Al Jazirah NewsPaper Wednesday  13/08/2008 G Issue 13103
الاربعاء 12 شعبان 1429   العدد  13103
الكنعان معقباً على هاني نقشبندي
فتح الأندلس لم يكن احتلالاً ولا بناء قصور من الجماجم

توصل أحد الصحافيين الذي صار روائياً كما هي موضة ثقافتنا السعودية هذه الأيام، إلى اكتشاف نقدي فريد لم يتوصل إليه كل مؤرخي تاريخ الإسلام وحضارته العريقة، فقد اكتشف أن الوجود الإسلامي في الأندلس (إسبانيا حالياً) كان احتلالاً ولم يكن فتحاً، وأن المسلمين لم يفعلوا شيئاً طوال 900 عاماً، هي مدة إقامتهم في الأندلس لأن دخلوهم إلى تلك الأراضي كان (مصادفة).

لهذا فقدوا مبرر وجودهم هناك، فلم ينشروا الإسلام ولا اللغة العربية ولا الثقافة الإسلامية، هذا الاكتشاف جاء في معرض حوار أجرته (الجزيرة) مع الصحافي الروائي هاني نقشبندي في عددها رقم (13094) الصادر يوم الاثنين 3 شعبان 1429هـ الموافق (4 أغسطس 2008م)، إضافةً إلى تقاريره الغريبة من قبيل زعمه أن (قصر الحمراء) يمثل رمزاً للصراع مع الآخر، وأن واضعي التاريخ هم جماعة تنتمي إلى جيل الهزائم قد اتبعوا منهجاً انتقائياً، وأن مسلمي الأندلس كانوا مشغولين بشن الغارات، حتى أن معركة (بلاط الشهداء) كانت بهدف جمع الغنائم.. إلى غير ذلك من تخرصات تدل دلالة أكيدة على أن المثقف العربي، سواءً كان صحافياً أو كاتباً أو شاعراً أو مفكراً يعيش أزمة وعي في فهم التاريخ عند تناول أحداثه، خاصةً عندما يُطوّع هذا التاريخ (الحقيقي) في كتابة الرواية (الخيالية)، وهذا ما حدث مع الأستاذ هاني الذي اعترف في ذات الحوار بقوله: (إن الرواية تعيد النظر في التاريخ لبناء حالة أكثر واقعية وأمانة فاللذة عندي أن أكتب وأصنع عوالم وأشخاص)، لهذا وضع روايته (سلام) التي يهدف من خلالها إلى رفض الصدام بين الإسلام والمسيحية على لسان بطل الرواية (درويش يدعى سلام)، وهو شخصية حقيقية تعيش في مدينة أصيلة المغربية.

وحتى يستبين نقشبندي الرشد الفكري من ضحى التاريخ الإسلامي، لابد من تجلية بعض المسائل التي ارتكز عليها في رؤيته القاصرة لهذا التاريخ وبالذات العهد الأندلسي، الذي يعتبر شامة تاريخ المغرب العربي والأوربي معاً، بحكم أن الحضارة الأندلسية التي قامت هناك هي همزة الوصل العلمي والنقل المعرفي بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، وذلك من خلال النقاط التالية:

أولاً: يُفترض بالروائي أن يكون ملماً باللغة العربية، على الأقل بالحد الأدنى من معاني المفردات والمصطلحات والكلمات المشهورة في كتب التاريخ والأدب والثقافة عموماً، التي يبُنى على فهمها الموقف الفكري ويشكل الوعي العام لها، خاصةً إذا كان ممن يزعم أنه أعاد قراءة التاريخ واكتشف أموراً غير صحيحة، وأن روايته هي محاولة لتصحيح جوانب منه، غير أن الروائي الصحافي هاني نقشبندي أخفق في التعامل مع بعض المصطلحات والمفردات التاريخية، فلم يستطع أن يفرق بين المعنى الإيجابي (للفتح) والمعنى السلبي (للاحتلال)، سواءً على مستوى (الأهداف) أو (المعاملات) أو (النتائج)، وارتباط كل ذلك بالقيم الإنسانية وأخلاقيات الحروب، لذا لم يكن مستغرباً أن يعتبر فتح الأندلس احتلالاً وعليه استنتج أن المسلمين فقدوا مبرر وجدودهم، رغم أن أقل الطلبة حظاً في فهم التاريخ يستطيع أن يميز الفارق الكبير بين الفتح والاحتلال، وتحديداً في حالة الأندلس.. ف(الفتح) هو تبليغ رسالة الإسلام وفق خيارات ثلاث (الإسلام، أو الجزية، أو الحرب)، كما أنه إقرار القيم العليا (العدل والحرية والمساواة) لبناء حضارة إنسانية، فإن بقي صاحب الأرض على عقيدته فعليه الجزية التي هي (حق مقابل حمايته) فإن قاتل مع المسلمين سقطت عنه، أما الخيار الثالث وهو (الحرب) فلم يكن ضد الناس والبسطاء والشعوب، إنما ضد من يقف في طريق تبليغ دعوة الإسلام للناس، وحتى إن كان هذا الخيار حاضراً فهو خاضع لأخلاقيات الإسلام في الحروب، فلا غدر ولا تخريب ولا قتل المدنيين.. إلى غير ذلك، وهذا ما حدث خلال تاريخ المسلمين في الأندلس وغيرها، يؤكده تشكل نسيج اجتماعي أندلسي من المسلمين الفاتحين والسكان النصارى حتى ظهرت أجيال يقال لها (المولدين) وهم أبناء وأحفاد من أباء مسلمين وأمهات نصرانيات، أما الاحتلال فهو خيار واحد يتمثل باحتلال الأرض ونهب خيراتها وتغيير معتقدها وصهر حضارة البلد في حضارة المحتل، فضلاً عن تشكيل المجتمع من طبقيات وفقاً لولائها للمحتل، فهل يقارن الروائي بين المسألتين على مستوى (الأهداف والمعاملات والنتائج)، الهدف كان دعوة الناس لإخراجهم من الظلمات إلى النور ومن جور أهل الأديان إلى عدل الإسلام وسماحته، والمعاملات كانت راقية وإنسانية لدرجة أن كل أهل الديانات عملوا كمواطنين متساوين في ظل الدول الإسلامية، حتى أن كثير منهم بلغ مراتب عليا في دولة الإسلام منها الوزارة، أما النتائج فهي حضارة عريقة كانت السبب الرئيس في نهضة أوروبا باعتراف عقلاء مؤرخي الغرب والمستشرقين المنصفين، يقول مؤرخ إسباني: (بينما كان مسلمي الأندلس ينشئون الحمامات في الشوارع للنظافة العامة، كانت إيزابيلا ملكة الإسبان تحك ظهرها بقطعة خشب من قبيل الاستحمام)، كما يكفي شاهداً الأرقام العربية التي يتعامل بها الغرب اليوم، والبعثات الأوروبية التي كانت ترد إلى جامعات الأندلس. يقول المفكر ليوبولد فايس: (لسنا نبالغ إذ قلنا إن العصر العلمي الحديث الذي نعيش فيه، لم يُدشّن في مدن أوروبا ولكن في المراكز الإسلامية في دمشق وبغداد والقاهرة وقرطبة).

ثانياً: كما أن الصحافي الروائي لا يفرق بين (الفتح والاحتلال)، فهو أيضاً لا يفرق بين (طلب النجدة والمصادفة)، حين زعم أن المسلمين دخلوا الأندلس (مصادفة)، وليست دعوة نجدة من حاكم قلعة سبتة الكونت يوليان وحلفائه لحرب لذريق ملك القوط، لأن مفهوم المصادفة أن تدخل أرضاً لا تعرفها مسبقاً كما حدث مع الرحالة الإيطالي كريستوف كولومبس الذي نزل الأرض الأمريكية معتقداً أنها جزر الهند الغربية، أما الجيش الإسلامي بقيادة موسى بن نصير فقد علم بالأندلس واستطلع أحوالها عن طريق مبعوثه طريف بن مالك الذي نزل بفرقة عسكرية لمنطقة سميت باسمه (جزيرة مالك) في رمضان عام 91هـ، حتى أن موافقة الخليفة الوليد بن عبد الملك بنيت على ذلك الاستطلاع، بل إن إقبال نصارى الأندلس على الإسلام شجع المسلمين على مواصلة الفتح الذي تم بزمن قياسي.

ثالثاً: خروج المسلمين من الأندلس برره كاتب رواية (سلام) أنه نتيجة دخولهم مصادفة لهذه الأرض، وأنهم لم ينشروا الإسلام ولا اللغة ولا الثقافة الإسلامية ففقدوا مبرر وجودهم، وهذا يبرهن ما ذهبت إليه في أول التعقيب أن المثقف العربي، وبالذات المتخصص في صحافة أو أدب أو شعر أو غير ذلك، يعاني أزمة فهم للتاريخ لأنه يفتقد الأدوات المعرفية والقراءة الواعية للأحداث التاريخية، لأن خروج المسلمين من الأندلس أو بالأصح طردهم كان نتيجة (تطهير عرقي وديني) واسع النطاق استمر قرن ونصف، حتى أن غوستاف لوبون يقول في كتابه (حضارة العرب): (الراهب بليدي أبدى ارتياحه لقتل 100 ألف مهاجر من قافلة واحدة مؤلفة من 140 ألف مهاجر مسلم حينما كانت متجهة إلى أفريقية). إذاً الروائي لم يسمع ب(محاكم التفتيش) الكاثوليكية، التي لم يسلم منها المسلمين واليهود الذين كانوا يخيرون بين الذبح أو تغيير الدين أو الطرد، بل حتى أتباع البروتستنتية نالهم نصيباً منها، وقد كانت أشنع فصولها وأفضع مذابحها بعد سقوط غرناطة عام 897ه (1491م)، عندما نقض الملك فريناند العهد الموقع بينه وبين أبي عبد الله الصغير ملك غرناطة، فظهر ما عُرف بالموريسكيون (مسلمون تنصروا قسراً أو أخفوا إسلامهم وأظهروا النصرانية).

رابعاً: الجهل في أحداث التاريخ امتزج أيضاً بالجهل في قراءة هذه الأحداث، حين اعتبر الأستاذ هاني أن معركة (بلاط الشهداء) كانت بهدف الغنائم، وهذا يذكرني بمنطق الماركسيين العرب في تفسيرهم لتاريخنا الإسلامي تفسيراً مادياً، بينما الحقيقية أن القائد الفذ عبد الرحمن الغافقي قد دخل فرنسا (بلاد الغال) التي وقعت فيها المعركة ل(تأمين الحدود الشمالية) لدولة الإسلام في الأندلس بسبب غارات الإفرنج، وأما (الغنائم) التي يدندن حولها فقدت كانت سبباً في الهزيمة وليست في وقوع المعركة وهنا الفرق، لأن الأخذ بمنطقه (المادي) يعني أن معركة أحد وقعت لأجل الغنائم وليس لصد عدوان قريش عن المدينة، بحكم أن واقع المعركتين متطابق، وللتوضيح فقد وقعت معركة بلاط الشهداء في رمضان سنة 114ه (732م)، وسميت بهذا الاسم لكثرة الشهداء في أرض المعركة التي جرت على طريق روماني يسمى (البلاط)، وهي شبيهة بغزوة أحد، فكما خالف الرماة أوامر أميرهم عبد الله بن جبير ونزلوا من جبل أحد لجمع الغنائم، فقد خالف مؤخرة الجيش الأندلسي أوامر القائد الغافقي حفاظاً على الغنائم، فعندما لاح النصر للمسلمين في اليوم العاشر والحاسم للمعركة، لاحظ النصارى بقيادة تشارلز مارتل أن مؤخرة الجيش الإسلامي مشغولة بحماية معسكر الغنائم والتموين، فأغارت فرقة منهم على المعسكر، فتراجعت المؤخرة لحمايته في وقت كان الجيش الإسلامي يتقدم نحو النصر، فصاح الغافقي بجنوده لترك الغنائم والتقدم، لكنهم لم يسمعوا صوت العقل وأوامر القيادة، فانشطر جيش المسلمين وصار سهلاً في بحر كثرة جيش النصارى، فانهزم واستشهد قائده وفر البقية تحت جنح الليل تاركين الغنائم والهزيمة المروعة. يقول غوستاف لوبون: (لو أن العرب استولوا على فرنسا، إذن لصارت باريس مثل قرطبة في إسبانيا، مركزا للحضارة والعلم؛ حيث كان رجل الشارع فيها يكتب ويقرأ بل ويقرض الشعر أحيانا، في الوقت الذي كان فيه ملوك أوروبا لا يعرفون كتابة أسمائهم). مما سبق يتضح أن الأمر اختلط على صاحب رواية (سلام) بين أن تكون الغنائم (سبب الهزيمة) أو أن تكون (هدف المعركة)، الذي هو تأمين الحدود الشمالية الأندلسية، مع مراعاة أن هناك رأياً تاريخياً قديراً يقول إن القادة المسلمين الذي حاول فتح فرنسا (بلاد الغال) حتى لم يبق بينهم وبين باريس إلا كيلو مترات معدودة، كانوا يطمحون إلى اختراق أوروبا وصولاً إلى القسطنطينية لفتحها ونيل شرف ثناء الرسول صلى الله عليه وسلم على الجيش وأميره، الذي حازه محمد الفاتح العثماني عام 857ه (1453م).

أخيراً يبقى أن أتساءل هل كان (قصر الحمراء) يمثل رمزاً للصراع مع الآخر، كما توهم الأستاذ هاني نقشبندي أم هو شاهد على أن فتحنا الأرض وأقمنا حضارة، ولم يكن احتلالاً وبناء قصور من الجماجم، وأن واضعي التاريخ الأندلسي لم يكونوا من جيل الهزائم الذي يمارس الانتقائية، لأن من يكتب الرواية من خلال العبث بالتاريخ هو من يتبع المنهج الانتقائي ويسوق الهزيمة النفسية من خلال التشكيك بتاريخنا المجيد.

محمد بن عيسى الكنعان


Kanaan999@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد