Al Jazirah NewsPaper Monday  04/08/2008 G Issue 13094
الأثنين 03 شعبان 1429   العدد  13094
محمد الركبان.. فارس الإدارة الذي رحل
جلوي بن عبدالعزيز الجلوي

الموت نهاية حتمية لكل من يعيش في هذه الدنيا الفانية، حقيقة نسلم بها ونستسلم لها، فهي إرادة الله في خلقه.

غير أننا أمام هذه الحقيقة الكبرى نحزن ونبكي من لوعة الفراق، بل إن الأمر يتعدى إلى حالة أشد من الأسى وانفطار الفؤاد عند رحيل الرموز وأصحاب الشأن. فتشعر بأن الدنيا فقدت شيئا من أركانها وأن نجماً هوى والأفق أصبح حالة من ظلام.

إنه شعور وجداني مختلط بهول الصدمة وتداعيات الفزع في لحظاته الأولى.

عندما توفي الأستاذ محمد بن عثمان الركبان - رحمه الله - ساد هذا الشعور وتولد إحساس بأفول نجم وانهيار طود وجفاف نهر، وبدأت الصور تتداعى وتستعيد ذكريات ذلك الرجل النبيل الذي أجمع الناس على علو كعبه ومكانته وفضله، والناس كما يقال: شهود الله في أرضه.

لم نكن أنا ومن في عمري من الجيل الذي عاش فيه لكننا نسمع عنه الإطراء الذي جعله ملء السمع والوجدان وصيره في تخيلاتنا وتصوراتنا الذهنية النموذج المثالي للرجال المخلصين.

عند انتقالي للعمل في الحرس الوطني وبدء معرفتي بأبي عبدالله عن قرب أخذت الصور الذهنية تتكون داخل إطاراتها وتتشكل واقعاً بعد أن رأيت رجلاً أصيلاً يمتلك هيبة إدارية نادرة وحضوراً طاغياً ومواهب شخصية فذة.

عرفته وهو مدير عام للحرس الوطني بكامل قطاعاته حيث امتزجت شخصيته القوية بمنصبه العالي وما يجده من دعم وثقة فطارت سمعة الرجل وعلا شأن إدارته.

لقد كان - رحمه الله - يتمتع بهيبة قوية طبعت أسلوبه الإداري بطابع خاص وجعلته أيضاً محط تقدير وإعجاب لأنها سمة شخصية لم يتكلفها ولأنها محكومة بالعقل والمنطق، ومؤطرة بالثقافة الواسعة والنظرة العميقة للأمور.

فهو لم يكن فظاً ولا متسلطاً أو مستعرضاً بل يعبر عن أسلوبه بدون تكلف، مقدراً المسؤولية الموكلة إليه مقيماً قدرها واعتبارها ومكانتها. يحترم الجميع ويعاملهم بوضوح تام حافظاً للناس مقاماتهم حريصاً على إرضاء الجميع في حدود الأبعاد الإنسانية والمصلحة العامة.

هذا الانغماس في العمل الإداري والإبداع فيه لم يُخفِ الوجه الآخر لأبي عبدالله فقد كان أديباً مطبوعاً له تجلياته الفكرية وعطاءاته الأدبية المتنوعة وإبداعاته في كتابة القصيدة والمقال، لكنه أديب مقل في النشر والتواصل مع الإعلام. وقد سعت «الجزيرة» إلى استضافته في باب « ضيف الجزيرة» قبل أن يحتجب حيث كنت أنا الوسيط في هذا الأمر وتم التنسيق مع المسؤولين في التحرير على إيجاد خلفية عن الرجل كانت كافية لإعداد أكثر من ثمانين سؤالاً حول جوانب شخصيته وعمله وعلاقاته، قرأها - رحمه الله - وأبدى موافقته واستعداده إلا أنه ظل يؤجل ويؤجل حتى احتجب هذا الباب قبل أن تعود الدلاء بالماء.

الكلام عن مآثر الأستاذ محمد الركبان لا ينتهي لكنني أخلص إلى القول: إن الرجل يعد شخصية مثالية بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.

وأتمنى من الحرس الوطني الذي عُرف بالوفاء لرجاله أن يخلد ذكراه بإطلاق اسمه على إحدى قاعاته الثقافية فهو رجل يستحق وشخصية فريدة بحق.

رحمه الله رحمة واسعة وجعل في عقبه العوض والبركة إنه سميع مجيب.

- الحرس الوطني



 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد