى يخدمها إذا طلبت ذلك.
أأذكر خمسة عشر عاماً ما سمعته فيها نابياً أو ساباً أو مسيئاً لأحد.
أي قلب كان يحمله هذا البشوش الباسم.. أحب الجميع وأحبه الجميع.. فهد اسم فرض احترامه وتقديره ومحبته على الجميع.. فهد سعى في حياته أن يبذل من الخير ما يُسجّل له بعد موته، وهذا ما حصل.. عمل في الخير متواصل، وسعي في النفع متعدٍّ، ومحبة زرعت له في القلوب.. إنها أمور لا تشترى، ولا تسلب من الناس بالقوة.. عجباً لم يبكِ الشيخ الكبير بعد فراقه؟ ولم نسمع نحيب الصبي عند موته؟ كيف حصل لفهد هذا الحشد الهائل من المعزين والداعين؟ إنه لم يكن نجماً فضائياً؟؟ ولا عالماً مشهوراً؟ ولا مسؤولاً مرجواً؟ ولا صاحب سلطة؟ فهد اسم محبوب بسيط.. لكن السر في هذا القبول {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّه يُؤْتِيه مَن يَشَاء} أبى المفتي العام للمملكة إلا أن يتقدم المصلين عليه؛ لأنه يعرفه.. يعرف فهد العثمان الذي كان يحمل أجهزة التسجيل في كل مكان لنشر الخير.. وشواهد الخير انهالت على الإذاعة بعده.. فما الذي دفع المسلم في المغرب أو الجزائر أو ليبيا أو الشرق أو الغرب ليتصلوا عزاء فيه.. إنها المحبة التي لا تُشترى بأموال ولا تُسلب بقوة.
فهد العثمان اسم نادر وعمل جليل وطاعة لله وعبادة أخفاها حال حياته لقي الله بها.
فهد العثمان رقد على السرير الأبيض في مستشفى الملك فهد بالحرس الوطني، وضاقت ممرات المستشفى بالزائرين.. وهو متوسد فراشه يسلم ببشاشته المعهودة، ويدعو بكلماته التي لا تفارق لسانه، بسيط في جمال، ورائع في تواضع، وفذ في ندرة.. يقوم لصلاة الجمعة التي طالما صلاها في أكبر مساجد الرياض لينال أجر الصلاة على الجنائز، يستعد لصلاة الجمعة رغم أنه مريض، ويطلب من أهله أن يحضروا له ملابس الصلاة؛ لأنه اعتاد عليها حال الرخاء.. رأسه يرفعها للدعاء حال الرخاء، فكانت مرفوعة حال الشدة، لسانه يلهج بالذكر حال الرخاء فما انقطع حال الشدة.. دخل ليستعد لصلاة الجمعة.. ويتنظف لها لأنه السباق للمسجد في ساعات الجمعة الأولى، لكن أمر الله غالب، وقضاءه نافذ.. اختار الله وديعته.. وقبض روح عبده، ففارقنا فهد العثمان.. ترك دنيانا.. غادر الحياة.. تركنا نبكي على الفراق.. غير أنه عزانا بعد موته.. عزانا ونحن نتذكر سيرته وحياته ومشوار عمله.. فمن ذا يفكر بعد هذه المسيرة أن يجعل في سجل عمله ما لا ينفعه؟! تركنا فهد وهو يعزينا بجموع تدعو له.. تبكي على فراقه..
عزانا فهد عندما تقاطر الضعفاء والمساكين يبكون لفراقه.. عزانا فهد بآلاف الرسائل والاتصالات..!
وبعد.. لم ينتابني أثر غريب.. وحالة ضعف لم أعهد نفسي عليها؟ أهو سر في حياة الفقيد أم ماذا؟ من ذا يصبرني بعزاء؟ ومن ذا يواسيني بكلمات؟ إيه يا دموع العين خففي لوعتي.. تساقطي واغسلي حرقتي.. ابعثي لي شيئاً من دفء ملوحتك إلى نفسي.. (من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته في النبي صلى الله عليه وسلم).
اللهم يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين، ويا أجود الأجودين، اغفر لعبدك الضعيف فهد العثمان، وارفع درجته في عليين، وتقبله في المهديين، واخلف على عقبه خيراً وأصلح ذريته.. وأكرمنا بلقائه في دار كرامتك.. اللهم إننا نحبه فلا تحرمنا الجمع به في جنتك.. يا رب العالمين.