د. المنيف
تحياتي أستاذي العظيم د. خالد المنيف.. أستاذي خالد أنت بعد الله المنارة التي تضيء دربي أرى في كتاباتك وتوجيهاتك خططاً أمشي بها في حياتي.. كم من مقالة أحسست أنك تكتبها لي تقصدني أنا، وكم من استشارة حكت نفس واقعي، فشكراً لك على ما تكتب. وشكراً ليمينك على ما خطت وشكراً لوالدتك لأنها أخرجتك لنا ابناً ينير الدروب.
أستاذي الفاضل..
أنا امرأة تخرجت من الثانوي فلم يعجبني نظام الكلية؛ لذا درست دبلوم حاسب سنتين وتخرجت. ولحبي هذه المادة، قررت بعدها أن أكمل ولأن درجاتي في الثانوي لا تؤهلني للحاسب فقد دخلت إدارة أعمال بنية جمع معدل كبير ثم التحويل للحاسب، وهذا ما تم - ولله الحمد- حصلت على معدل 4 لكن شاء الله أن أتزوج في تلك السنة، وكنت أظن أن زوجي لن يمانع في أن أتم دراستي.. لكن حصل العكس حيث إنه لم يوافق ولم يرض واشترط في حال أنني واصلت فهو لا شأن له بي فاخترت المنزل على الحلم.. الآن وبعد خمس سنوات من هذا الكلام ما زال حلم البكالوريوس يطاردني مع العلم أنني توظفت على شهادتي على بند، ولكن لا تهمني الوظيفة قدر ما يهمني حلمي.. أريد أن أحققه.. وبما أن الجامعات تدرس عن بُعد الآن فإنه من السهل أن أتواصل معها لكن لدي مشكله أساسية وهي:
زوجي كيف أقنعه.. كيف أوضح له أن هذا طموحي وهذه رغبتي منذ قديم الأزل؟ كيف أجعله يتحمل بعضاً من المسئولية في الأولاد والبيت بدون أن يتذمر؟! مع الشكر الجزيل لك.
ولكِ سائلتي الفاضلة أقول:
الإنسان إذا كان صافياً من الداخل رأى الحياة مبتسمة تعلوها الفرحة والبهجة. وعندما تشرق روحه بالأمل تملأ حياته سعادة وسرورا وما أروع قول إيليا أبو ماضي (كن جميلاً تر الوجود جميلاً..) وأنت أيتها السيدة الكريمة لأن سريرتك طيبة ودواخلك نقية رأيت هذي الصفحة بعين الرضا وفاح قلمك بعطر الكلمات.. أقدر لك مديحك وأشكر مشاعرك الطيبة وثنائك على شخصي المتواضع كل هذا الثناء.. بارك الله فيكِ وحقق آمالك وكتب لك الخير حيث كان.
يقول أحد المفكرين: إن بعض الناس يشغلون أنفسهم بالهموم ليجعلوا حياتهم خالية من الهموم، وأهمس لك سيدتي رفقاً بنفسك وحنانا بزوجك ورحمتك بفلذات الكبد..فهذا التصعيد العاطفي الضاغط نحو إكمال الدراسة لربما سبب لك مشاكل أنت في غنى عنها!
إن العقول العظيمة هي من تنشد الغايات العظيمة بوسائل عظيمة كذلك، وتمد ناظريها نحو معالي الأمور وتسعى للتحليق إليها بجناحين من صبر وإرادة.. وهي بين ترقب وانتظار تجدها تقبل ما ليس منه بُد بعد أن تقيم أولوياتها و توازن بين أدوارها في الحياة.. يقول الله في كتابه {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ ..الآية}.وهذه الآية تؤسس لدينا فضيلة ترتيب الأولويات ووضع الأمور في نصابها لا صراع ولا تبادل مواقع؛ فالإيمان والجهاد في مرتبة أعلى من سقاية الحج وعمارة المسجد على أن الأربعة من أفعال الخير، ولاشك أن طاعة الزوج ومصلحة الأسرة مقدمة على الدراسة.. مشكلتك أيتها الفاضلة هي صراع بين طموحك العلمي وتحقيق ذاتك ورغبتك في طاعة الزوج والحفاظ على استقرار الأسرة.. سالتيني كيف أقنع زوجي بالمواصلة وأن يتحمل جزءاً من مسؤولية البيت والأولاد، ويبدو أن من يحتاج إلى إقناع هو أنت! فزوجك قد رفض فكرة إكمال الدراسة وأنت بلا مسؤوليات!
فهل سيقبل بعد ما امتدت العروق وزادت الأحمال! من حقك أن تتمني، ومن حقك أن تتطلعي، ومن حقك أن تواصلي دراستك، ولكن اذا كان الأمر لا يتعلق بأطراف أخرى!، وأنا لا أرفض فكرة طرح المشروع على زوجك وليس من طريقة ستقنعه إلا إذا كان ثمة فائدة صريحة ستعود عليه وعلى الأسرة! وكذلك عدم إخلال بالمسؤولية؛ فعليك هنا تقديم ضمانات صريحة بالوفاء بجميع الالتزامات ويبدو لي أن تلك الفائدة هلامية وغير جلية! اختاري وقتا مناسبا حيث صفاء النفس وهدوء الجنان واعرضي عليه المقترح, ومعه لابد أن تحسبي حساب رفضه وتتهيئي نفسيا لذلك دون رفع للصوت ولا نوبات صراخ ومسلسل اتهامات للزوج وقدح في شخصيته.. محاولات إقناع هادئة فإن وافق فبها ونعمت، وإن لم يوافق فالحمد لله فلم تفقدي شيئا ولم تخسري مع المحاولة! وأحذرك من العناد والإصرار على تلك الرغبة؛ فالإنسان الذي يتصلب في أفكاره كالماء الراكد تتجمع الحشرات (الفكرية) في دماغه.. وكما يقال إن غيمة واحدة تحجب الشمس وأحيانا مشكلة واحدة تحجب السعادة! و من أجل راحة البال والحفاظ على أركان الأسرة والنجاة بالسفينة من العواصف الهوجاء والأمواج العاتية إلى بر الأمان والسلام قد تضطرين للتضحية بأمنيتك!
ولكِ أن تتخيلي معي السيناريو الأسوأ في حال ? لا قدر الله - أنك أصررت على مواصلة تعليمك وأصر زوجك على رأيه.. فماذا ستكون النتيجة؟ بالتأكيد لن تكون في صالحك.
إن الطموح حق مشروع يسعى إليه كل إنسان.. وكل منا يولد ومعه قدرات ومواهب يستطيع من خلال توظيفها للوصول إلى طموحاته.. لذا تذكري أن في الهدوء والإيمان ستكون قوتك.. وسيكون الدافع لتحقيق أي إنجاز في الحياة.. هذا الإنجاز لن يتحقق إذا لم يتوفر الهدوء والسلام في الجسد والفكر والروح. سيدتي اهمسي لنفسك.. وقولي لها) أنا قادرة أن أعيش بقوة لأنني تعلمت كيف أبدأ يومي وأنهيه بهدوء).
إن من ظلم النفس والتشديد عليها أن تختزل السعادة في أمر ما قد يتحقق وقد لا يتحقق! وقد يكون الشقاء هو الثمن الذي ندفعه لغاية مستحيلة، والأهم من هذا عدم وجود ضمانة على تملكها سيجلب لنا السعادة المنشودة، فلربما كان المكسب زهيدا مقارنة بألم الخطوات إليه واحتمال هجوم السباع على قارعة الطريق..
وفي هذا أذكرك أختي أن طاعة الزوجة لزوجها مجلبة للهناءة والرخاء.. فكلما أخلصت في طاعة زوجها ازداد الحب والولاء وتوارث ذلك الأبناء فساد جو السعادة وانقشع جو الشحناء، وقد جاء في الأثر (جهاد المرأة حسن التبعل) أي أن أفضل عمل للمرأة وينزلها منزلة الجهاد طاعتها لزوجها وحسن تزينها له فيصدق بها قوله -صلى الله عليه وسلم- عن أفضل النساء (التي تطيع زوجها إذا أمر وتسره إذا نظر). من هنا فإن من لوازم طاعة الزوجة لزوجها التزامها بكل ما من شأنه رضاه وجلب السعادة إلى البيت ونشر الحب فيه، فليس لها أن تقوم بأي عمل من شأنه تعكير صفو الحياة الزوجية ورفض أي مطلب للزوج ما التزم حدود الشرع فيه.فالنصوص الشرعية ترى في طاعة الزوج حقاً أكبر حتى من حق طاعة الوالدين مصداقاً لقوله - صلى الله عليه وسلم.
والحكماء لا يضعون حلولا حدية بلونين أسود أو أبيض! ولا يفسحون المجال للمنطقة الرمادية والحلول الأخرى!
لحسن الحظ أن تخصصك المفضل ليس بالضرورة أن يطلب بالدراسة النظامية فقط ففي النت وبطون الكتب مساحات للتعلم و إمكانية كبيرة لإتقان تطبيقات هذا العلم الممتع.. وفقك الله ويسر أمرك وكتب لك الخير.