Al Jazirah NewsPaper Saturday  30/08/2008 G Issue 13120
السبت 29 شعبان 1429   العدد  13120
شبابنا والابتعاث الخارجي
أ.د. عبد المحسن بن وني الضويان

يعتبر برنامج خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز للابتعاث مشروعاً حيوياً وهاماً في تطوير القوى البشرية يدل على حسه الوطني المتمثل بضرورة الاستثمار في شباب المملكة، هذا الاستثمار طويل الأجل أساس التطوير الاقتصادي والاجتماعي.

وقد كان للمملكة تجارب ناجحة في ابتعاث شبابها إلى الدول المتطورة للتعلم في مختلف المجالات والتخصصات في مراحل التعليم العالي المختلفة، وقد كان لمشاريع الابتعاث السابقة الأثر الفعال في حصول آلاف من شبابنا على شهادات عليا استطاعت بعد عودتها أن تساهم في عملية التطوير في المملكة وارتقت بمستوى الأداء التعليمي سواء في الجامعات أو في التعليم العام أو في الإدارات والمؤسسات الحكومية. والآن وقد زاد عدد الجامعات في المملكة حتى صار يربو على العشرين جامعة وعشرات الكليات أصبح لزاماً ولدعم هذه المؤسسات التعليمية ابتعاث العديد من أبناء البلاد لمرحلة البكالوريوس والدراسات العليا.

ما يميز برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث هو تعدد البلدان الخارجية التي يوفد إليها الطلاب ولأول مرة مثل الهند والصين واليابان وماليزيا ونيويوزيلندا واستراليا إضافة إلى الدول الأوروبية وأمريكا وكندا. إن تعدد جهات الابتعاث يعني عودة المبتعثين وقد تزودوا بالعلم من مدارس مختلفة ذات أساليب علمية وتعليمية تختلف عما عهدناه سابقاً، وبذلك يمكن أن تصهر تجارب العالم العلمية في بوتقة واحدة تعد فريدة من نوعها، تجربة رائدة تعني عالمية التعليم والاستفادة مما هو متاح في بلاد العالم المختلفة. إضافة إلى إمكان الاستفادة من خبرات العالم في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والإدارية، كما أن من أهم فوائد الابتعاث إلى هذه الدول بالإضافة إلى التحصيل العلمي اتساع مدارك شبابنا وانفتاحهم على العالم وتقبلهم التعايش مع الآخرين رغم الفوارق الاجتماعية واللغوية واختلاف أوجه الحياة بشكل عام. هذه أهم وسيلة تجعل شبابنا على قدر كبير من اتساع الفكر والتقارب مع الثقافات الأخرى، وما الحوارات التي يحرص خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - على إقامتها بين فئات المجتمع بمختلف اتجاهاته في داخل المملكة وبين المملكة ودول العالم إلا أهم الوسائل الفعالة في جعل أبناء المملكة أكثر مقدرة للتعايش مع الآخرين بحيث لا تكون الفوارق بين الناس حاجزاً يمنع الاتصال بهم والاستفادة من علومهم وخبراتهم ونواحي حياتهم، وهذه تجارب عايشها الإنسان شخصياً عندما ابتعثنا إلى الولايات المتحدة الأمريكية استطعنا أن نكون زمالات وصداقات مع أبناء بلد الابتعاث وغيرهم من شعوب العالم الذين التقينا بهم هناك، وأحسب أن تجربة المملكة في الابتعاث إلى دول متعددة سيكون أكثر فاعلية في اكتساب علاقة وامتزاج حضارات من دول العالم.

لكن تجربة الابتعاث مع دول أخرى لم نعتد الاتصال بهم على المستوى التعليمي يجعل من الأهمية متابعة الطلاب متابعة دقيقة لاكتشاف أي بوادر لمشكلات قد تعوق مسيرة شبابنا التعليمية هناك بعض هذه الدول مثلاً ربما لم تتعود على الطلبة الأجانب وبذلك يمكن أن يكون هناك حساسية ضدهم سواء في مجتمع دول الابتعاث أو في الجامعات التي يدرسون بها، وقد يكون ما حصل في الهند من مشكلات تجاه مبتعثينا أحد المؤشرات التي يجب أن تعالج ويدرس تأثيرها على مستقبل طلابنا وعدم جعلها عائقاً على إمكان استمرار دراستهم.

هناك أيضاً المستوى العلمي للجامعات فنحن في المملكة مادامت الدولة - أيدها الله - تتحمل تكاليف دراسة الطلاب بالكامل فمن حقها أن تحصل على أرقى مستويات التعليم في الدول التي تبتعث إليها، والخوف من بعض الجامعات في الدول التي تجربتنا في الابتعاث لها جديدة من أن يكون لديهم انطباع سلبي تجاه طلابنا من أنهم أقل مستوى من غيرهم، وبهذا يظلم طلابنا إما بأخذ موقف متشدد نحوهم أو متساهل، وفي كلا الحالتين تكون المحصلة ليست في صالح طلابنا، فلا نريد أن يظلم طلابنا بالإجحاف بحقهم في الدرجات والمستوى بحيث يأتي ترتيبهم متدنياً بالنسبة لطلابهم، كما لا نريد من جامعات العالم أن تتكرم على طلابنا بدرجات متضخمة ولسان حالها يقول ما دام هؤلاء الطلاب لن يعملوا في بلادنا فما الضير أن يحصلوا على علامات عالية حتى وإن لم يستحقوها؟

وقد عانت بعض دول العالم العربي والإفريقي من هذا الأسلوب في التعامل في المعسكر الشرقي والاتحاد السوفيتي سابقا حيث يجمع الطلاب في جامعات خاصة بهم ويحصلون على مستويات متدنية في التعليم بالرغم من حصولهم على درجات متقدمة، وقد كفى الله طلابنا شر هذه الجامعات بفضل سياسة حكومتنا الحكيمة التي لم تبتعث إلى تلك الدول لكن من الواجب متابعة طلابنا متابعة دقيقة للقضاء على أي موقف في التعامل الخاص مع طلابنا من قبل الجامعات سلباً أو إيجاباً، بل نرجو أن يكون العدل والنزاهة الأكاديمية هي أساس العمل المتبع في هذه الجامعات، هذه مخاوف لا تدعمها أي إحصائيات وربما لن تحصل ولكن الحرص على طلابنا في الدول التي ليس لدينا تجربة كافية في التعامل معها يجب مراقبة الوضع مراقبة دقيقة والقضاء على أي تساهل أو تشدد في غير موضعه مع مبتعثينا، ولا شك أن وزارة التعليم العالي تضع ذلك نصب أعينها ولكن الملحقيات الثقافية في بعض هذه الدول جديدة وقد تنقصها التجربة في التعامل مع مشكلات الطلاب الدراسية.

هناك أيضا الطلاب وإمكان اختيارهم لجامعات أو تخصصات أو مستويات تعليمية تقل عن النوعيات التي تحرص عليها وزارة التعليم العالي، وبذلك تتأثر نوعية التعليم وجودته، ومعلوم أن الطلاب نتيجة لقلة خبرتهم والرغبة في سهولة الدراسة وسرعة التخرج قد يختارون مستويات لا تتناسب وطموحات برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث والقائمين عليه في وزارة التعليم العالي، وهناك تجارب سابقة يجعل هذا التخوف في محله فمثلا بعض المبتعثين، وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية اختاروا الانضمام إلى كليات مجتمع بدلا من الجامعات ذات البرامج والخطط الدراسية عالية المستوى، وكانت النتيجة حصولهم على درجات من تلك الكليات ولكن بمراجعة السجل الأكاديمي لهم يلاحظ ضحالة المستوى وقلة مقررات التخصص وبالتالي لا يستطيع المتخرج من هذه الكليات القيام بعمل المهندس مثلا أو الإداري الذي ابتعت من أجله، بل إن الجهات الحكومية المسؤولة عن توظيفهم وترقياتهم وجدت صعوبة في تصنيفهم فلا هم تقنيون ولا مهندسون ونأمل ألا تتكرر هذه التجربة، وقد قرأت مؤخراً أن أحد المبتعثين لأمريكا ينتقد الملحقية في عدم السماح له بالدراسة في كلية المجتمع، ويحاول أن يقول أن لا فرق بينها وبين الجامعة وهذا خطأ ولكن موقف الملحقية يستحق التقدير هذا لأن لديها خبرات واسعة تكونت خلال العقود الماضية جعلتها أكثر حيطة وحذراً ومتابعة لمبتعثيها، آمل أن يمتد هذا التوجه إلى كل الملحقيات التي يبتعث إليها برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث، مع العلم أن أحد أهم مقومات نجاح المبتعث وحصوله على المؤهل الذي ابتعث من أجله هو حسن الاختيار للطلاب المتقدمين بطلبات الابتعاث بحيث يكون المستوى العلمي والأخلاقي واحتياجات المملكة من التخصصات هي المعايير التي يتم بموجبها اختيار المبتعث، هذه المعايير الثلاثة المستوى العلمي العالي والنضج العقلي مع الخلق الحسن بالإضافة إلى وجود خطة متكاملة للابتعاث في تخصصات تحتاجها المملكة وسوق العمل هي أساس قبول الابتعاث والموافقة عليها.

وفق الله الجميع في إنجاح برنامج خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - للابتعاث وحقق الطموحات في تأهيل شباب المملكة تأهيلاً علمياً ومهنياً صحيحاً يجعلهم قادرين على المساهمة الفاعلة في مسيرة التنمية.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد