Al Jazirah NewsPaper Saturday  26/07/2008 G Issue 13085
السبت 23 رجب 1429   العدد  13085
طلابنا في الجامعات (بين القبول المفروض والتخصص المرفوض)
عبدالله الصالح الرشيد

طلابنا وطالباتنا - في هذا الوطن الغالي - هم بلا شك ولا جدال وبكل فخر واعتزاز أمل الحاضر والمستقبل.. بكفاحهم، وإبداعهم يعتبرون الرصيد الباقي والفاعل لهذا الوطن وغده المشرق بإذن الله، هم وحدهم بعد تأهيلهم الذين يرسمون مكانته الحضارية بين الأمم في عصر لا مكان فيه ولا مكانة للضعيف والمتردد والجامد..

وقبل أن أتطرق بالتفصيل إلى التحديات التي تقف أمامهم والصعوبات التي تعترض طريقهم وتحول بينهم وبين تحقيق آمالهم وأمانيهم وخاصة ما يتعلق بالتخصصات التي يتوقون ويتطلعون إلى التأهل فيها - داخل هذا الوطن - وأقصر حديثي هذا على طلبة الجامعات - بنين وبنات - قبل أن أسترسل في الحديث عن مستقبل هذه الطلائع النضرة أقف هنيهة وأشير بلمحة موجزة ولافتة إلى المجالات المتاحة بيسر وسهولة إلى زملاء أبنائنا ممن تخرجوا معهم في المرحلة الثانوية من مدارسنا من أبناء الجاليات المقيمة في بلادنا - العربية خصوصاً - وكيف هؤلاء بمجرد حصولهم على الثانوية يسافرون إلى بلدانهم فيجدون هناك كافة التخصصات العلمية متاحة أمامهم والطرق إليها سالكة ومريحة بلا رجاءات وبدون واسطة وانتظار أو شروط تعجيزية، وبعد فترة وجيزة يتخرجون بتخصصاتهم ويعودون للعمل لدينا بيسر وسهولة في جميع المؤسسات والمرافق المختلفة وبالأخص في إدارات ومشاريع القطاع الخاص، وغالباً ما تكون الوظائف محجوزة ومفصلة لهم سلفاً بسبب وجود ركائز متنفذة من بني جلدتهم تدير هذه المؤسسات والشركات وغالباً ما تهيمن عليها..

أما حالة السواد الأعظم من طلبتنا بعد المرحلة الثانوية فحصولهم على مبتغاهم الدراسي في جامعاتنا فدون ذلك كما يقال - خرط القتاد - كناية للمصاعب التي لا نهاية لها في ظل الوضع التعليمي الجامعي الراهن.. فرغم حصولهم على التقديرات الممتازة واجتيازهم اختبارات قياس القدرات نجد في المقابل - عاماً بعد عام - أن التعقيدات تتزايد والقبول يتضاءل وآمال الكثير من طلابنا وطالباتنا تتلاشى بل وتتحطم خاصة إذا ما تم اجبارهم أو اضطرارهم للالتحاق بتخصصات هامشية وثانوية وغالباً في كليات لا تلبي طموحاتهم أو تنمي مواهبهم بل ولا تخدم مسيرة الوطن في مجالات حاجته الملحة إلى التخصصات النادرة أو لنقل الضرورية لواقع حياتنا الجديدة مثل الطب والهندسة وأنظمة الحاسب الآلي المتطورة والانفتاح على اللغات الحية تعليماً وترجمة وغيرها من التخصصات.

إن زيارة واحدة متأنية وفاحصة لإحدى جامعاتنا الكبيرة - على سبيل المثال - وبالأخص أثناء معركة القبول والتسجيل.. هناك سترى العجب العجاب وستلحظ بصورة مباشرة كيف تبدو علامات اللوعة والحسرة على وجوه الكثير من طلبتنا وخاصة عندما يصطدمون بما يحطم رغباتهم أو يحول دونها وهو الغالب الأعم، حيث يتعذر على معظمهم إلى درجة المستحيل دخولهم الكليات التي يرغبونها أو التخصصات التي يتطلعون إلى الإبداع والتفوق فيه أسوة بأشقائهم المتخرجين من المدارس الثانوية في البلدان العربية الأخرى وفي مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي.

إنني من هذا المنطلق وعلى ضوء ما نراه ونسمعه ونلمسه لن أستغرب أو أشك لحظة واحدة بمصداقية ما يكتب ويشاع بأن بعض جامعاتنا قد تم تصنيفها في مستوى متذبذب ومتأخر في قائمة جامعات العالم بشهادة وتقويم مراكز أكاديمية متخصصة من دول صديقة، ونلمس الحقيقة عياناً حيث إن طلبتنا وطالباتنا - في حالة قبولهم أصلاً - يجبرون أو يكرهون أو تتقطع بهم السبل مما يضطرهم إلى الالتحاق بكليات أو تخصصات تتعارض مع ميولهم أو لا تخدم مستقبلهم العلمي أو على الأقل لا تمكنهم بعد التخرج من أخذ حصتهم من الوظائف والمراكز المتقدمة التي تتطلب تخصصات نادرة تخدم التنمية وتخطو بالبلاد إلى الاعتماد على أبنائها حيث مازلنا نعتمد وبمستويات فلكية مذهلة على الاستقدام من الخارج.. ولو أخذنا على سبيل المثال مجال الطب لوجدنا أن عدد السعوديين من أطباء وممرضين وممرضات في القطاع الحكومي والأهلي لا يزيدون عن عشرة في المائة من مجموع العاملين في هذا الحقل الحيوي والهام.

والحديث في هذا الموضوع سيطول ويتشعب لو تركنا للقلم حرية الاسترسال وشرح الواقع ولكن إذا كان تغيير الحال من المحال أو ليس في الإمكان أحسن مما كان فإنني أقترح وباختصار شديد إلى الالتفات إلى الأفكار أو النقاط الصريحة التالية:

1- فتح المجال على مصراعيه للاستثمار الأمثل والراقي في حقول التعليم الجامعي في التخصصات المطلوبة تنموياً وحضارياً ونذلل جميع الصعوبات والعقبات التي تحول طموحات شبابنا في التأهيل العلمي المتقدم بما في ذلك السماح للجامعات العالمية بفتح فروع لها في بلادنا أسوة بأمثالنا من الدول النامية الأخرى على سبيل المثال - الجامعة الأمريكية - التي لها فروع في معظم الدول العربية بما فيها دول مجلس التعاون، علماً بأن مناهجها هي نفس المناهج التي يدرسها آلاف الطلاب من أبنائنا وبناتنا المبتعثين هناك، وما هو الفرق بين وجود فروع لها هنا وبين تكبد أبنائنا عناء الغربة للالتحاق بها هناك.

2- أناشد في هذه المناسبة رجال المال والأعمال الكبار في بلادنا المساهمة والمشاركة الفاعلة في كل ما يحقق النهوض لهذا الوطن ويخدم مسيرة التنمية المنشودة والتقدم العلمي وذلك بالتبرع ولو بجزء يسير من مداخيلهم الفلكية التي كسبوها من مشاريع هذا الوطن بفرص مفتوحة ومعبدة بلا ضرائب ولا معوقات وذلك بإتاحة الفرص لشبابنا في التوظيف والتدريب والابتعاث والاستفادة من الأفكار الرائدة والبناءة التي يتبناها وينفذها أمثالهم من أثرياء العالم، ولو أخذنا أنموذجاً واحداً من حولنا هو رجل الأعمال اللبناني الراحل - رفيق الحريري وكيف نهض باقتصاد وطنه الأم لبنان وكيف أعطى مشروعه الإنساني والوطني المتمثل في ابتعاثه عشرات الألوف من الطلاب اللبنانيين على حسابه الخاص لأرقى الجامعات في العالم، وأين ذلك من تلك القطرات المحدودة التي نراها والخجل والحسرة تبدو في وجوهنا، وجوارحنا حيث نسمع أحياناً وذراً للرماد في العيون وللدعاية فقط، قيام قلة من المهيمنين على بعض البنوك الكبيرة - عندنا - ومعهم مثلهم من أصحاب المليارات الهائلة المحسوبين على بلادنا في قائمة أثرياء العالم من التبرع لبحوث شبه صورية في بعض جامعاتنا وبمبالغ زهيدة، مع أن المطلوب منهم وفاء لهذا الوطن المعطاء أن تكون تبرعاتهم ومشاريعهم لاتقل عن مستوى مستشفيات جامعية ومرافق تعليمية مستكملة تلحق بالجامعات، هي لا تعدو أن تكون نقطة من بحر ثرواتهم الهائلة...

وفي هذه المناسبة واعترافاً بالفضل والجميل لأهله وإيماناً بالقول المأثور - قل للمحسن أحسنت، ولأن الثناء الحسن عاجل بشرى المؤمن، فإن أبناء هذا الوطن يسجلون بمداد العرفان والوفاء أزهى وأزكى عبارات الشكر والامتنان لبعض رجالات هذا الوطن ممن هم حديث المجتمع بمشاريعهم الوطنية والإنسانية الرائدة، يأتي في مقدمتهم معالي الشيخ محمد عبداللطيف جميل والدكتور ناصر إبراهيم الرشيد ومعالي الفريق متقاعد عبدالله البصيلي والشيخ سليمان بن عبدالعزيز الراجحي والأخير له مشروع جامعي وطبي يتم الإعداد له وتجهيزه وهو في طور الافتتاح بمنطقة القصيم كما قرأت وسمعت.

... ونأمل مخلصين أن يحذو البقية من أصحاب المليارات هذا الميدان الإنساني وفاء لهذا الوطن المعطاء وينبذوا العقوق والجحود جانباً ونذكرهم بأن المال غاد ورائح ويبقى من المال الأحاديث والذكر، وتأتي على قدر الكرام المكارم.. وهنا نقف وننتظر.

3- في مدينة مترامية الأطراف مزدحمة بالسكان تعاني من مضاعفات الحركة المرورية إلى درجة الاختناق، حيث معظم شوارعها تعيش حالات ذروة منذ الصباح الباكر ونعني بذلك العاصمة - الرياض - حيث يصعب الوصول إلى كبرى جامعات المملكة - جامعة الملك سعود - إلا بشق الأنفس مما يشكل معاناة نفسية وهموماً يومية تؤرق الكثير من طلاب الجامعة.. ومن هنا فإن الأمر يستدعي التفكير جدياً وبإرادة جسور وبمساندة كبار المسؤولين وذلك بفتح فرع لهذه الجامعة في شرق الرياض حيث الجامعة الأم في الغرب ويهتم الفرع الجديد بفتح أقسام للكليات العلمية الطب والهندسة والحاسب الآلي وأمثالها في التخصصات المطلوبة والمرغوبة، ويوجد في شرق الرياض بعض المستشفيات الكبيرة المؤهلة ليكون إحداها مستشفى جامعياً يخدم الفرع الجديد لكلية الطب.

هذا ما نتطلع إليه ونأمل سرعة تحقيقه، وكل مسؤول حصيف مخلص يهمه مستقبل هذا الوطن سوف لا يتردد بمباركة ومساندة هذا التوجه الحيوي المنشود.

والله من وراء القصد...



abo.bassam@windowslive.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد