Al Jazirah NewsPaper Friday  12/09/2008 G Issue 13133
الجمعة 12 رمضان 1429   العدد  13133

أهيب بقومي
لا عزاء في فقد الأعزاء!
فائز موسى البدراني الحربي

 

في مسيرة حياتنا من الطفولة إلى الكهولة نعبر محطات العمر ومراحله، ونمر بالظروف والمواقف السارة والمحزنة دون أن تتوقف عقارب الساعة، أو تهدأ عجلة الزمن، أو تتعطل حركة الحياة المتسارعة.. نمر بلحظات الفرح أو تمر بنا لكننا لا نتوقف

عندها، ولا نستطيع التشبث بها، فيأخذنا قطار الحياة إلى ما بعدها من محطات.. ننعم ببراءة الطفولة حيناً من الدهر، ونعيش في كنف الأبوين لا نحمل هماً، ولا نتحمل مسؤولية، ونسعد بمحبة من حولنا وتتوثق علاقاتنا ببعضهم حتى يصبحون رموزاً تنغرس محبتهم في كياناتنا العاطفية، وتتحول تلك العلاقة إلى تعلق يكبر مع الأيام، ثم تتخرمهم يد المنون شيئاً فشيئاً، ونفجع بفراق من نحبهم من الأعمام والأخوال والأقارب والأصدقاء، ومن له مكانة في قلوبنا من الحكام والعلماء والأعلام، ويتفاوت وقع الفجيعة من حادثة إلى أخرى بحسب العلاقة بالفقيد ومكانته في النفس، ويبقى الوالدان أعز المفقودين وأكثرهم مضاضة؛ لأن العلاقة بهما ليست كالعلاقة بغيرهما:

وفي السماءِ نجومٌ لا عِدَاد لها

وليس يكسِف إلاّ الشمسُ والقمرُ

فرحيل الوالدين لا يعني رحيل أعز الناس وحسب، ولكنه يعني رحيل رعيل من الأخيار، وحلول جيل محل جيل، ويعني أن من كان مولوداً بالأمس أصبح والداً اليوم، وكما قال أبو البقاء الرندي:

لكل شيءٍ إذا ما تم نقصان

فلا يغر بطيب العيش إنسان

وهذه الدار لا تبقي على أحد

ولا يدوم على حال لها شان

ونزول الأولاد منزلة الآباء يعني الذهاب في طريق العابرين، واللحاق بركب الغابرين:

لما رأيت موارداً

للموت ليس لها مصادرُ

أيقنت أني لا محالة

حيث صار القوم صائرُ

لهذا تتضاعف الفجيعة بفقد الوالدين، وتتكدر النفس لرحيلهما الأبدي، ويعتصرها الألم كلما استعادت الذاكرة شريط حياتهما..

لم يكن وقع الفجيعة سهلاً عندما توفي والدي ضحى الجمعة 17-11-1427هـ، وعندما لحقت به والدتي ليلة الجمعة 9-6-1429هـ أي بعد أقل من سنة ونصف.. ولكن لم يكن أمامي وإخوتي إلاّ الصبر والاحتساب إيماناً بالله، واحتساباً لما عنده، ويقيناً بأن كل نفس ذائقة الموت.

كانت الفاجعة بوالدي ثم والدتي أكبر من أن أرثيهما بكلمة أو قصيدة في حينها، لأن ما سأكتبه أو أقوله لن يفي بحقهما، فقد اجتهدا في تربيتي مع أن الدهر لم يترك لهما مربياً في طفولتهما، وجاهدا في تعليمي وهما اللذان لم تتح لهما الفرصة ليتعلما، ولهذا فقد تمثلت بقول أبي الحسن الأنباري في رثاء صديقه الوزير ابن بقية العباسي:

ولو أني قدرت على قيام

بفرضك والحقوق الواجباتِ

ملأت الأرض من نظم القوافي

وبحت بها خلاف النائحاتِ

ولكني أصبِّر عنك نفسي

مخافة أن أعَدَّ من الجناة ِ

فاكتفيت بما يقوله العبد المؤمن عند نزول المصيبة: (إنا لله وإنا إليه راجعون).. وكان مما زاد من هدوء النفس واطمئنانها صلاح الفقيدين، واستبشار كل من عرفهما بأن ما قدما عليه خير مما تركاه، فتذكرت قول أبي الحسن التهامي في رثاء ولده:

جاورت أعدائي وجاور ربه

شتان بين جواره وجواري

رحم الله والدي ووالدتي، وجبر عزائي وعزاء كل من فقد عزيزاً لديه، ورحم جميع موتى المسلمين، وجمعنا بهم في جنة الفردوس الأعلى، في حياة البقاء بعد الفناء، وهو المستعان..


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد