Al Jazirah NewsPaper Monday  18/08/2008 G Issue 13108
الأثنين 17 شعبان 1429   العدد  13108

عفوٌ برغم كل شيء
هدى ناصر الفريح

 

يقضي الإنسان منا حياته في مراحل عديدة ويعبر مفترقات كثيرة يقابل البشر بكافة توجهاتهم وأدوارهم منذ أن تبصر عيناه فتتبع تحركات من حوله، إلى أن يبصر بعقله فتتفتح بصيرته ويبرز إدراكه، فيحدد الإنسان ما حوله ما بين ما تبصره عيناه وما يبصره عقله، أي يكون ما بين المظهر والمخبر، ويكون باستطاعته أن يميز ما بين السامي والضحل، وبالأخص يحدث هذا حينما يواجه الإنسان منا حياة عصيبة يكون لمن حوله أدوار بائسة عليه ما بين سعي لعرقلته وإفقاده لثقته وهويته إما بتهميش أو ظلم وقهر إما عن جهل وإما عن قصد، حينها قد يكبر وفي جوفه بركان خامد حتما سيأتي عليه يوم يثور فيه بلا سابق إنذار، أم أنه قد يتوه منذ الصغر وينطلق بتبني أفعال تميته قبل أن تميت من أخطأ بحقه، وربما قد يبصر بعقله صغيرا إلى أن يكبر وينضج ويهتدي لأن يتفكر أن تلك الظروف التي قد عاشها لم يكن ألمها وشقاؤها حصرا عليه بل يتقاسمها جميع من كل حوله، فلا يوجد شر محض ووحشية أبدية وإلا لما وجد للإنسان عقل وقلب، بحيث إن لم يعي من حوله خطأ ما يفعلونه بادر هو بالأفضل وإن اكتوى بنارهم صبر فهو الأعقل وإن لم يجد منهم خيرا عفا ليكون هو الأحكم والأجدر برضوان الله والمستريح من هم ليس هو من ابتدأه وأوجده، ويكون حاله كما قال الشافعي عفا الله عنه:

لما عفوت ولم أحقد على أحد

أرحت نفسي من هم العداوات

فإن كانت هذه مشيئة الله ومن حولنا لا يبتغون إصلاح حالهم وإن بادرناهم بالجميل. وكانوا إما أن يتناسوه أو يتجاهلوه فلا أطهر من عفو قلبي صادق لهم لا ضعفا بل لتطيب النفس وتستكين بعيدا عن صراع داخلي قد يؤذيها ويؤذي من في نطاقها. وما هذا إلا لكي يتطهر اللسان من التفوه بكلمات مليئة باليأس والقهر ويصفو القلب من حمل ليس له فيه شأن ولكي يرتقي العقل نحو ما يأمل لا أن يطوق بحدود شيء مضى وإن كان لا يزال يمضي فهو

قد أدى ما باستطاعته فعليه أن لا يقف على عتباته أبدا، فالنفس تمل وتكل وتبتئس حينما تغرق في بحور التظلم وتتجاهل كل ما يبهج، وكم نراها تحلق مغردة في أنفس من يتبنوا العفو عمن أساء له فلكل صحوة وتوبة فهلا كنا من يوقدها بعفونا.

يقول غاندي:

إذا قوبلت الإساءة بالإساءة!

فمتى تنتهي الإساءة؟.

- البكيرية


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد