من شدة غيظي، وفرح درويش، ربما، أنه مات عن سبعة وستين عاماً، مذكراً بمدلول الرقم في أقصى احتمالاته العبثية،.. لكن الرقم، على مرارة الفقد، ليس نكسة جديدة، فالنكسة رقم قياسي مكسور منذ احتلال العراق.
ومن حسن الطالع أن الأنباء التي سبقت وفاته، وتحدثت عن موت سريري، جاءت كاذبة، فلا يحتمل العقل أن موت درويش، صانع الجمال، يتماثل مع موت شارون، صانع الموت، أو مسببه. فدرويش هو الذي صنع من الموت الفلسطيني أيقونة، فصور القتل الفلسطيني الذاتي قبل اقتتال الإخوة خطأً كبيراً في القصيدة، وبعده،.. مات.
وللشعر، وفي كل ما يمكن تذكره من شعر درويش يتصاعد عبق العذوبة، الذي تفوق فيه على نفسه، قبل أن يتفوق على رفقائه الشعراء، فارتقى على سلم قصيدته ماحياً كل أثر يقود إلى القصيدة السابقة، وراسماً شيفرة، هو نفسه لا يعرفها، تدل على القصيدة التالية، في دوران تصاعدي أتعب قلب درويش الذي أراد أن يجمع بين قدرات رائد الفضاء ومدمن الحياة، الحياة بكل ميكروباتها اللذيذة التي تجمل الحياة بقدر ما تجعلها خطيرة على صاحبها.
وفي تفاصيل ما عاشه درويش، هنالك ما اختلف هو نفسه على توصيفه، لكنه امتلك مواجهة نفسه والتراجع عما شك فيه، بدءاً من السياسة، إلى الشعر، إلى الحياة نفسها،.. وما كان له أن يكون هو درويش نفسه لولا تلك الجدلية التي رسمت انتماءه السياسي، وتقلباته في المنافي الإجبارية - الاختيارية، وتفوق قصيدته على تفاصيل يومياته كفلسطيني، وهو هُوَ من أنبت في مستزرعه براعم قصائد كل الفلسطينيين بذلك الزخم الذي جعل جملة من الفلسطينيين شعراء كبار لأنهم فلسطينيون، ولأن محمود درويش منهم.
وإذاً، فالحال أن درويش أرَّخ لموته كما لم يؤرخ إنسان وشاعر، بعلامات تفاعله مع الحياة الفلسطينية، قبل المنفى، وفي أثنائه، وبعد العودة، وسيكون له في موته خط يتبعه سابلة الشعر الفلسطينيين، ممن عرفوا كيف حول درويش القصيدة الفلسطينية إلى قصيدة عابرة للغات، بكلا جناحيها، فلسطينيتها، وحمولتها على موهبة درويش، ولا يهم أيهما يأتي أولاً أو ثانياً. فدرويش، بفحولة الشاعر صاغ من كلماته سوراً عالياً احتجز فيه أجمل القصائد، واحتكرها مع أجمل القراء، فحُقَّ له الجمع بين مجد القصيدة النرجسية والقارئ النرجسي، هو الشاعر النرجسي،.. وكما ينبغي لكل شاعر كبير كان يفتتح الكلام بعين سينمائي، فلا تذهب الفكرة بعذوبة اللحن، ولا تطغى الموسيقا على دفء الوجدان، ولا يفصل بينه وبين قارئه سوى تعجل اللسان صوغ اللحن في لحظة الوجد التي تشتهي النهايات. درويش مات كما يموت الناس، لكنه عاش كإنسان بما تيسر من الحرية، فأكمل وحيه الإنساني شعراً، وأخذ مكانه بين فراشات تفتش عن حتفها حول ذبالات المصابيح، وكتب على سجلات أثير سماء هذه الأرض كلاماً هو المجد إن فاته المجد، ووقف في مكانه تماماً بين المتنبي.. والمتنبي، وعلى يمينه ويساره.
علي العائد