Al Jazirah NewsPaper Saturday  02/08/2008 G Issue 13092
السبت 01 شعبان 1429   العدد  13092
وماذا بعد أفول السلطة الدينية
عبد العزيز السماري

تجاوزت ظاهرة نقد الفكر الديني الحدود المعقولة في دولة تأسست على ثنائية الإمام والشيخ أو السلطة والشريعة، وأصبحت المواجهة في عقر دارهما، وبين مثقفيها وعلمائها، والمتابع للمساجلات والردود بين علماء الدين

وبعض الكتاب، والصاخبة بكلمات الإقصاء والتهميش سيدرك أننا دخلنا في مرحلة جديدة تتميز بالضجر والانزعاج من سلطة الفكر الديني التقليدي، والعكس أيضاً صحيح في مرحلة تتميز بارتفاع معدلات الثروة عند بعض فئات المجتمع، بالإضافة إلى حدوث تطور نوعي في الوعي السياسي والديني، وهو ما يجعل الصدام بينهما متوقعا في ظل الانفتاح الاجتماعي والاقتصادي الحالي، وإيذاناً بدخول مرحلة جديدة من مراحل الدولة..

كانت لوقت قريب المسلمات الدينية وطاعة ولاة الأمر وعقيدة الولاء والبراء وفريضة الجهاد المحاور الأهم في شرعية الدولة وتنظيم العلاقة بين العامة والحاكم، وكان للعلماء أدوار إستراتيجية داخل الدولة الإسلامية، ولم تنحصر عادة أدوار علماء الدين فقط في توعية الناس بدينهم، ولكن أيضاً كان لهم أدوار سياسية شرعية من أهدافها العمل من أجل استمرار شريعة الدولة، ورفع درجات الثقة بولاة الأمركحماة للدين أولاً، ثم الامتثال لنظام الدولة التي تقوم على تعاليم الشريعة السمحة..

كذلك من مهام علماء الدين دعم قرارت الدولة السياسية والاقتصادية..لكن ما يحدث في الوقت الحاضر من أفول للسلطة الدينية لا يمكن التنبؤ بما سيحدث من ورائه من تبعات، فالأمر تجاوز بالتأكيد حدودا لا يمكن على الإطلاق الرجوع إليها..، والسلطة الدينية الحالية إن صح التعبير لم تعد سلطة، وأصبحت في موقف أضعف بكثير مما كانت عليه من قوة وتأثير على الدولة والمجتمع في العقود الماضية.. وأنه لا بد من التفكير في إيجاد بديل لهذا الفراغ السلطوي التشريعي..

خرجت المواقف الإقصائية ضد الفكر الديني باتجاهاته التقليدية والصحوية والجهادية من عباءة الموقف الحازم والمتشدد من عمليات الإرهاب داخل الوطن، ومن استمرار استجابة بعضهم لدعوات الجهاد في العراق وأفغانستان، ومن أيضاً تصاعد وتيرة الخلاف بين الهيئات الدينية وبعض فئات المجتمع، ويمكن أن نقول: إن حالة الوفاق المؤقته بين التيار الديني التقليدي وبين بعض رموز التيارالثقافي الليبرالي إن صح التعبير ضد الإرهاب الديني سقطت، فالواضح أن الموقف من الفكر الديني أصبح كلٌ لا يمكن أن يتجزأ عند بعضهم، وأنه لا فرق بين تقليدي وإرهابي أوجهادي، فكل منهم يغذي الآخر حسب رأي بعض الليبراليين الحاليين، وما يزيد من شدة الخلاف بين كافة الأطراف أن الدين الإسلامي كيان مقدس يحمل في داخله شتى المواقف المحتملة في نظريات الصراع الفكري والسياسي، فالمعارضة والموالاة تجدان لهما ما يعزز مواقفهم في الإرث الإسلامي... أيضاُ يجد الليبراليون ما يبرر حروبهم الإقصائية ضد الفكر الديني التقليدي والمتطرف..

كذلك قد يكون التفسير غير البريء لما يحدث أن المجتمع ظهر فيه تيارات تبحث عن مصالحها بصورة مباشرة وبلا قناع، ولم تعد المصالح تُختزل فقط في مصلحة الدين أو الدولة التي ترفع راية الإسلام الحنيف، وهو ما كان يجيد العلماء الدفاع عنه في الماضي، ومما لا شك فيه أن الثروة النفطية ورياح التغيير الاقتصادي أفرزت لنا تيارات متعددة من كل اتجاه، فيوجد في الساحة تيار جهادي تكفيري كاره للحياة، كذلك يوجد تيار يدعو لما يعتقد أنه الإصلاح أو ما يراه مناسباً للمرحلة القادمة من عمر الدولة....

أيضاَ خرج في عصر الثروة الحديث تيارات تهتم بمصالحها الخاصة، وتدافع عن مكتسباتها تحت شعارات مختلفة، وقد يرميها بعضهم بالانتهازية لأنها تبحث عن مصالحها الخاصة، لكن الطبيعي أن يبحث الإنسان عن مصالحه، وألا يتجمد داخل جهله وتخلفه التاريخي، وهذا التيار الذي يُوصف بالانتهازية، وهو تعبير غير دقيق، لم يعد يحتمل مواقف السلطة الدينية من سياسة الانفتاح، ويجد فيهم الوجه الآخر للفكر الديني المتشدد والمنغلق والمناهض للتغيير.. أي أن ما يحدث هو محاولة جريئة منهم للانفراد بالمواقع القريبة من السلطة، وأن وجود عالم الدين في المجالس الخاصة بصناعة القرار يخلق حالة من النفاق سئموا من التعايش معها.. أو مجاراتها في أفكار لا يؤمنون بها على الإطلاق، وتحد كثيراً من طموحاتهم الاجتماعية..

ما يحدث هو حالة طبيعية في تاريخ البشر، ولو ألقينا نظرة أفقية على مراحل التاريخ العربي الإسلامي لوجدنا كثيرا من الأمثلة التي تتصف بما يشبه الانقلاب الفكري داخل الدولة، فالعلماء والمثقفون دأبوا على لعبة التنافس على شغل كرسي المشرًع الفكري في أروقة صناعة القرار، والتي من أهم وظائفه تقديم النصائح والمشورات للحاكم في شتى الشئون الدنيوية، ولكن دائما ما يظهر الحرص على المصالح والمنافع الخاصة بين سطور المثقف أو فتاوي الفقيه، وإنْ خالها تخفى عن الناس تُعْلَمِ..



لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 6871 ثم إلى الكود 82244

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد