Al Jazirah NewsPaper Monday  28/07/2008 G Issue 13087
الأثنين 25 رجب 1429   العدد  13087

قصائد مهبولة!

 

قد يبدو هذا العنوان مضحكاً أو مثيراً للاستغراب، لكنه بالفعل مستخدم كمصطلح تقييمي للنص الشعري المسموع عند عدد من مستهلكي الشعر في عصر العولمة.

فهؤلاء حين يعجبون بقصيدة ما يقولون تلقائيا وبطريقة بديهية: والله قصيدة مهبولة!، وكذلك عند إعجابهم بالشاعر يقولون والله بربي إنك مهبول!، وإن كان المنتج امرأة قالوا: فديناك والله إنك مهبولة!، سبحان الله! كيف تجرأ هؤلاء على الشاعر والشعر إلى هذه الدرجة المخلة ثقافيا واجتماعيا؟

لكن الأكثر إثارة للعجب أن الشعراء من الجنسين يستقبلون هذا الوصف ويعجبون به بل ويفرحون به! ولا يستغربون مثل هذا الوصف، وهذا هو منبع العجب فعلا، فكيف تقبل هؤلاء الشعراء - أن كانوا شعراء فعلا - أن ينعتوا أو تنعت قصائدهم بمثل هذا المصطلح الدخيل على بيئة الشعر؟!

لو استعدنا ذاكرتنا المشوهة - بفعل الإعلام - وقارنا بين الشاعر قبل ثلاثة عقود مثلا وشاعر اليوم، للاحظنا حجم النكبة التي تعرض لها الشعر والشاعر الحقيقي، وتعرفنا على درجة السقوط والابتذال في الذوق عند الشاعر والمتلقي معا، ولتعرفنا على عملية التشويه التي أحدثها الإعلام النفعي في وجه الشعر وقيمة الشاعر ونوعية المتلقي.

فشعراء الأمس القريب يطلق عيهم مصطلح (فحول) وشاعر اليوم يتقبل بكل أريحية مصطلح (مهبول).

إذاً نحن أمام أزمة ثقافية أخلاقية اجتماعية وذوقية في الوقت نفسه، ولو تساءلنا من صنعها؟ ومن المستفيد منها؟ وكيف تقبلها الشعراء؟ وكيف آمن بها المتلقي؟ لعرفنا حجم الفيروس الذي تحمله الحقنة الإعلامية المضللة التي جعلت الجميع شعراء! وجعلت الجميع أيضاً يستهلكون الشعر، ولا يتهيبون من إنتاج الرديء منه، الذي يحتفى به، وتفرد له الصفحات الملونة، ويقدم له بديباجة من الملق الاجتماعي المفسد، ولعرفنا أيضاً أن المتاجرة بالأدب والمشاعر ليس لها هم سوى صناعة سوق استهلاكية، وأن حجم الأرباح تتزايد كلما كثر أعضاء هذه السوق، فالأدب هو آخر ما يفكر فيه هؤلاء، والشاعر المحترم لم يعد له مكان، وكلما كان الشاعر أقل أدبا كلما أصبح أكثر جماهيرية، وأصبح مبدعا، وأضحى سقفا إبداعيا يحلم المراهقون بالوصول لما وصل إليه، بل ويرونه نجما يهتدى به في ظلمات الإقصاء الإعلامي، وكل هذا بسبب تبني الإعلام لما ينتجه هذا المتشاعر - الذي لا يشعر بشيء - من فضلات يجترها في كل محفل مصنوع، ولعرفنا كذلك أن هذا الابتزاز المخجل الذي يمرر تحت اسم مسابقات، وترصد له الملايين، ليصطاد المليارات، ويختار له نخبة من المزايين والمنافقين، لم ينشأ من فراغ، وأنه لن يقدم للأدب والأدباء إلا عملية الاستثمار في الإنسان فقط، ولعرفنا لماذا أصبح الشاعر مهبولا والقصيدة مهبولة؟!

نعم لقد ولى زمن الفاعلية وأصبحنا في زمن المفعولية!

من هنا قال المستشعر عن نفسه:

قل ما تشاء فكلنا شعراء

والأرض أرض والسماء سماء

سالم الرويس

rouis22@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد