Al Jazirah NewsPaper Tuesday  02/09/2008 G Issue 13123
الثلاثاء 02 رمضان 1429   العدد  13123
شيء من
التذرع بالهوية
محمد عبداللطيف آل الشيخ

من ردود الأفعال التي أتلقاها على ما أكتبه من مقالات ناقدة هنا في (الجزيرة)، آراء تتذرع بالمحافظة على (الهوية)، وتتهمني أنني لا أهتم كثيراً بالمحافظة على هويتنا؛ في محاولة (لاهثة) لتبرير التمسك بالعادات والتقاليد البالية والمتخلفة التي أجدها عقبة كأداء في طريق مسيرتنا التنموية.

والسؤال الذي يفرضه السياق: ما هي الهوية؟

يذهب رشاد عبدالله الشامي إلى تعريف الهوية بالقول: (إنها الشفرة التي يمكن للفرد عن طريقها أن يعرف نفسه في علاقته بالجماعة الاجتماعية التي ينتمي إليها، والتي عن طريقها يتعرف عليه الآخرون باعتباره منتمياً إلى تلك الجماعة، وهي شفرة تتجمع عناصرها العرقية على مدار تاريخ الجماعة وتراثها الإبداعي وطابع حياتها). وهذا في رأي الشامي يعني أن الأنا لا يمكن أن تتحدد هويتها إلا من خلال الأنا الجمعي (الجماعة) وهذا صحيح. غير أن الذي يفوت على الكثيرين أن (الهوية) مفهوم متغير وليس ثابتاً؛ بمعنى أن ما يمكن أن يكون مفهوماً لهويتي اليوم، قد يتبدل غداً.

هوية الشعوب الناطقة بالعربية -مثلاًُ- كانت في السابق، وقبل نشوء الدولة المركزية (الوطن)، تنبع من الانتماء إما إلى الحيز الجغرافي (قرية، بلدة، إقليم)، أو الانتماء إلى (قبيلة) معينة، أو (طائفة). وبعد نشوء الدولة (الوطن) نشأت (هوية) جديدة نتيجة لنشوء الوطن، وأصبحت هوية المواطنين، هي الهوية التي تتقدم في سلم الأولويات على ما عداها من الهويات؛ بل وعندما يُقدم المواطن -أي مواطن- انتماءه لأسرته، أو قبيلته، على انتمائه (لوطنه) يعتبر بالمقاييس الوطنية (مخلاً) بالانتماء الوطني من حيث الأولويات. وهذا- بالمناسبة- ما جعل بعض (الصحويين) المتعصبين يعترض على مفهوم الوطنية، على اعتبار أنه يمس (الأنا) الطائفي.

والهوية مفهوم وافد إلى ثقافتنا، وليس نابعا منها. فهذا المفهوم أتى تعريباً لمصطلح أصله باللغة اللاتينية Identity أي أنه يتحدث عن الأنا (I)، وليس عن الآخر (he)، كان الأقرب أن يُعرب هذا المصطلح إلى (الأناويّة) وليس الهوية.

ونتيجة لهذا (الخطأ) في التعريب التبس -بالتالي- هذا المفهوم على الناطقين باللغة العربية أكثر مما هو ملتبس أصلاً ومختلف عليه في الثقافة التي أنتجته.

وبعد ما تقدم هل لي أن أسأل سؤالاً مؤداه: أي علاقة للهوية -مثلاً- بمصادرة حقوق المرأة الإنسانية، وما هي الانعكاسات السلبية التي ستمس مفهوم الهوية السعودية لو سمح لها بالعمل، أو قيادة السيارة، وهل إذا ارتقت نظرتنا الدونية إلى المرأة مما هي عليه الآن لتصبح أكثر مواكبة للعالم المتحضر سيكون لها أثر سلبي على الإحساس بالهوية لدى الإنسان السعودي؟

وهل إذا استفدنا من أساليب وطرق ومنجزات الحضارة (الغربية) -مثلاً- في التحول من ثقافة الريع والاستهلاك، إلى الإنتاج والخلق والإبداع كما هو الأمر في (الغرب)، أو احترام حقوق الفرد الخاصة، بحيث تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين، وليس لأحد وصاية على الآخر إلا حسب ما تقره الأنظمة والقوانين، نكون قد مسخنا هويتنا؟

ولا أرى التذرع بالهوية اليوم إلا مثل التذرع ب(الخصوصية) في الأمس. فحماة التقليد والتكلس، والانكفاء على الذات، والتقوقع فيها، وعدم مواكبة العالم المتحضر، لن يعدموا الوسيلة في إيجاد ذريعة لتكلسهم، حتى وإن كانت هذه الذريعة لا علاقة لها أصلاً بثقافتنا، كما هي ذريعة (الهوية) التي أتحدث عنها هنا، والتي هي مفهوم (مستورد)، ولا علاقة لها (كقيمة) بقيم أو مفاهيم ثقافتنا التقليدية. فمن المفارقات (المضحكة) أن يرفض هؤلاء المتكلسون الثقافة الغربية، ثم يستوردون منها (فقط) ما يستخدمونه في مرافعاتهم لتكريس التخلف، وعدم الاقتداء بالآخر المتفوق، مثل ذريعة (الهوية) هذه. إلى اللقاء.



لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 6816 ثم إلى الكود 82244

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد