Al Jazirah NewsPaper Saturday  05/07/2008 G Issue 13064
السبت 02 رجب 1429   العدد  13064
الوضع الراهن الجديد في لبنان
بول سالم

كان العصيان المسلح الذي نظّمه حزب الله في شهر مايو - أيار، والذي اجتاح بيروت ومناطق أخرى من لبنان، بمثابة الضربة الموجهة إلى الآمال في ترسيخ سيادة الدولة الحقيقية في البلاد، كما عزَّز من قوة حزب الله وأضعف الحكومة التي يؤيِّدها الغرب.

بيد أن ذلك العصيان كان أيضاً السبب في التوصل إلى الاتفاق السياسي بعد المفاوضات التي دارت في الدوحة بقطر، والذي نصَّ على انتخاب رئيس بعد المأزق الحرج الذي دام طويلاً، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، ووضع قانون انتخابات جديد، والعودة إلى الحوار الوطني بشأن تنظيم العلاقات بين الجهات الفاعلة التابعة للدولة وغير التابعة للدولة، وبصورة خاصة حزب الله.

هناك الكثير من التخمينات حول الأسباب التي دفعت الحكومة في شهر مايو - أيار إلى اتخاذ القرار بإقالة قائد أمن المطار المؤيِّد لحزب الله والتحقيق في شبكة الاتصالات الخاصة التابعة لحزب الله، وهو ما أدى إلى اندلاع المواجهات.

ظلت الحكومة لمدة طويلة تحت ضغوط دولية تطالبها باحترام التزاماتها الدولية باحتواء حزب الله، ويبدو أن الحكومة أخطأت في حساباتها حين تصوّرت أن رد حزب الله سوف يكون محدوداً.

والأهم من ذلك أن الحكومة أخطأت حين تصوَّرت أن حزب الله لن يجازف بالتسبب في اندلاع صدامات مسلحة بين الشيعة والسُنّة في بيروت. وهناك تساؤلات مشابهة تحيط بالأسباب التي دفعت حزب الله إلى شن هذه الحملة واسعة النطاق، التي هددت بنشوب حرب طائفية وأضرت بمكانته الأخلاقية. إلا أن حزب الله نجح في تحقيق أهدافه إلى حد كبير. فعلى الصعيد العسكري وأد حزب الله في المهد أي إمكانية لظهور ميليشيا مسلحة في غرب بيروت من شأنها أن تعوق تحركاته إلى ما وراء الضواحي الجنوبية. كما نجح في تأمين الطرق الرئيسية في جنوب وشرق بيروت والتي كان زعيم الدروز وليد جنبلاط يسيطر عليها سابقاً، وتأكيد قدرته على الوصول إلى مطار العاصمة ومرافئها البحرية.

أما على الصعيد السياسي فقد تخلّى حزب الله عن سياسة الصبر على الحكومة لصالح دفعها إلى نقطة الانهيار، ثم بادر سريعاً إلى صياغة وضع راهن جديد. والآن أصبح نفوذه قوياً على الرئيس الجديد الذي ساعده في الوصول إلى السلطة، واكتسب حق النقض في الحكومة القادمة، كما نجح في رسم خط واضح لا يمكن تجاوزه فيما يتصل بأي محاولة للمساس بتسليحه أو اتصالاته أو بنيته الأساسية العاملة.

تتلخص الدوافع التي حركت حزب الله ونصيرته الأساسية إيران نحو هذا الاتجاه في أمرين: الخوف من نتائج الضربة الإسرائيلية القادمة، التي يعتقد حزب الله أنها واقعة لا محالة، والانزعاج بشأن محادثات السلام السورية الإسرائيلية التي قد تؤدي إذا ما نجحت إلى حرمان حزب الله من جسره الرئيسي إلى إيران.

عكف حزب الله على إعادة تسليح قواته وتنظيمها منذ حرب 2006؛ ولقد أدت أحداث مايو - أيار إلى توطيد موقفه داخل بيروت وحولها. وبنجاحه في تأمين قدرته على الوصول إلى المطار والمرافئ البحرية وترسيخ وضعه السياسي في البلاد، أصبح حزب الله الآن أكثر قدرة على تحمل نتائج التحول في السياسة السورية، حيث لم يعد بوسع الولايات المتحدة أو إسرائيل أن تطالب سوريا (بتسليم) حزب الله كجزء من أي اتفاق سلام بشأن الجولان.

فضلاً عن ذلك فقد تمكن حزب الله، بنجاحه في إعادة تنشيط مؤسسات الدولة اللبنانية الضعيفة، من اكتساب الحماية السياسية ضد أي ضربة موجهة إليه من الخارج. ولسوف يكون من الصعب بالنسبة لإسرائيل أن تشن هجوماً واسع النطاق على حزب الله إذا ما كان مشاركاً في دولة لبنانية شبه مستقرة تحت زعامة رئيس معترف به دولياً ورئيس وزراء مناصر للغرب وبرلمان منتخب ديمقراطياً، وتعج شوارعها ومناطقها السياحية بالسائحين، فضلاً عن وجود قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في لبنان UNIFIL المؤلفة من عشرة آلاف جندي في الجنوب. أو نستطيع أن نقول بعبارة أخرى إن إستراتيجية حزب الله في البقاء تعتمد جزئياً على الدرع الواقي المتمثل في الدولة اللبنانية الواهنة.

ورغم أن اتفاق الدوحة يخفي بعض التناقضات السياسية والمؤسسية الخطيرة، إلا أنه يعمل على تعزيز عودة الحس العملي في التعامل مع أزمات المنطقة وإدارتها. والآن يتقدم لبنان متعثراً إلى الأمام يحمل على كتفيه تناقضات السياسة الداخلية والإقليمية. ربما يسمح اتفاق الدوحة بأشهر، أو أعوام، من الهدوء النسبي. إلا أن لبنان لن يتذوق طعم الاستقرار الحقيقي قبل أن تتمكّن الدولة اللبنانية من استيعاب الميلشيات غير التابعة للدولة أو فرض سيطرتها عليها، وقبل أن تنجح في تهدئة بعض المواجهات العنيفة في البيئة اللبنانية الحالية.

مدير مركز كارنجي في الشرق الأوسط في مدينة بيروت بلبنان



 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد