تكريم الإنسان مهما كانت وظيفته على الدور الذي يؤديه بإخلاص، ويتميز فيه، ويرسي من خلاله قيماً إنسانية أو اجتماعية، أمر مهم، يبعث في النفس دلالات الاحتفاء بهذا الشخص، ويعكس تقدير الآخرين لجهوده، ويبرز اهتمامهم به، ويشعره بقيمة ما يقوم به في نظر الآخرين.
وهو أيضاً عادة درجت عليها المجتمعات على المستويات الرسمية وغير الرسمية، في مختلف الأنشطة.. ولكن يظل محور التكريم، ودلالاته هو الإنسان، فالعمل مرتبط بالمشاعر الإنسانية أكثر من ارتباطه بالوظائف المهنية أو نوعية العمل ومستواه، أو المستوى التعليمي أو الثقافي لصاحبه.
هذه القيمة مهمة وضرورية.. وفاعلة.. ولا أدعي أنها غائبة عن ديارنا لكنها شبه مغيبة بمفهومها الواسع الشامل.. نريدها أن تتسع قاعدتها وتكبر دائرتها.. حتى تأخذ بعدها الإنساني، وبالتالي يكون مردودها أكبر، ونتائجها أشمل، وفوائدها أكثر، فلماذا لا يتجه الناس إلى تطوير فكرة تكريم العاملين أو المبدعين بالشكل الذي يلبي الأهداف، ويحقق الثمار المرجوة من فكرة التكريم، وبما يعود على الإنسان والوطن بالخير والفائدة.
استوقفني حقيقة التكريم الذي رعاه حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي كرم من خلاله المتميزين في مجالات عديدة، والمخلصين الذين بذلوا جهوداً مميزة في أعمالهم، ومنهم سائقون التزموا قواعد المرور طيلة عشرات السنين دون مخالفات، وموظفو سنترال، وزبالين وبعض من قاموا بمواقف خالدة أنقذوا خلالها أرواح الناس، وغير ذلك ممن تم تكريمهم.
أتمنى لو صار التكريم موسماً سنوياً في مختلف القطاعات مثله مثل تسليم شهادات التخرج للدارسين، حتى يتابعه الناس وينتظرونه ليروا من هم المكرمون، ولماذا كرموا فهذا سوف يسهم في نشر ثقافة التكريم بمفهومها العميق، وتشجع وترسي قيمة حب العمل وتقديره، وتساعد على تقدير المجتمع صغيراً وكبيراً للسلوك الايجابي والصدق والإخلاص في العمل.
أعني أن نهتم بتكريم المبدعين والمتميزين على مختلف المستويات أي تكريم الإنسان المتميزة عن غيره أياً كان موقعه.. فالوظائف والمهن الصغيرة التي لا يلقي لها الناس بالاً تحتاج إلى التفات وتكريم من يستحقون التكريم من العاملين بها ممن يتسمون بالإخلاص والأمانة والأخلاق المهنية.
فتكريم العامل الصغير نظير قيمة إنسانية أو أخلاقية تتجسد في أدائه، تلفته إلى أهمية عمله، وتلفت الآخرين إلى القيمة التي وجدها، والتكريم الذي ناله نظير هذا السلوك، وبالتالي يسهم ذلك في سيادة حب العمل وأخلاقيات العمل وقيمة العمل والتفاني فيه والحرص على التميّز الإيجابي فيه.
والتكريم ليس من الضروري أن ينحصر في العاملين في وظائف لدى قطاع معين.. حتى المواقف العابرة التي تشهد أعمالاً تعبر عن النخوة والتضحية والوقوف مع الضمير من أجل المصلحة العامة.
وأذكر مثالاً لذلك من يعرض نفسه للخطر من أجل إنقاذ عدد كبير من الناس كمن يقوم بإبعاد شاحنة تشتعل فيها النار عن محطة بترول حولها عشرات الحافلات ومئات الناس، إنقاذاً لحياة الناس.. فمثل هذا يستحق التكريم على الملأ لما قام به من عمل لا أقول (بطولي) كما يقال؛ لكنه عمل إنساني بمعنى الكلمة لما يحمله مثل هذا الشخص من قيمة إنسانية، وهي عكس (الأنانية) وحب المصالح الشخصية.
بلادنا - ولله الحمد - بها الكثير من نماذج التكريم وعلى أعلى المستويات وبتوجيهات من القيادة - حفظها الله -.
ويصعب في مثل هذه المساحة المحدودة سرد أو حصر تلك النماذج.. وكثيراً ما نقرأ ونشاهد ونسمع ما يتم من تكريم لأبناء القوات الأمنية والدفاع المدني ومكافحة المخدرات نظير الجهود والمواقف المخلصة والأمانة وروح الانتماء التي يبدونها من خلال أداء عملهم؛ خصوصاً من يسهمون في الكشف عن المخربين أعداء الوطن، أو من يرفضون الرشاوي والاغراءات المالية ويحكمون ضمائرهم وينتصرون للعدل والحق ويمنعون حدوث ما يضر البلاد وأهلها.
التكريم موجود في عالمنا العربي والإسلامي؛ ولكن في غالبه متركز حول القيادات العليا في العمل المدني أو القطاعات العامة والخاصة، وحتى على مستوى العمل الطوعي والإنساني يكاد يستأثر به أصحاب المناصب والوظائف الكبيرة مما يجعل صغار العاملين - وإن كانوا هم صناع النجاح - في الظل بعيداً عن الأضواء وبعيداً عن التكريم.. وأرى أن تكريم الشخصيات البارزة والشهيرة لا يؤدي الرسالة كما ينبغي.. إذ سيكون من باب تحصيل الحاصل، أولاً: لأن كل الناس، في أي بلد، يدركون أن فلاناً هو قائد هذا العمل، وأنه وراء نجاحه، فكراً، وتخطيطاً، وتنفيذاً.
ثانياً: إن وجود هذا الشخص في المنصب المرموق وفي قيادة العمل يعتبر تكريماً، فما أحوج صغار الموظفين والعاملين في المهن البسيطة (النظافة) الأعمال اليدوية المتواضعة التي يترفع عنها الكثير من الناس، بل التي يرفضها السعوديون رفضاً قاطعاً، وكأنها محرمة، رغم انها شريفة ونظيفة وخالية من العيب والشبهات.. هذه الأعمال ينتظر أن يتجه إليها وإلى أمثالها التكريم للمتميزين والمخلصين من منسوبيها.
ولعلنا نرى في القريب العاجل تكريم عمال النظافة و(المليسين) و(الزبالين) و(الحلاقين) والبسطاء المخلصين.. هنا تتجه بوصلة التكريم وتقترب أكثر من مدلولها العميق ومفهومها الحقيقي للتحفيز، وإشعار الفرد بأهميته وأهمية مهنته، وقيمة عمله، وبعث حبه العمل والإخلاص له في نفسه.