Al Jazirah NewsPaper Friday  12/09/2008 G Issue 13133
الجمعة 12 رمضان 1429   العدد  13133
مردود السياسة الحكيمة على أمن الأمة
اللواء الركن (م) - سلامة بن هذال بن سعيدان

إن السياسة في مفهومها العام وتطبيقها العالمي لها تأثير بالغ على عوامل القوة الكلية للأمة، لتداخل دوائر استخدامها، وازدواجية نظامها، وعمومية أحكامها، واقتران ذلك كله بالنظر إلى الوقائع والأحداث من زوايا معلومة،..

.. ووفقاً لخطوط نظر مرسومة، يتم التركيز من خلالها على الغايات المطلوبة والوسائل المتوسلة لبلوغ هذه الغايات، دون الاهتمام بالجوانب الإنسانية والاعتبارات الاجتماعية وما يندرج تحت هذا المفهوم من قيم، خصوصاً إذا كان في هذا الاهتمام ما يتعارض مع غاية السياسة والمصلحة المترتبة عليها.

وهذه السياسة وما يضبطها من ضوابط، وتقوم عليه من ثوابت، وكذلك ما تخضع له من مرجعية، وينبثق عنها من توجيهات، كل هذه الأمور تختلف من موقف إلى آخر ومن مستوى إلى الذي يليه صعوداً أو نزولاً ناهيك عن الاختلافات بين الأمم، واعتبار طبيعة السياسة ذاتها تتأثر بما تتأثر به طبائع القائمين عليها، وقد قال نابليون: الحدث لا يحكم السياسة بل السياسة هي التي تتحكم بالأحداث.

وحكمة السياسة وسدادها بالنسبة للأمة ترجع إلى المنهل الذي تستقي منه هذه الأمة مقومات رشدها ولزوميات هديها، وكل ما يترتب على ذلك من استقامة منهجها وسلامة سلوك أبنائها في جميع شئون الحياة، وهذا المنهل هو دستورها الذي تتخذ منه هادياً ومرشداً لها، لتحديد خيارها، ورسم مسارها، كما هو الحال فيما يخص الأمة الإسلامية التي لو أنها تمسكت بعقيدتها واتبعت منهجها بالشكل الصحيح لكان قميناً بهذا الدستور وما بُني عليه من سياسة أن يضمن لها الطمأنينة النفسية والسعادة الروحية، ويحقق لها الأمن والاستقرار في الداخل ويجعلها محترمة، ومهابة في الخارج، وذلك بفضل السياسة المبنية على تعاليم الدين والتي ما اعتنقتها أمة إلا بوأتها منزلة مرموقة بين الأمم.

والسياسة بمعناها الأصيل، ومفهومها المحدد، تُعتبر فناً قائماً بذاته، وهذا الفن بقدر ما يستمد قوته من أصوله ومرجعيته، بقدر ما يستمدها من طبيعة دوره وارتباطه بأعلى سلطة في الأمة كما أن ميدان تطبيقه يجمع بين عدة عناصر، تشكل في مجملها أهم عوامل القوة التي تفسح المجال أمام الأمة لإظهار هيبتها والاتجاه نحو كسب معركتها في الحياة، مجسدة واقع السياسة الحاضرة، ومقدمة الشواهد على حضارة الأجيال الغابرة.

والواقع أن ثمة أربعة عناصر محورية، لا غنى عن توافرها لأية أمة حتى تتحقق لها القوة التي تكفل لها الصمود والبقاء، وتضمن لها التقدم والارتقاء في شتى مجالات الحياة، وهذه العناصر هي: القوة العسكرية والقوة الاقتصادية والقوة السياسية والقوة الثقافية والحضارية، والترتيب التسلسلي لهذه العناصر من حيث أسبقية أهميتها وأولوية اعتماد الأمة عليها مرهون بالظروف وتقلبات الأحوال وملابسات الأحداث، الأمر الذي يجعل وجودها ضمن منظومة القوة الإستراتيجية للأمة أمراً حتمياً، بصرف النظر عن مساحة الحيز الذي يشغله أيٌ منها من الاهتمام على حساب بقية العناصر، والترتيب الذي يحتله كل منها في سلم الأولويات.

ورغم أن السياسة في أحد جوانبها تستند في تنفيذها إلى القوة العسكرية وعن طريق هذه القوة تستطيع الوصول إلى أهدافها وفرض نفسها على أرض الواقع، كما أن القوة الاقتصادية والثقافية تزيد من فاعلية السياسة وتنميها، إلا أن السياسة العليا للأمة هي التي تقف خلف بناء القوات المسلحة، وبفضلها تتمكن الأمة من إقامة صرح ثقافتها والاستفادة من اقتصادها، وعمل كل ما من شأنه جعل هذه القوى في كامل جاهزيتها وأحسن حالاتها على النحو الذي تصبح معه تحت الطلب ورهن الإشارة، وقد قال أحد القادة: ليست السياسة العليا سوى الحكمة مطبقة على الأمور الكبرى.

والسياسة في مفهومها السوي وشكلها القوي، تشترك مع العناصر الأخرى في سبيل جعل الأمة تنعم بأمن التهديد، وما يجسده ذلك من استتباب الأمن، واستقرار السلم وتوفير فسحة من الزمن للإعداد للمستقبل والتفرغ للمساهمة فيما يخدم الأمة ويجعلها تتجه نحو التنمية والتطور، بالإضافة إلى ما توفره السياسة للقوة العسكرية من هامش واسع للمناورة وحيز كبير للمساومة، يمكنانها من استغلال الفرص المتاحة أو فرض الضغوط أو إملاء الشروط من خلال السياسة نفسها.

وبالطبع فإن السياسة إذا ما أدت دورها كما ينبغي انعكس مردود ذلك على أمن الأمة، ومن ثم على القوة العسكرية من جانب، والقوة الاقتصادية والثقافية من جانب آخر، سواء في زمن السلم أو وقت الحرب، فالقوة العسكرية تجد في السياسة ما يساعدها على الاقتصاد في جهدها والاستفادة من وقتها وتجارب ثقافتها، وفي الوقت نفسه يمهد الطريق أمامها لبلوغ أهدافها، في حين يصب ذلك في مصلحة الاقتصاد في النفقات والترشيد في المصروفات، مخففاً هذا الإجراء السياسي من الأعباء المالية والتكاليف الاقتصادية، وما تفضي إليه هذه السياسة من تذليل مصاعب عسكرية، وتوفير مكاسب مادية ذات انعكاسات إيجابية على اقتصاد الأمة وأمنها الوطني.

وليس من شك أن السياسة الفاعلة، تجد فيها الأمة سبيلاً إلى بناء قواتها المسلحة على ضوء المهام المطلوبة منها، والتهديدات المحتملة وكيفية مواجهتها مع متابعة هذه السياسة، وتعهدها من وقت إلى آخر للاطمئنان على مصداقية هذه القوات وقدراتها على الوفاء بالتزاماتها من لحظة تأسيس نواتها الأولى وحتى اكتمال ملاكاتها وانتهاء تدريباتها وجاهزية عناصرها وتطعيمها للمعركة.

وهذه التدابير السياسية تجاه القوة العسكرية، لا تتوقف عند مرحلة معينة وليست مقصورة على زمن بذاته، إلا أنها تنتظم وتيرتها، وتتضاعف حدتها، وتزداد شدتها في وقت الحرب، فضلاً عن أن سياسة القوة ولزومياتها، ينطبق عليها مفهوم السياسة بشقيها الداخلي والخارجي وما يوحي إليه هذا المفهوم من تشابك السياسة الداخلية للأمة مع سياستها الخارجية بشأن قواتها العسكرية، تبعاً للقواسم المشتركة والخطط المتداخلة التي تجمع بين الحالتين، بوصف الأمن الخارجي للأمة لا يقبل التجزئة أو الفصل عن أمنها الداخلي.

وعلى هذا الأساس فإن السياسة الداخلية العادلة تعود على الأمة بالأمن والأمان، وتحصِّن فكر أبنائها ضد الأفكار الوافدة، وما يهدف إليه أصحاب هذه الأفكار من محاولة الإيقاع بشباب الأمة وجرهم إلى ممارسات فاسدة، ينجم عنها تهديد لأمن الأمة، معرضاً إياها للخطر، والسياسة الحكيمة كفيلة بأن تكون درعاً واقياً يحول دون أية اختراقات أمنية، يمكن عن طريقها تهديد الأمة من الداخل على النحو الذي يفتح عليها تهديداً من الخارج، باعتبار أن الأمن الداخلي يُعد بمثابة صمام أمان ضد التهديد الخارجي.

وعلى المستوى الخارجي، فإن العلاقات الدبلوماسية بين الأمم والتعاون المتبادل والمصالح المشتركة، كلها عوامل تؤدي إلى تعميم السلام ونشر الوئام، وتقف في وجه النزاع والتناحر وما تجر إليه من اندلاع الحروب واحتدام الصراعات، وقوة السياسة وحكمتها تلعب دوراً بارزاً في هذا الميدان من خلال إقرار السلام ونبذ العنف وإحلال علاقات المحبة والتعايش السلمي محل السخائم والعداوات والنزعة إلى التوسع وإحياء الثأرات، وعندما تندلع الحرب فإن الحوار السياسي هو السبيل إلى وقفها والعودة بالأمور إلى حالة السلم، كما أن السياسة تحاول دائماً أن تمحو آثار ما بعد الحرب وتعيد الأوضاع إلى سابق عهدها.

وعقد التحالفات والانضمام إلى بعض التجمعات من الخيارات التي لجأت إليها بعض الدول لتعزيز استقلالها وحفظ أمنها، فهناك أحلاف فاعلة تستند إلى اتفاقات دولية، تضفي عليها صفة قانونية وتعطيها صبغة عسكرية مثل حلف شمال الأطلسي، كما يوجد تجمعات خاملة ذات طابع سياسي دون أن يربط بين أطرافها اتفاق له مضمون عسكري مثل كتلة عدم الانحياز، وبين هذه وتلك ثمة نوع من التحالفات التي تقوم على مصالح مشتركة ذات نمط استثنائي، ويتم توثيقها بموجب اتفاقات خاصة ومعاهدات تعاون بعيدة المدى، ومثل هذا النوع الذي يقوم على مصلحة بين أمة وأخرى، يبقى خاملاً حتى تحركه الأزمات وتضعه على المحك التهديدات، عندئذ تفعل المصلحة فعلها، وتُؤتي السياسة الناجحة ثمارها في جعل الحليف القوي يدافع عن حليفه المهدد سياسياً وعسكرياً طبقاً لطبيعة التهديد والموقف الطارئ.

وعادة ما يكون تشكيل الحلف وليد التهديد الطارئ، إذ إنه عندما تواجه الأمة تغيرات إستراتيجية تهدد أمنها، حينها تصبح الحاجة قائمة إلى مثل هذا الحلف، مع الأخذ في الحسبان أن تعدد أطراف الحلف وتفاوت القوة المادية بينها ووجود قوة مسيطرة من ضمنهم، كل هذا يدفع القوة المسيطرة إلى اتباع أساليب متعددة لفرض نفوذها وبسط سيطرتها، محملة الطرف الأضعف أثقل الأعباء والتبعات.

والأمة الواعية تستغل وقتها، وتستخدم سياستها بحكمة بالغة للاستفادة من الحليف القوي في سبيل دعم قواتها العسكرية، وتزويدها بالأسلحة ذات الطابع الحرج والمفعول الردعي التي تكفل لها أمن التهديد على ضوء ما يمتلك خصمها من أسلحة متوسلة لهذا الغرض جميع الوسائل المتاحة والمشروعة، دون أن يكون ذلك على حساب عقيدتها وثوابت دينها وسيادتها الوطنية.

والعلاقات التي تقوم على مصلحة سرعان ما يتنصل منها الطرف الأقوى، وتفقد مفعولها بمجرد حصول هذا الطرف على هذه المصلحة من مصادر بديلة، أو الاستغناء عنها، حيث إن الأثر مقرون بالمؤثر، وبزوال هذه المؤثر يزول معه الأثر المترتب عليه، والعلاقات المبنية على المصالح في الغالب تكون وقتية، وطول عمرها يعتمد على حسابات غير مضمونة، وفي هذا الزمن الذي يسيطر عليه السعار المادي والتعامل والمعاملة فيه تعتمد على المنافع والغاية فيه تبرر الوسيلة، فإن الأمر يستدعي من الأمة الاعتماد على ذاتها وإصلاح حالها ما دام في الأمر متسع قبل أن تجد نفسها في يوم من الأيام وقد أصبحت من الحليف مخذولة وقدرتها مشلولة، ومصائد الخصم لها معمولة.

وفي الختام فإن قوة السياسة تلازم القوة العسكرية ويخدم كل منهما الأخرى في سبيل حفظ أمن الأمة ودرء المخاطر عنها، وفي غياب الأولى يصعب على الثانية إنجاز مهامها وتحقيق أهدافها، والسياسة من هذا المنظور تكشف عن وجهها الحسن وتبرز مزاياها في منأى عن الصورة الدونية التي قد يتصورها البعض عنها.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد