عندما تستجمع آلياتك الكتابية لتأبين شخصية فكرية وعلمية موسوعية بحجم الراحل الدكتور عبدالوهاب المسيري تُحرج كثيراً لأن سطورك قليلة والمساحة محدودة، أضف الى هذا بضاعتك الزهيدة ووسائلك البسيطة التي مهما اجتهدت لن تستطيع أن تستوعب مثل هؤلاء العلماء الموسوعيين.. لكننا سنحاول وسنطوفّ حول عالم هذا الرجل لعلنا نجد طريقاً مذللاً سالكاً ومدخلاً سهلاً يدلفنا إلى عالمه.
رحم الله عبدالوهاب المسيري وأسكنه فسيح جناته - لقد سار إلى ربه وأفضى الى ما قدم فهو المسيري لم يتوقف أبداً، كانت حياته مليئة بالجد والنشاط والعمل ثماني عشرة ساعة تقريباً يومياً يقضيها في مكتبته بحثاً ودراسة وكتابة واجتزأت الموسوعة (اليهود واليهودية والصهيونية) من عمره ربع قرن حتى خرجت إلينا في ثماني مجلدات ضخام بحثاً مؤصلاً مستفيضاً ملمّاً بكل تاريخ اليهود وفكرهم وثقافتهم وأساطيرهم وعن الصهيونية واستغلالها وأدلجتها لليهودية، وما يميز هذه الموسوعة أن صاحبها مفكر ومؤّصل وألمعي وعميق فهو يملك آليات البحث، ويسبر موضوعه ويقرأ تفاصيله قراءة واعية عميقة ونقلاً عن زوجته الدكتورة هدى حجازي أنه قرأ في إعداده للموسوعة قراءة مكثفة وموسعة، وكان يضع هدفا ويحدد مدة زمنية للفراغ منها فيقول مثلا بعد سنتين سأنتهي منها فيعمل بجد لكنها لم تنته، ثم يحدد بعد ذلك سنة أو سنتين ولا ينتهي، وهكذا حتى خرجت لنا بعد هذه المدة الطويلة بحثاً وافياً مستوعباً راصداً لكل ما يتعلق باليهودية والصهيونية وكانت فتحا كبيرا عليه لأنه كما ذكرت زوجته كان يسجل الأفكار ومواضيع الكتب التي تعرض له وتخطر بباله وهو يبحث ويقرأ ويعد الموسوعة.. فالموسوعة إذا هي أبرز ما يميز الفقيد، وكذلك له بحث ومؤلف عميق عن (العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة) واستطاع في هذه الدراسة ان يقدم رؤية متجردة وخالية من أي تحزب عن العلمانية فاستطاع عبدالوهاب أن يقول فيها قولاً فصلا محايدا فكك مصطلحاتها وجلّى غموضها، وأيضا من مؤلفاته (دفاعاً عن الإنسان) و(اللغة والمجاز) الذي عرى فيه الخطاب السياسي الغربي واستخدامه للمصطلحات المجازية لتمرير أغراضه وأهدافه الاستعمارية.. وعندما نترك هذا المجال الفكري العميق ونتجه إلى مجال أبسط وأيسر نجد الدكتور المسيري عنده القدرة العجيبة على التعامل مع الطفل وقدّم له بعض القصص والكتيبات.. فحقاً المسيري شخصية مليئة متنوعة متبسطة وما يميزّ هذا الرجل هو إيمانه بقضاء الله وقدره وصبره على مرض السرطان وشجاعته وجرأته واستمراره على تحقيق مشاريعه العلمية وحضوره المناسبات والمشاهد والندوات الثقافية وعدم انزوائه وانعزاله عن الناس والاستسلام لآلام هذا المرض الخطير وعندما سئلت زوجته عن كيفية تعامل المسيري مع هذا المرض قالت فيما معنى كلامها أنه كان متفائلاً راضياً بقضاء الله غير متألم ومتسخط، يمارس حياته طبيعيا، وقد يحضر ندوات ويجالس أناسا ولا يعلمون أنه مصاب بهذا المرض، وذكرت أنه كثف نشاطه وزادت مشاريعه وحاول أن يعّجل إنجازه وينهي رسالته وهي خدمة أمته ومجتمعه فرحمك الله وغفر لك وأثابك على ما أنجزت وقدّمت ف(إنا لله وإنا إليه راجعون) وأن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا لفراقك لمحزونون ولا نقول إلا ما يرضي ربنا (فحسبنا الله ونعم الوكيل).
alhamada1427@hotmail.com