Al Jazirah NewsPaper Sunday  24/08/2008 G Issue 13114
الأحد 23 شعبان 1429   العدد  13114
شيء من
الخلوة واللمم
محمد بن عبداللطيف آل الشيخ

الخلوة في الشرع: أن يخلو الرّجل بامرأة على وجه لا يمنع من الوطء. والخلوة من (اللمم) وهو صغائر الذنوب، الذي لا يترتّب عليه شرعاً أية عقوبة إذا لم تصل (الخلوة) إلى الجماع. واللمم في اللغة: (الجنونُ أو طرَفٌ منه يُلِمَّ بالإنسان؛ مقاربة الذنب من غير أن يقع؛ الصغيرُ من الذنوب).

وقد حصلت في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم قضايا ولم يُعاقب عليها على اعتبار أنها من (اللمم) الذي لا يترتّب عليه أية عقوبة. وقد ذهب أكثر الفقهاء تشدداً إلى أنّ قضايا (اللمم) قد تتحوّل إلى كبائر (فقط) عند الإصرار والتكرار والمكابرة، بينما أنّ من يُمارسها عرضاً؛ كأن يمارسها لمرة واحدة فحسب، أو لم يثبت عليه إلاّ أنّه مارسها مرة واحدة، لا يُطلب منه إلاّ الاستغفار ليس إلاّ.

يقول القرطبي في أسباب نزول آية {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} ما نصّه: (وقد اختلف في معناه، قال أبو هريرة وابن عباس والشعبي: (اللمم) كل ما دون الزنى. وذكر مقاتل بن سليمان: أنّ هذه الآية نزلت في رجل كان يسمى نبهان التمّار؛ كان له حانوت يبيع فيه تمراً، فجاءته امرأة تشتري منه تمراً فقال لها: إنّ داخل الدكان ما هو خير من هذا، فلما دخلت راودها فأبت وانصرفت فندم نبهان، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما من شيء يصنعه الرجل إلاّ وقد فعلته إلاّ (الجماع)؛ فقال: (لعل زوجها غاز) فنزلت هذه الآية).

ومضى أغلب المفسرين، مثل ابن كثير، والطبري وغيرهما إلى أنّ (اللمم) هو كل شيء يفعله الرجل في (خلوته) مع المرأة دون (الجماع)؛ ومثل بعضهم (نصاً) على أنّها: اللمسة، والغمزة، والقبلة، وحتى المباشرة، فعن أبي الضحى أنّ ابن مسعود قال: (زنا العينين النظر، وزنا الشفتين التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه، فإن تقدم بفرجه كان زانياً وإلاّ فهو اللمم).

أعرف أنّ هناك آراء أخرى ذهبت في تفسير (اللمم) مذاهب شتى؛ غير أنّ هذه الآراء التي ذكرتها هنا قالها أعلام من أعلام السلف؛ لا يمكن أن نتجاهلها بحال من الأحوال، لمجرّد أنّها لا تتوافق مع توجُّهاتنا (التشدُّدية).

ثم تلتفت إلى واقعنا فتجد أنّ التشدد في التعامل مع أصحاب (اللمم) بلغ شأواً لا يمكن إلاّ أن يحيلَ الإسلام من السماحة إلى التطرُّف. تسأل عن السبب، تجد فقه (التشدد)، وفقه (سدّ الذرائع)، وفقه (الاحوطيات)، قد سيطر على عقليات بعض فقهائنا، فتحوّل الإسلام من حسن الظن إلى سوء الظن، ومن التيسير إلى التنفير، ومن إنزال الأمور في منازلها إلى إنزالها منزلاً ينأى بها عن أصل النص، وتفسير النص، ناهيك عن مقاصد النص، بعد أن يلوي المتشددون عنقه - أي النص - ليخرج من نطاق المعقول؛ كل ذلك - كما يدعون - كي لا يفسد المجتمع.

وأنا لا أقول بجواز (الخلوة) التي تفضي إلى (اللمم)، وأرجو أن يكون ذلك واضحاً تماماً، وإنما أدعو (فقط) إلى إنزالها منزلتها دون إفراط أو تفريط؛ ومنزلتها أن نتعامل معها على أنها نوع من أنواع (اللمم)، ولا نرفع من شأنها، ونُضخمه إلى درجة أن نضعها موضع الجرائم، كما يذهب البعض. فالماوردي رحمه الله عرّف الجريمة في (الأحكام السلطانية) بقوله: (الجرائم محظورات شرعية زجر الله عنها بحدٍ أو تعزير). ولا يمكن لعاقل أن يدخل (اللمم) ضمن إطار الجرائم حسب هذا التعريف، إذا فعله الإنسان عرضاً، ولم يجاهر به، أو يُصر عليه. هذا كل ما هنالك.



لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 6816 ثم إلى الكود 82244

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد