Al Jazirah NewsPaper Saturday  26/07/2008 G Issue 13085
السبت 23 رجب 1429   العدد  13085
محمود طيبة فقيد الوطن
حمد الناصر الحمدان

خلال الأيام القليلة الماضية، اختطف الموت على عجالة فقيداً عزيزاً على الوطن فقدنا شخصية جليلة غالية على القلوب، ورمزاً وطنياً حظي باحترام وتقدير الجميع على مستوى أطراف الوطن، يذكره مجتمعنا بكل أطيافه وفئاته، له مآثره الواضحة وبصماته في مجالات عديدة مما جعله قامة باسقة مرموقة. إن هذا النفوذ الاجتماعي الواسع الذي ناله فقيدنا الأستاذ الفاضل المهندس محمود عبدالله طيبة، لم يأت عن طريق الوراثة، أو العلم الدعائي، أو بسبب تفعيله للأحداث التي حدثت من حوله بالاتجاه الذي تخدمه على الصعيد الشخصي لكي يستفيد منها. إنه لم ينل هذه الحظوة الاجتماعية خلال فترة قصيرة من مشواره بالعمل وإنما أنتج وأوجد هذا المقام الشامخ بصبره وجهوده العظيمين، وعصاميته الصلدة.. وإرادته الفذة التي أخذ يغذيها ويرعاها بأفق متقد، وبأساليب ناجعة على مدى ستة عقود ونيف من الزمن بكل تقلبات هذا الزمن ومن يرافقه من نجاحات وإخفاقات. وذلك عبر متاعب جمة وأرق شخصي متزايد وبروح زاخرة بالإصرار، إلى أن صارت له هذه المكانة المعروف بها على امتداد وطننا.

إن الفقيد لم يرض طول حياته أن يكون أسير مسار واحد في الحياة، أو يعلم وفق نسق واحد من النجاحات ومظاهر التفوق، بل جرب ونجح في العديد من مجالات الحياة لتمتد خطواته إلى عدة أصعدة مختلفة. فمن النجاح العلمي إلى التفوق الإداري وإنجازات المشاريع التنموية على اختلافها على مستوى الوطن. يضاف إلى ذلك المجال الاجتماعي والغرق في أعمال الخير وخدمة الآخر قدر استطاعته، يغدقها بسعادة نادرة لا تنضب، يعطي بتفان وكرم ومزيد من الشهامة، لا يدخل على أحد بمساعداته ولطفه وكرمه دون أن يحسبها منه على أحد أو يقصد بها المراءاة الشخصية، لا يرتجي من هذه العمل الشهرة أو التكسب، أو لكي يحصل على شيء من رد الجميل، فعلاً أنه لا يأبه بالإطراء والمديح، فقد تعود أن يعطي دون أن يأخذ المقابل لذلك، أو يطلب البدائل لقاء ما فعله، لقد دأب على تنمية وصياغة روحه على هذا المنوال الطيب، يكره التسلق والتزلف والتبجيل، لا تروق له الأضواء ولمعانها، وخلال التعامل معه يخجل الطرف المقابل بتواضعه الجم وأريحيته العالية.هكذا عهدنا الفقيد طوال حياته العملية مع كل الذين عملوا معه أو تحت إدارته، يمتلك شفافية نادرة في التعالم ويتمتع بروح معطاءة تتسع لكل أبناء الوطن، بعيداً عن الإقليمية أو الفئوية أو اللون، فقد عرفته خلال العمل معه لعدة سنوات بهذه الخصال الطيبة، لم الحظه يوماً غاضباً أو مكشراً بوجهه على أي مخلوق رغم تعقيدات العمل في مركز الأبحاث والتنمية الصناعية وصعوبته، خصوصا وأن هذا المرفق كان في طور التأسيس، بالإضافة إلى طبيعة المهمات المناطة به وما بها من تشابك، فكان يستوعب كل الأخطاء والناقص من الموظفين بصمت رهيب، لا يبدو عليه أي مظاهر التذمر فعلى سبيل المثال ومن الأمور التي حدثت أنه كان هناك اجتماع لأعضاء مجلس إدارة المركز تحت رئاسة معالي وزير التجارة آنذاك، فكلفني الأستاذ محمود بتوفير بعض الأمور كمستلزمات للاجتماع، ومن ضمنها عصير برتقال معين لا يوجد إلا في مكان معروف في (الملز) لأن معاليه لا يشرب إلا هذا النوع من العصير لأسباب صحية، ولأمور لا أذكرها الآن، قد تكون لأنني ابن فلاح لا يدرك القيمة الحقيقية لهذا النوع من العصير، أو قد لا أفرق بني هذه الأنواع، أو لأنني كنت أرفض أساليب الطبقة (الأروستقراطية) لذا لم أعر هذا الأمر الاهتمام الكافي ووفرت ما تيسر من العصير. وبعد الاجتماع شاهدت الأستاذ طيبة قادم نحوي فعرفت السبب وأدركت أن اللعنة قد حلت علي، فسألني عن سبب عدم إحضار ما طلبه، فأجبته جواباً غير مقنع، فكان رده (لا حول ولا قوة إلا بالله) ثم عاد إلى مكتبه وانتهى ملف هذه القضية نهائياً) حينها أدركت نوعية هذا الرجل ومعالمه، وندمت على تصرفي الطفولي.

على هذا المستوى عرفنا هذا الفقيد، لذلك ليس ثمة من دواعٍ لمعرفة مكان ميلاده، وأين تربى وترعرع إلى غير ذلك من الأسئلة البليدة التي اعتدنا على سماعها، فهو خلق لكل الوطن، لا يكل ولا يتذمر من خدمة الناس وقضاء حاجاتهم قدر ما يستطيع وحسب ما هو متوفر. من هذا المنطلق صفق الكثير من الذين يعرفونه عن قرب ليطلقوا عليه بعض التسميات مثل: (أبو الأيتام لما له من دور في هذا المجال الإنساني، أو الأمين أو المضيء لعلاقته الطويلة بقضايا الكهرباء.. الخ). ورغم أني أعتقد أن هذه المسميات لا تعني له شيئاً في حياته، وأنه سيرفضها لو كان بيننا، إلا أن الحقائق المعروفة للناس والمسؤولين في هذا البلد على مستوى أرض الواقع في كل تصرفاته، أنها تشي فعلاً إلى واقع فعلي وموجود، فكان نظيف اليد طاهر الذمة، وأنه الرجل الناجح في عمله طوال فترة حياته العملية، والدليل البسيط على ذلك، أن كل المؤسسات التي ترأسها أو أدارها في حياته حققت نجاحات محسوسة.

وبوفاة الفقيد الجليل الأستاذ محمود طيبة، طويت صفحة وطنية مهمة، وفقد الوطن رمزاً أعطى لوطنه وشعبه الكثير من الإنجازات التي سيذكرها الأجيال القادمة، فلن تجف ماهية هذه الإنجازات، وسوف تعطي ثماراً يانعاً شأنه في ذلك شأن الكثير من رجال هذا الوطن الذين خدموه في مواقع مختلفة، ولم يبخلوا عليه بشيء من جهودهم.. فنم قرير العين أيها الفقيد العزيز، لقد وهبت ما قدرت على تحقيقه وأعطيت كل ما تملك يرحمك الله مثنى وثلاث ورباع.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد