Al Jazirah NewsPaper Sunday  13/07/2008 G Issue 13072
الأحد 10 رجب 1429   العدد  13072

بديع الزمان في جوار الرحمن
ناصر الصالح العمري

 

إنّه د. صالح العبدالله المالك الذي اخترمته يد المنون في 21-5-1429 هـ.. وقد انهالت الكتابة عنه بعد موته من جموع أحبابه، وكلّ أبدى ما يعلمه من فضائل في ذاته الزكيّة وصفاته المرْضيّة، أمّا أنا فمقالتي هذه لا تستأنف ما سبقها من التفصيلات عن سيرته العامة، بل تجتزئ بشيء من مواقف خاصّة كانت بيني وبينه رأيتها قد تستأهل النشر؛ فلقد جمعتني به في الرس والرياض أمكنة كثيرة وأزمنة طويلة.. فأبوه: عبدالله المنصور (خال أمي).. وقد وُلدنا واستقبلنا الدنيا في حارة واحدة، قضينا فيها الأيام العِذاب (بين الطفولة والشباب).. يجمعنا الشارع لاعبين، والمسجد مصلِّين، والمدرسة متعلِّمين.. ويؤلف بيننا استذكار الدروس والنزهات الخلوية ونحوهما، وأمضينا زمناً نتلو القرآن معاً في رمضان بالتعاقب ونختمه في يومين ؛ نجلس له في المسجد كل يوم إذا ارتفع الضحى حتى الظهر، ثم بين الظهرين، وساعة بعد العصر، وكانت قراءتنا بالطريقة الحدْرية العاريَة من قواعد التجويد والترتيل (إذ كانت هي السائدة يومئذ حتى بين الأئمة) ولهذا لا عجب من الختمة في يومين.

وكان صالح من أقل أسنانه اختلافاً إلى الملاعب، وأزهدهم في لهو الغلمان (بخلاف ما كان عليه محدثكم ناصر، فإنه لم يكن يشبع منه ولا يتركه حتى يذوده عنه أبوه ويسحبه إلى البيت سحبا).

ولقد أنهيت وصالح الدراسة الابتدائية معاً في (مدرسة الرس السعودية) عام 1371، ثم سافرنا إلى الرياض 1372هـ ودخلنا المعهد العلمي (في دخنة) وكانت هي البيئة العلمية في العاصمة؛ فيها منازل آل الشيخ، والرباط، وبيوت الإخوان، والإفتاء، والقضاء، والمكتبة السعودية..

ولقد ضمني وصالحاً بيت واحد في (شارع ثليم) بحلة القصمان 1374 مع أبناء (عمه حمد) وهم: صالح ومنصور وسليمان وعلي ومنصور البراهيم.. وكنا نتداول خدمة البيت من الكنس والطبخ وجلب الماء من الركية بالقربة (إلا الكبار صالحاً ومنصوراً) فلا نوبة لهما.. وكان لكل اثنين منا غرفة، وكنا نتعاقب خدمة البيت (مثنى مثنى) على ترتيب جعلناه نظاماً؛ فالذي يكنس ويغسل المواعين ويطبخ يكفيه عن أن يسوي الشاهي والقهوة، فشريكه يسويهما، أما غسل الثياب فكلٌّ وشأنه.

وكنت وصاحبي هذا في (غرفة باستقلال) وكان لي معه من الخُلة وحلاوة الِعشرة وحسن الصُّحبة ما لم يكن مع سواه، حتى إننا كثيراً ما نتحد في الخرجة من البيت والدخلة إليه وغشيان الأسواق والزيارات وغير ذلك.. والله يشهد أني أنا المنتفع بهذه الرفقة مسعود الحظ بها، أقطف من فؤائدها ما قد لا أظفر به حتى في مقعد الدرس! وكنا نتساجل الأشعار - وللمساجلة حديث سيأتي - ونتعاطى الآراء في بعض الأمور، مثل: هل الأصلح في استذكار الدروس (التوحد) بأن ينفرد كلٌّ بنفسه أم (الشراكة) بأن يجتمع للاستذكار اثنان فأكثر؟ أم يكون هذا تارة وذاك أخرى؟ وقد تعلّمت منه كيف يكون السؤال والجواب والتدليل والتعليل حتى تكون القناعة.

وكان معهدنا - في أوليات السبعينيات الهجرية - يقيم نادياً أدبيّاًً كلِّ ليلة جمعة، والطلاب في نهاية الفرح به والإقبال عليه، بل هم يَعُدّون لميقاته ليالي الأسبوع عدّا.. ذلك أنه اختلاط مستطرَف في حياتهم الدراسية يومئذ، يرونه نُهْزة (فرصة) للتلاقي في العاطفة والوجدان في هدأة الليل وسكونه، ويتمتعون بشيء من الحرية لا تكون لهم في النهار مع همّ الدرس ومسؤولية الانضباط.

ولقد كنت وخليلي هذا نتعاهد التبكير في الذهاب إلى النادي لنظفر من المقاعد بأدناها إلى المنصة.. وكنا نتزين لهذا الاحتفال بأجمل ما يتاح لنا من اللباس، حتى لكأنه الخروج إلى العيد.

وفي أحد أيام الخميس خرجنا من بيتنا في شارع ثليم قبل المغرب على (سيكل) هو قائده وأنا رديفه، وسرنا في وجهة شاعر البطحاء حتى بلغناه، ثم انعطفنا نحو الديرة - وكانت البلدية ترش الشارع بالماء يوماً بعد يوم وبالزفت (القار السائل) لتخميد الغبار، ولما انتهينا إلى التقاطع مع شارع الخزان - وقد استوينا على ظهر البغلة الحديدية ؛ إذ زلقت بنا فجأة في مستنقع يترجرج بالزفت، فلبطت أنا لبطة جعفتني على الأديم الغارق في الأذى، ولم ادرِ إلاّ وأنا في لُجَّته وقد ارتكزتْ كفاي على الأرض بين القاعد والمستلقي ! وأما صاحبي فقد نقز به (الماخوذ) نقزة طوّحت به مقدار خمسة أبواع (لكنْ لم يصبه شيء).. ثم رفعت بصري فإذا هو قائم أمامي قابض على ظهر مطيته يرتعد فَرَقاً، ثم يقبل عليّ ويُنهضني من عثرتي ولم يقل شيئاً بل فعل أشياء، حيث ثنى عنان دابته ورجع بنا قافلين، وظل يسحبها من العُنُق وأنا أدفعها من الذيل (على هيئة تجيب الغامت وتسرّ الشامت).. وأبصار الناس معلقة بي وحدي لأني أتهادى أمامهم وثوبي يلثق بتلاطيخ الأسود اللزج النتن.

ولقد كان في مُكْنَة أخي أن يواصل سيره إلى المعهد ويبلغ النادي مع الطلائع مادمت أنا سالماً قادراً على المشي، ولكن النبل المستوطن فؤاده يأبي عليه إلاّ أن يَشركَني في بليّتي، ولا يتركني في ساعة العسرة مثل ما نسب إلى ابن رْخيِّص مع خويّه المجدور (ابن ضلعان) فقد سار بالحملة - وهو رئيسها - وخلّفه لمحمد المنصور يُمرِّضه حتى عوفي.. والقصة وأبياتها مبسوطان في بعض كتب التراث الشعبي.

وبينما نحن نسير عائدين إلى شارع ثليم، إذ لاح لنا دكان غسّال، فأعنقنا إليه مهرفين، وما أن بلغناه حتى جلعت ثوبي وطرحته في بطن تنكة كانت على الدافور، وبقيت في السروال الفخاذي والفنيلة العلاقي (على حد قول العامة حيث يصفون المؤنث بلفظ المذكر) وبهذا صار الظاهر المكشوف من بدني أكثر من المضمر المستتر وجوباً.هذا، ولم تكن مصيبتي فيما دهاني من سوء المنقلب في الثوب والبدن بأعظم عندي من لو علم بحالي أولاد خالي (سكان البيت) فأكون لهم فكاهة يتندرون بها بضع سنين.. ولهذا فقد جحرت في أقصى زاوية بالمغسلة أتوارى من القوم من سوء ما منيت به.. ولكن الحذر لا يغني من القدر، إذ لم أدرِ إلاّ و(سليمان الحمد المالك) واقف بالباب يسرِّح الطرف في قِعدتي التي تكسر الخاطروقد تسلّمت منه العربون مقدماً وهو يردد :(اللهم صلِّ على محمد.. وش هذا يا ناصر!!) فصعقت بطلعته بل (لطعته) المريعة، ثم طمرت إليه أَنشُده الله إلا ستر عليّ، فمسح لي وجهه ووعدني بذلك، فأفرخ رُوعي ورُدَّتْ إليّ روحي.. وما هو إلاّ لمح البصر حتى غرب عني فلا أدري أين ولّى، ثم قمت من مجثمي ألتمس رفيقي صالحاً فلم أرَ له أثراً، فقدّرت أنه ذاهب إلى المسجد لصلاة المغرب لعلمي بشدة حرصه على الصلاة مع الجماعة.. (وهكذا كان فعلاً) وأما أنا فصلّيت كأهل الأعذار، ثم رفعت بصري فإذا ثوبي في يد الغاسل نظيفاً.. وإذا صديقي يقبل من المسجد.. فامتطينا الراحلة إلى النادي الأدبي، وتمتعنا بسهرة هي من غايات المنى.

أيها القراء الكرام: لا تسألوا عن حالي وما جرى لي بعد أوبتنا إلى البيت، فلقد أفزعني أنّ أُصيحابي علموا بخبري بعد أن فرّ من بين يدي (أمين السر) الأستاذ سليمان الحمد المالك الذي جاد عليهم بفضحي ملتزماً بأمانة النقل (وكان مسح لي وجهه بألاّ يبوح).. فصارت تلك الواقعة لقومي سلوة في الخلوة والجلوة.. يتضاحكون منها مصبحين ممسين.

ولم نزل هكذا تجمعنا أحلى الأيام، حتى فرّقنا الدهر فيمن يفرِّق على حد قول جرير:

لا يلبث ُ القرناءُ أن يتفرقوا

ليل يكِرّ عليهمو ونهار

نعم ،لقد انفضت سنة 1374 وسافرنا إلى الرس للإجازة الطولى، ثم عدنا إلى الرياض في سنة 1375 (لكن على حال غير ما قد سلف) إذْ أصبحنا فيها (ولكل وجهة هو موليها).

فأنا يممت (بيوت الإخوان في الوصيطا) وأرسيت في إحدى غرفات (بيت الأمير نورة) وكان عامراً بفئام من المعهديين ؛ منهم عبدالله البراهيم الغفيلي ،وعبدالعزيز وسعد وحمد الداود ،وصالح الأطرم وسعد أبوحيمد ،ومحمد بن ردن ،والشاعر الحجي.. وغير هؤلاء من الذين صاروا مشيخة وأساتذة. ثم لم أتلبث به إلاّ قليلا حتى لحق بي صديقي صالح المالك،وبه جمع الله الشتيتين وقرّت العين،وصفا من عيشنا ما كان مرَنّقاً بالفراق وحرّ الأشواق..

وكان نزلاء البيت يجري بينهم مزاورات،للمدارسة وللإمتاع و المؤانسة،وذلك بالمطارحات الفقهية والأدبية والمساجلات الشعرية ،وكانت يومئذ فاكهة الجليس ومتاع الأنيس،وكان صاحبي من مشاهير فوارسها فلا يكاد فيها يرام ولا يضام.. وما ساجلته يوماً فغلبته؛ ولهذا فما كان السجال بين فريقين إلاّ انضويت إلى من هو فيهم،لاعتقادي أنهم (الفِرقة الناجية). ولقد كنت سمعته مرة ينشد - قبل المعركة - بيتاً لعبدالله بن معاوية بن جعفر،وهو:-

مَن يساجلْني يساجلْ ماجداً

يملأ الدلو إلى عَقْد الكرَب

وكان هذا الفتى الداهي (صالح) يمتح من ينبوع فكره الذي يَفْهق بالجديد وبالتليد من بديع القصيد،وله في إسكات خَصِيمهِ جملةً من الطرائق الحكيمة المستطرفة.. منها أنه يضيّق عليه بالقافية (حرفاً واحداً بعينه) لا يغيره في سائر جوابه حتى تنفَدَ ذخيرة قبيله من هذا الحرف،فَتنهدّ عزيمته وتثبت هزيمته،ومثال ذلك أن يستفتح السجال مقفِّياً ب(حرف الدال) هكذا:

ذهب الناس في الزيادة والنقص

وعبدُالحميد عبدُالحميد

فإذا أجاب منافسه ببيت - مهما كانت قافيته - لطمه صالح معيداً عليه (الدال نفسها) ثم لا يزال به على هذه الوتيرة،حتى يعلن خصمه الإفلاس.. فيضحك الجلاس..

ومن حيله الذكية في الإعجاز أن يصطفي قوافيه من الحروف القليل بدءُ بالبيت بها،كالثاء والزاي والضاد،ويتحامى القافية الكثيرة الاستعمال كالهمزة واللام والميم.هذا،وإن تلك المساجلات قد لا تخلو من المداجلات ،كأن يكون الحرف المطلوب من أحدهم (واواً) لكنها غائبة عنه لحظتئذ،ولكن الفاء هي الحاضرة ،فيبدأ البيت بها.. قائلاً مثلاً:

(فلربّ نازلة يضيق بها الفتى) بدلاً من (ولربّ).. والسبب أن هذين الحرفين متقاربان في المعنى،والمراوحة بينهما لا أثر لها في الميزان العروضي.

ومن صور التمويه - في هذا المقام - أن يدسَّ بعضهم لفظاً في البيت ليس منه ،عوضاً عن آخر أصلي فيه،إذهما متحدان في المعنى وفي الوزن،كقول أبي تمام:-

إذا أرتِ الدنيا نباهةَ خاملٍ

فلا ترتقب إلا خمولَ نبيهِ

فكان بعضهم يقول (تنتظر) بدلاً من (ترتقب) من غير نكير أو استدراك !

أجل،لقد سمعت أحدهم يجاوب ببيت على أنه شعر (وما هو بالشعر) بل من المنظومات العلمية في النحو والفقه؛ فإذا تعسر الجواب على بعض هؤلاء الأحباب دحرج على صاحبه بيتاً من (الرحبية) في الفرائض أو من (الألفية) في قواعد العربية،كقول ابن مالك: (ولا يجوز الابتدا بالنكرة.. ما لم تفد كعند زيد كَمِرة!! استغفر الله (نَمِرة)... إلى غير ذلك من أجناس الغشّ أظهرتها الأيام بعد أعوام.

وسبب شيوع هذه الإجابات الثعلبيات ،هو صغر بعض المساجلين ،وقلّة حفظهم الأشعار،وسهالة أن تمرق هذه الحيل من غير أن يفطن لها.

أما صاحبي صالح فأظنه يدرك كثيراً من هذه التداليس،ولكنه (يغضي حياء)..

ومن ذكرياتي مع خليلي هذا في المسكن الإخواني،أننا إذا خلونا في غرفتنا قد لا نتحرج من التغني بشيء من الأناشيد الوطنية العربية المعروفة في ذلك العهد،كقصيدة علي محمود طه :

(فلسطين) التي نظمها 1952 ،أو (دعاء الشرق) 1954 وغناهما عبدالوهاب،وكان لنا جار من أهل الجزائر،فيه شيء من انقباض النفْس يكفه عن الخُلطة بالناس،فلا يُرى إلا ذاهباً إلى المسجد أو المعهد أو عائداً منهما،وكنا حين نهِمّ بالشّدو بتلك اللحون الوهابية نتحامى أن يسمعنا فنهتبل الفرصة أوقات خروجه أو هجوعه أو إشعاله الدافور لصنع طعامه.. فإذا ظفرنا منه بذلك توكلنا على الله وانطلقنا نصدح بما طاب من تلك الأنغام العِذاب، ويبدو أن علة حيائنا من هذا الجار الفاضل،أنه سمعني مرة أغني بيتاً رأيته في كتاب (ميزان الذهب) في علم العروض،من مجزوء بحر الرمل: (هو والله نشيدي.. والمغنون جنودي) فصاح بي: قل (المصلون) وإذا بصالح العبدالله المالك يرد عليه:- يا شيخ أيصح التقوُّل على الشاعر بما لم يقله؟؟.. فمضى ولم يجب!

وقصيدة (فلسيطين) لمن يتأملها اليوم (فيها عبرة لأولي الألباب) فالشاعر يقول:

(أخي جاوز الظالمون المدى) وهذا قبل نحو ستين سنة،فأين بلغ الملْعنةُ اليهود اليوم بالعرب من المظالم التي تصهر القلوب وتخلع الأكباد، وكان كثير من الناس - يومئذٍ - يردِّدون:

فجردْ حسامك من غمده

فليس له بعدُ أن يغمدا

إلى أن يقول:

أخي أيها العربي الأبي

أرى اليوم موعدنا لا الغدا

وكنا نسمع هذا النشيد من الإذاعات سماعاً من غير أن نقرأ ألفاظه قراءة ،فيظن بعضنا أن الشاعر يقول: (أرى اليوم موعدنا للغداء) فهو يدعونا للغداء احتفالاً بجلاء يهود من ديار العرب!! ويؤيد هذا الفهم أنه يقول: (طلعنا عليهم طلوع المنون... فطاروا هباء وصاروا سدى).

أجل لقد كنا نسمع - غيرذلك - من الأناشيد الحماسية فلا نشك في أن (دويلة العصابات) ولّت الأدبار إلى دار البوار؛ فالمغنية سهام رفقي كانت تردد من شعر زوجها عبدالغني الشيخ: (يا فلسطين جينا لك) ونجاح سلاّم تقول:

(اليوم اليوم اليوم النصرْ.. عصرنا ألْبِ الأعدا عصرْ) ثم أم كلثوم في أنشودتها 1956 تهز الدنيا بقصيدة صلاح جاهين (راجعين بقوة السلاح.. راجعين نحرر الحمى) إلى غير ذلك من الرجَفات الحماسية، لكنّ الشيء الذي ثبت من خلال ستين حولاً، هو مقتضى فهمنا (نحن الشبان السُّذَّج الجوعى يومئذ) وهو: (أرى اليوم موعدنا للغداء وللعشاء كذلك) حيث تبيّن بعد هذه العقود من الزمن أن تلك الأناشيد المبشرة بالانتصار لم تكن مجرّد حبر على ورق بل (خبز على مرق) فلله الحمد على كل حال. ولولا عظم إيماننا بالعزيز القدير وبوعده الذي لا يتخلف بأنّ النصر قريب لكان بطن الأرض خيراً لنا من ظهرها، ولكنّ سُنَن الله في عباده جارية وأحكامه ماضية.

أيها الإخوان : إنّ مصابي في هذا الرجل أعظم من أن توعب وصفه القراطيس، ومع هذا فقد رأيتم في بعض فصول هذه المقالة شيئاً من الإضحاك والتفكيه، وذلكم بدعة في المراثي تضادّ ما اعتاده الكتاب فيها؛ إذ السائد أن تكون محطاً للهمّ والغمّ والحَزَن مما يميت الشهوة للسرور والانبساط، ولقد - والله - عذلت نفسي على ذلك كشأن حال الشاعر خليفة بن خَلَف الأقطع إذ يقول:

أعاتب نفسي أنْ تبسمتُ خاليا

وقد يضحك الموتور وهْو حزين

وشاعرنا العامي في قوله:

ما كل من يضحك مع الناس مبصوط

يا كثر من يضحك ونفسه حزينه

وقول الآخر : أَضحك مع اللي ضحك والهمّ طاويني ... إلخ.

وفي الختام أقول: لم يبقَ الآن ما أضيفه إلى ما قلته عن فقيدنا الجليل (بديع الزمان) فقد استغلق الذهن عن الإمداد في تعداد فضائله حيث (وقف حمار الشيخ بالعقبة) فسلبني النسيان كثيراً مما أعلمه من حسناته الغِزار.. ولم يبقَ لي غير أن أخاطبه نفسه بقول الشاعر الخُريمي:

وإن تكُ للبِلى أمسيتَ رهنا

فقد أبقيتَ مجداً غير بالِ

وأناجيه كذلك ببيت أبي فراس:

يعزون عنكَ، وأين العزاء

ولكنها سنةٌ تستحبّ

ثم أنثني إلى نفسي الحسيرة بفراقه أسلّيها بقول صفيّ الدين الحلّيّ:

خفض همومك فالحياة غرور

ورحى المنونِ على الأنام تدورُ

والمرء في دار الفناء مكلف

لا قادرٌ يبقى ولا معذورُ

والناس في الدنيا كظِل زائل

كلٌّ إلى حُكم الفناء يصيرُ

فالنِّكْسُ والملكُ المتوَّج واحد

لا آمرٌ يبقى ولا مأمورُ

لو كان يَخلُد بالفضائل ماجدٌ

ما ضمتِ الرسلَ الكرامَ قبورُ

هذا، وإنّ آخر عباراتي في هذه الكلمة أنّ صاحب المعالي د. صالح العبدالله المالك (الأمين العام لمجلس الشورى) كان خزينة من خزائن العلم ووعاءً من أوعية الحكمة وبحراً في أحاسن الأخلاق ونفائس الآداب والفنون، غفر الله له ورحمه وأحسن عزاء الجميع فيه.. وصلى الله على محمد.


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد