عندما يتجاوز العقل قدرات الفاصل الأخضر المعهود عند كل البشر يصبح عقلاً مختلفاً متميزاً ينظر إليه باستغراب وإعجاب واستنكار وتقدير، بل جنون في بعض الأحيان يصفه البعض نقمة والآخرون نعمة.
اختلاف مسارات الموقف حيال هذا التجاوز سببه ظهور أمر غير معهود في الواقع لم تألفه الجماعة، عندما يقرأ الرسول الكريم كلام الله المعجز على قريش البليغة التي تذوّقت إعجازه وعاشت كلماته وبكت مع معانيه، بل سجدت بأمره على الرغم من كفرها (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) النجم آية 62 ولم تستطع الإتيان منه بحرف أو كلمة أو آية قالت عن الرسول بأنه مجنون لأن الكلام الذي قاله فاق المعهود المعجز من كلامهم. عندما تقول أم محمد الفاتح لابنها الصغير كل يوم أنت ستفتح القسطنطينية وينظر إليها من حولها نظرة ارتياب وشك من هذا وكأنهم يطرحون هذا السؤال: كيف لهذا الصغير أن يفتح هذه المدينة الكبيرة؛ ينمو الصغير وتنمو قدراته القيادية معه بكل ذكاء وحكمة وثقة ويقين ويفتح القسطنطينية، عندما يقال عن اينشتاين إنه غبي لا يستطيع القراءة ثم بعد ذلك يقدّم أعظم نظرية غيّرت الواقع الفيزيائي منذ تلك اللحظة، والأمثلة كثيرة.
تدخل أم أبي مسلم الخراساني على ابنها الصبي وتراه يتقلب في فراشه تقلب من نام على الحسك فتسأله عن حاله هذه فيجيبها أن لديه همة كهمة الجبال.. أي قدرة وأي إعجاز وأي تمكين هذا؟ كل هذا يجعلنا نقف ونتأمل ونطرح السؤال التالي: ما الذي أحدث هذا كله، ما الذي غيّر العالم من حولنا بسرعة وتكامل؟ إنه الإعجاز الإلهي، إنه القدرة الكامنة في العقل البشري والتي توجد بشكل كامن بداخل كل منا تنتظر من صاحبها بفارغ الصبر أن يترك لها ثغرة لتنفجر طاقات إبداع وتجديد وابتكار كالبركان الذي يبحث بقدر ما يستطيع بكل لحظة وبكل ثانية يعيش أمل وجود قشرة ضعيفة لتنفجر من خلالها مثرياً التربة بالمواد العضوية التي تجعل الأرض اليابسة خضراء تؤتي ما لذ وطاب مما زرع.
الله سبحانه وتعالى استخلف الإنسان في الأرض ولم يستخلفه إلا بعد أن مكّنه من قدرات عقلية عظيمة حدّدها أغلب علماء النفس والإبداع بتسع قدرات توجد بتفاوت داخل كل منا (القدرة اللفظية، القدرة المكانية، القدرة العددية الرياضية، القدرة الإيقاعية الموسيقية ...إلخ).
هذه القدرات لا يمكن أن تقودك إلى مرفأ النجاح ورغد العيش إلا بعد أن تعيشها وتتأملها وتجعلها تنمو معك بالإثراء المعرفي والنمو الثقافي بشكل متجدد وقتها؛ تقودك بكل أمان إلى الواقع الجميل الذي كنت تراه الحلم المستحيل.