الوطنية الصادقة والمواطنة الحقة كلمات صغيرة بحروفها، كبيرة بمعناها، عظيمة بتبعاتها، شاملة بمفهومها، الوطنية والمواطنة كلمات فضفاضة تدغدغ المشاعر بحروفها، وتثير كوامن النفس عند النطق بها، وتبث الدفء في الجوانح، وتشعر من توجه إليه ومن يوصف بها بحالة من الارتياح والاستقرار المعنوي، وعلى العكس تماماً من ذلك عندما يوصف شخص ما بعدم الوطنية فكأنما وجهت إليه سهام الاتهام بنكران الجميل وعدم الوفاء، وغيرها من المترادفات التي تتناسب معها، ولكن التساؤلات التي تطرح نفسها!!
هل كل من نطق بها يدرك متطلباتها؟
وهل باستطاعته أن يقوم بها؟
وهل يملك القدرة لتحمل تبعاتها؟
وهل لديه السعي الجاد لتحقيقها؟
الوطنية كلمة عظيمة طالما تشدقنا بها كثيراً، وتغنى بها وتسلق على درجات سلم حروفها آخرون، ولكن على أرض الواقع وعند التطبيق فجميعنا مقصرون، الوطنية الصادقة أقصد بها الشعور الصادق المتنامي بشرف الانتماء إلى هذا الدين العظيم ثم هذه البلاد الطاهرة، والنابع من محبة خالصة لهذه الأرض، مقرونة بالغيرة عليها وما عليها، مصدرها الخوف من الله ومعيارها ثوابت الدين الإسلامي بالدرجة الأولى دون النظر إلى أي اعتبارات أخرى، الوطنية الصادقة ليست مجرد الاستقرار على التراب والتغني بذلك، أو حمل وثيقة رسمية تثبت الميلاد، إنما هي تعني الحرص كل الحرص على بذل ما نستطيعه لرفعتها، والتفاني في تقديم النفع لكل محتاج له من أهلها ومن يستقر عليها، انطلاقاً من قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، وقول رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا تداعى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) أو كما قال صلى الله عليه وسلم، ولذلك فقد أفرغت - وللأسف الشديد - في وقتنا الحاضر من محتواها، وأصبحت الكثير من الممارسات ترتكب ضدها، مما يجعل المرء يتساءل بأعلى صوته!!
أين نحن من المواطنة الحقة؟؟
بل وهل نحن مواطنون حقاً؟؟!!
نرتكب جريمة العقوق يومياً بحق بلادنا، ونمارس الكثير والكثير من الجحود والنكران تجاهها، ومع ذلك ندعي المواطنة!، ولعل نظرة سريعة لما حولنا، وجولة قصيرة على أحياء وشوارع ومرافق أي مدينة من مدن بلادنا كنموذج، تجيبك على هذا التساؤل، ولعل مطالعة خاطفة لأحوال وتصرفات من حولنا وعلى اختلاف الأعمار، تنبئك بما هو أكثر!، ولعل مقارنة بسيطة بين ما تعلمناه وما نطبقه على أرض الواقع، تشكل دللاً دامغاً على ما ذكرته، ومن الأمثلة على ذلك ما يلي:
هل يصنف على أنه مواطن حقيقي ذلك المعلم المقصر والمتقاعس في تأدية واجباته والمتقاعس في تربيته وهل هو مواطن من يعبث بالممتلكات العامة تحطيماً وتشويهاً ولا يهمه المحافظة عليها، ويحرم غيره من الاستفادة منها دون أدنى تفكير بما صرف عليها من أموال طائلة، وما بذل في سبيل إيجادها من جهود جبارة؟
وهل هو مواطن من يساهم في تلويث شوارع المدينة وجدران منازلها بالكتابات السيئة، أو بما يرميه من مخلفات، ولا يكلف نفسه عناء وضعها في الأماكن المخصصة لها؟
وهل هو مواطن حقيقي من يساهم في نقل المتخلفين والمتسللين إلى مدن ومحافظات البلاد مقابل مبالغ مالية، أو يساهم في إيوائهم دون وعي بما يشكلونه من مخاطر صحية وأمنية واجتماعية لا حدود لها؟
وهل هو مواطن من يسعى لبث الفرقة والصراعات بين أبناء الوطن من خلال كتابات ومقالات لا هدف لها سوى الإثارة وتشويش الأفكار؟
وهل هو مواطن من يعبث بالبيئة من خلال الاحتطاب الجائر أو إلقاء المخلفات حول المنزهات البرية مما حولها إلى نموذج سيء للحضارة المعاصرة؟
وهل هو مواطن حقيقي من يمارس الإخلال بالمجتمع من خلال بث الشائعات، ونقل الأخبار الكاذبة، مما يثير البلبلة بين الناس؟
وهل هو مواطن من يشارك في تدمير أغلى ثروات الوطن من الشباب، وحرمانه من قدراتهم، وتحويلهم إلى عناصر سلبية، من خلال نشر المخدرات والمسكرات بينهم؟
وهل هو مواطن من يساهم في تدمير وتخدير عقول الشباب، وتعطيلها، من خلال ترسيخ الأفكار الهدامة وبث الأشرطة المفسدة للأخلاق فيما بينهم؟
وهل يستحق شرف المواطنة من يتعرض لفتيات المسلمين ومحارمهم، ويتربص بهن في الطرقات والأسواق والأماكن العامة، أو من خلال المعاكسات الهاتفية وبث الصور والمقاطع الخليعة بدلاً من حمايتهن والغيرة عليهن؟
وهل هو مدرك لحدود المواطنة من يسعى لتشويه صورة هذه البلاد في العديد من دول العالم من خلال تصرفات أقل ما توصف به أنها صبيانية مراهقة، مما عكس صورة سلبية قاتمة عن مواطني بلادنا؟
من خلال ما طرحته أعلاه وهو غيض من فيض، آمل أن يقيم كل من هؤلاء نفسه، فكل منا عرضة للقصور، والتراجع عن الخطأ خير من التمادي فيه، ولنا في حديث نبينا صلى الله عليه وسلم نبراساً نقتدي به: (كل بن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون)، هناك تفاوت في تقدير المسؤولية وتحملها، فعلينا أن نسعى جادين لإصلاح أنفسنا، وبذل المستطاع لإصلاح من حولنا، لنكون جديرين فعلاً بشرف المواطنة.
وفي الختام أسال الله للجميع التوفيق والسداد، وأن يرزقنا الإخلاص فيما نقول ونعمل وأن يجعلنا هداة مهتدين، مفاتيح للخير مغاليق للشر، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
- محافظة عنيزة
alrodhan10@hotmail.com