التاريخ يسجل للعظماء آثارهم في صفحاته الممتدة من الغلاف إلى الغلاف حتى تصبح هذه المساحة هي جغرافيا وميادين هؤلاء العظماء.
بالأمس القريب كان التاريخ والجغرافيا معا على موعد ليس لفتح صفحة ومساحة جديدة يسجل بها اسم يمر مرور الكرام بل لحفر موقف قل إن يجود به هذا الزمان.
لقد كانت على موعد مع عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، خادم الحرمين الشريفين وملك الإنسانية وصانع السلام.
لن أعود بذاكرتكم أعزائي للحديث عن مآثر ومواقف هذا الزعيم المتستر بالصمت وهو يعمل والذي يأمل العلو لدينه وأمته لا ينافسه في صمته إلا سمو وعلو إرادته وهامته.
بالأمس القريب كانت (مدريد) وباحة قصر (الباردو) بالذات الذي احتضن تاريخ السنين، على موعد مع صرح يبني للتاريخ الحاضر والمستقبل، حيث كانت دعوته حفظه الله إلى الحوار العالمي النواة التي جمعت في باحة هذا القصر أطياف جغرافيا الأرض. كان هناك ذوو العباءات والعمائم وذوو القلوسات والكيبات وعصائب الرأس وحامل الكتاب وحامل القلم.. والرائي لهذا المشهد لا يرى إلا ألوانه المتعددة الأسود والأبيض والأحمر والبرتقالي والأصفر وربطات العنق وأغطة الرأس من كل شكل وقياس.
لكن معايشة تلك اللحظة شيء يختلف كلياً، هذا الطيف الذي وقف إجلالا وإكبارا لدعوة هذا الرجل العظيم الذي استطاع بحكمته وحنكته أن يجمع كل هذه الأطياف ليس بأشكال لباسها فقط بل بأديانها ومذاهبها ومعتقداتها وأفكارها وفلسفاتها وذلك إلى كلمة سواء لخير الإنسانية وخير البشرية (جئتكم من مهوى قلوب المسلمين، من بلاد الحرمين الشريفين، حاملاً معي رسالة من الأمة الإسلامية، ممثلة في علمائها ومفكريها الذين اجتمعوا مؤخرا في رحاب بيت الله الحرام، رسالة تعلن أن الإسلام هو دين الاعتدال والوسطية والتسامح، رسالة تدعو إلى الحوار البناء بين اتباع الأديان، رسالة تبشر الإنسانية بفتح صفحة جديدة يحل فيها الوئام - بإذن الله - محل الصراع.
إن البشرية اليوم تعاني من ضياع القيم، والتباس المفاهيم، وتمر بفترة حرجة تشهد بالرغم من كل التقدم العلمي، تفشي الجرائم، وتنامي الإرهاب، وتفكك الأسرة، وانتهاك المخدرات لعقول الشباب، واستغلال الأقوياء للفقراء، والنزعات العنصرية البغيضة، وهذه كلها نتائج للفراغ الروحي الذي يعاني منه الناس بعد أن نسوا الله فأنساهم أنفسهم، ولا مخرج لنا إلا بالالتقاء على كلمة سواء عبر الحوار بين الأديان والحضارات.
أيها الأصدقاء:
لقد فشلت معظم الحوارات في الماضي لأنها تحولت إلى تراشق يركز على الفوارق ويضخمها، وهذا مجهود عقيم يزيد التوترات ولا يخفف من حدتها، أو لأنها حاولت صهر الأديان والمذاهب بحجة التقريب بينها وهذا بدوره مجهود عقيم فأصحاب كل دين مقتنعون بعقيدتهم لا يقبلون عنها بديلا، وإذا كنا نريد لهذا اللقاء التاريخي أن ينجح فلا بد أن نتوجه إلى القواسم المشتركة التي تجمع بيننا، وهي الإيمان العميق بالله والمبادئ النبيلة، والأخلاق العالية التي تمثل جوهر الديانات.
أيها الأصدقاء:
إن الإنسان قد يكون سببا في تدمير هذا الكوكب بكل ما فيهن وهو قادر أيضاً على جعله واحة سلام واطمئنان يتعايش فيه اتباع الأديان والمذاهب والفلسفات، ويتعاون الناس فيه مع بعضهم بعضا باحترام، ويواجهون المشاكل بالحوار لا بالعنف.
إن هذا الإنسان قادر - بعون الله - على أن يهزم الكراهية بالمحبة، والتعصب بالتسامح، وأن يجعل جميع البشر يتمتعون بالكرامة التي هي تكريم من الرب - جل شأنه - لبني آدم أجمعين).
هكذا قال عبدالله بن عبدالعزيز.. وهنا كان للتاريخ موعد حين هبت كل عناصر هذه الأطياف وقوفا طويلا وتصفيقا حارا تردد صداه في جنات هذا القصر الضارب في عمق التاريخ تجاوبا تلقائيا مع الهدف السامي لعبدالله بن عبدالعزيز آل سعود لينطلق بعده الجميع بكل حرية واختيار ومساواة للحوار والتحاور لتحقيق الغايات النبيلة في الدعوة السامية والكلمات المضيئة التي انطلق بها الملك عبدالله في هذا السباق وكان به حصان الرهان في سباق هذا العصر لما فيه خير وسلام العالم والبشرية أجمع.
يا سيدي.. لن ترسم الأماني جغرافيا السلام بين الأمم ولن يصنع التاريخ أصحاب الأحلام أنت بالإرادة وبالفعل المخلص الصحيح ترسم هذه الجغرافيا وتصنع للتاريخ صفحات راسخة لخير هذا الكون.
سدد الله خطاكم
- الرياض