الكتاب: FDR
المؤلف: Jean Edward Smith
الناشر: Random House
هذا الكتاب عبارة عن السيرة الحياتية لواحد من أبرز الرؤساء الأمريكيين، وهو فرانكلين ديلانو روزفلت، الذي بدأت مع رئاسته بداية أمريكا الحديثة كما يقول المؤلف، وهو الرجل الوحيد في تاريخ الولايات المتحدة الذي تم انتخابه لأربع فترات رئاسية في المكتب البيضاوي، كما أنه مهندس (الصفقة الجديدة) التي كانت عبارة عن مجموعة من السياسات الاقتصادية لتحسين الأوضاع المعيشية والتي تم تقديمها عام 1933 على يديه، إضافة إلى أنه قاد خطوات أمريكا في الحرب العالمية الثانية وانتصار قوى الحلفاء في النهاية، وسيظل روزفلت رمزًا خلابًا وأسطوريًا في التاريخ الأمريكي بالرغم من العدد الكبير من الكتب والمقالات والأفلام الوثائقية التي تناولت حياته.
ومؤلف هذا الكتاب هي واحدة من أكبر المؤرخات الأمريكيات وهي جين إدوارد سميث، التي حصل كتابها السابق عن حياة الرئيس الأمريكي أوليسيس جرانت على الترشح لجائزة بوليتزر الصحفية المرموقة، ويبدو أن هذا الكتاب سوف يحصل على الإشادة ذاتها التي حصل عليها الكتاب السابق. وتقول مؤلفة الكتاب إن معظم الأمريكيين يحملون ذكريات ومعلومات عن ذلك الرجل حتى لو كان بعضها ضبابيا، وتؤكد أن رحلة حياة روزفلت بدأت مع الترف والنعيم حيث كان ابنًا لأسرة غنية من ولاية نيويورك، ولكن ما لبثت تلك الحياة أن تحولت إلى حياة سياسية وتحول صاحبها إلى شخصية خلابه ذي سيرة سياسية لا يضاهيها أحد سوى الرئيس الأسبق أبراهام لينكولن، وتقول سميث إن جورج واشنطن أسس الولايات المتحدة، ولينكولن حافظ عليها، أما فرانكلين روزفلت فأنقذها من الكوارث الاقتصادية.
وقبل أن يتمكن من إنقاذ الاقتصاد الأمريكي تعلم روزفلت الحياة السياسية في بداياته في المجلس التشريعي في نيويورك ثم بعد ذلك كسكرتير مساعد للبحرية الأمريكية في إدارة ويلسون.
واستطاع الجمهوريون الوصول إلى البيت الأبيض في عام 1920، مما دفع روزفلت إلى محاولة الحصول على وظيفة في بورصة وول ستريت انتظارًا لتغير مسار الرياح السياسية.
وواجه تحديًا آخر غير متوقع في تلك المرحلة، ففي صيف عام 1921 أصيب روزفلت بمرض شلل الأطفال، وكان وقتها في التاسعة والثلاثين، وتركه المرض مقعدًا على كرسي متحرك مربوطًا إليه بقية حياته، وكانت تلك صفعة محطمة لرجل عرف بتمريناته الرياضية العنيفة وحبه للرياضة بشكل عام.
ولكن هذا المرض غرس فيه غريزة أخرى جديدة ساعدته على التفكير السياسي، وقد خاض جولات عديدة في منتجع (ورم سبرينجس) أو العيون السخنة في ولاية جورجيا حيث تلقى روزفلت علاجًا بالمياه الدافئة لعلاج قدميه الضامرتين، وهو ما قاد روزفلت إلى التعرف على الجنوب الفقير في القرى هناك، وفي ولاية جورجيا تلقى روزفلت صورة مباشرة عن مدى فقر البلاد، مما قاده إلى أن يصف معظم السكان الأمريكيين بأنهم (يفتقرون إلى المسكن والملبس والتغذية)، وكنتيجة لذلك ظلت عيناه دائمًا تبحثان عن سبل لتحسين المستوى الاقتصادي للشعب الأمريكي ككل، وليس فقط مستوى الطبقة الغنية التي ينتمي إليها.
وقد حظي روزفلت بأول اهتمام على مستوى الولايات المتحدة عندما خسر بطاقة الترشح عن الديموقراطيين في انتخابات الرئاسة الأمريكة عام 1920، ومن تلك النقطة ظل رمزًا محوريًا في الحزب، أولاً كحاكم لولاية نيويورك، ثم بعد ذلك كرئيس للبلاد.
وقد فاز روزفلت بالرئاسة لأول مرة عام 1932 وظل في منصبه حتى نهاية حياته، وقد وصف أمريكا آنذاك بأنها كانت في ملابس رثة، فقد قفزت نسب البطالة لأكثر من 30%، مما جعل 12 مليون أمريكي عاطلين عن العمل، وبحلول عام 1933 واجهت 45% من المزارع المرهونة عقاريًا مخاطر نزع الملكية عنها، وفيما بين عامي 1929 و1932 انخفض إنتاج السيارات بنسبة 65% كما انخفض إنتاج الحديد بنسبة 59%.
وتلك الظروف القاسية قادت إلى أكثر الجلسات التشريعية اشتعالاً في التاريخ الأمريكي وأكثرها إيجابية أيضًا، وعرفت تلك الفترة باسم (المائة يوم)، وتميزت بعفويتها وتلقائيتها وبالحلول الإبداعية، واستطاعت تلك الجلسات إنقاذ النظام البنكي الأمريكي وأدت إلى موجة من برامج التعافي الحكومية وغيرت توقعات الأمريكيين بشأن تملك المسكن وبشأن معايير العمالة.
ولم تنجح كل تلك السياسيات إلا أن معظمها كان فعالاً، واستمرت حتى يومنا هذا.
فأولى جلسات الكونجرس لروزفلت جسدت الفلسفة السياسية له، فقد صرح لهم ذات مرة: (اختاروا طريقة وجربوها، فإذا فشلت فيجب أن تعترفوا بذلك وتجربوا طريقة أخرى، ولكن على أي حال يجب أن تجربوا أي شيء)، وقد استطاع آنذاك أن يغير المشهد التقليدي للكونجرس الأمريكي وهو ما يذكر السياسيون في الولايات المتحدة اليوم بتغيير بعض البرامج التي أثبتت فشلها، كما أوضحت المؤلفة بجلاء أن روزفلت كان دائمًا ما يبحث عن حلول، واعتبر بعضًا من برامجه مقدسة لا يمكن تغييرها. واستطاعت المؤلفة في هذا الكتاب أن تتطرق إلى أبعاد جديدة من شخصية روزفلت، وتمكنت من تحليل أطنان الأوراق التي كتبت عن حياته لتستخلص منها صورة واضحة وشاملة لذلك الرجل وحياته السياسية المديدة.
وقد ظهرت شخصيات معروفة أخرى في كتاب سميث التي محصت فيه السيرة الحياتية لروزفلت واخترقت فيه كل شيء، مثل وينستون تشيرشل والمسؤولين السياسيين من الجناح اليميني مثل لويس هوي وهاري هوبكينز، كما لمس الكتاب أبعادًا جديدة لحياة روزفلت لم يتطرق إليها أحد، وبالرغم من إعجاب المؤلفة بروزفلت إلا أنها لم تداهنه، وقدمت نقدًا حادًا لبعض إخفاقاته السياسية، والتي كان من أبرزها محاولاته غير الحكيمة لتوسعة سلطات المحكمة العليا، إضافة إلى قراره غير الصائب من وجهة نظر المؤلفة لمعادلة الميزانية وذلك على حساب المكاسب الاقتصادية التي جنتها السنوات الأولى من (الصفقة الجديدة)، وكل تلك النقاط خضعت لتدقيق المؤلفة ونقدها.
وقالت سميث في كتابها: (عندما أراد روزفلت أن يدعم المحكمة العليا كان ذلك بمثابة إطلاق النار على قدميه، وعندما أراد أن يقتطع الإنفاق الفيدرالي في عام 1937 فكان بمثابة إطلاق النار على قدمي أمريكا).
وتقول المؤلفة إن روزفلت لم يفعل الكثير من أجل تحسين الأوضاع العنصرية في بلاده، فبالرغم من منصبه إلا أنه فشل في أن يمرر أي تشريع هام يتعلق بالحقوق المدنية، وانتقدت سميث نواحي القصور تلك، بالرغم من أنها خففت نقدها بالإشارة إلى أن سيطرة الجنوبيين على الكونجرس تطلبت من روزفلت أن يتجاهل الصراعات العرقية في صالح تمرير التشريعات الأكثر نفعًا للشعب الأمريكي. ثم تطرقت سميث إلى فترة ما قبل دخول أمريكا إلى الحرب العالمية الثانية وإلى قصف ميناء بيرل هاربر، وقالت إنه من المستحيل أن ينكر أحد القيادة الملهمة التي أبداها روزفلت في تلك الفترة، وفي كثير من المنعطفات الهامة التي وقف فيها روزفلت شامخًا وكان بمثابة مثال حي على قدرات أمريكا الهائلة، وبالنسبة لسميث فإن روزفلت سيظل منارة للقيادة الرئاسية، فهو رجل قاد بلاده في أحلك الأيام واستطاع أن يشق طريقه لاستعادة الأمل في وقت انعدمت فيه الآمال.