تحقيق - عبدالله الشتيلي
يعتبر السوق القديم أحد معالم الديرة القديمة بمحافظة المذنب بمنطقة القصيم ويقع إلى الشرق من قصر بأهله الذي يرجع لما قبل القرن العاشر الهجري.
وقد ارتبط قصر باهلة بالمسجد وبينهما شارع عرضة 16 ذراعاً وكان باب القصر في مواجهة المسجد الجامع من الناحية الشمالية الغربية وقد خصصت للسوق هذه المساحة التي تعتبر واسعة حسب حجم العمران في تلك الفترة وتم البدء في استعماله بعد وقت طويل من بناء القصر والجامع كضرورة اقتصادية تحتمها المصلحة التجارية وتم بناء البيوت الشرقية الشمالية بعد تخصيصه للبيع والشراء وظل هذا السوق يواصل نشاطه التجاري على مدى القرون الماضية حتى بدأت النهضة العمرانية وانتقل السكان إلى أحياء أخرى وظهرت أسواق حديثه جذبت الناس عن التوجه إليه لبيع الإبل والأغنام وشراء ما يحتاجونه من مستلزمات غذائية وملابس متنوعة ابتداء من عام 1385هـ حتى أصبح أثراً بعد عين عندما تم افتتاح صندوق التنمية العقاري واستقر السكان في أحياء بعيدة عن الديرة القديمة.
العودة للماضي
وكان هذا السوق رغم صغر مساحته يمتلئ بالقادمين من المزارع البعيدة وأهل البادية في كل يوم جمعة حيث يشتري الجميع حاجاتهم من هذا السوق الذي كان يوفر لهم السلع المطلوبة فهو سوق للماشية وخاصة الإبل والأغنام والدواجن والحيوانات المنتشرة على كل جهاته وتتوفر بها المستلزمات التي يحتاجها الناس آنذاك وخاصة ا لقهوة والهيل والسكر والشاي والأرز ونحوها حيث كان مقراً للالتقاء لكثرة من يفد إليه من أطراف المدينة والجهات القريبة منها فهو كان مركزاً اجتماعياً مهماً ومكانا لتواصل بين السكان الذين يحرصون على إكرام الضيوف والوافدين ويتبادلون معهم الأخبار والاطمئنان على الأحوال، وبعد أن هدمت أجزاء كبيرة من الديرة القديمة باعتبار أن معظم منازلها كان أيلاً للسقوط عض الكثير أصابع الندم على ذكريات قديمة في هذه الأطلال التي عفا عليها الزمن تأسفوا على ضياع بعض الرموز العمرانية المتمثلة بالشوارع والشرفات الجميلة، ولكن البلدية حرصت على إعادة الديرة القديمة لسابق عهدها فقامت بترميم بعض المنازل المدرسة القديمة للشيخ عبد الله دخيل إضافة إلى السجن ومسجد قصر باهلة، فقد اهتمت بإعادة السوق لحالته السابقة بترميم أكثر من ثلاثين دكاناً محيطة بالسوق الدائري من جميع الجهات وتم طلاء الواجهات الخارجية لجامع الديرة بما يتلاءم مع البيئة المحيطة به لتتكامل المنظومة العمرانية في هذا المكان الفريد.
تعتزم البلدية بالتعاون مع الهيئة العليا للسياحة إعادة العديد من المنازل القديمة ذات الطراز العمراني المميز وافتتاح بعض الشوارع المسقوفة والتي ستضفي على الديرة القديمة المزيد من الجمال وتعيد لها مكانتها الراسخة في قلوب المواطنين لتعطي زوارها المزيد من المتعة والإثارة وأيضا مما سوف تقوم به البلدية مستقبلاً بعض الأعمال الإضافية إعادة جزء من السور القديم ببواباته الأربع وأبراجه المتعددة وفتح بعض الشوارع الضيقة الملتوية التي كانت مهيأة في الماضي لدخول الدواب وإنشاء متحف تجمع فيه بعض التحف التي يمتلكها بعض أصحاب المحلات الذين يشكرون على اهتمامهم بالتراث ويستحقون كل مايلقونه من تشجيع من الزوار والمواطنين ودعم الجهات الرسمية التي لا تبخل عليهم بما يحتاجونه من خدمات وإنشاءات.
السوق الشعبي
من الملامح الجميلة في السوق الشعبي الجلسة اليومية لبعض كبار السن ممن عاصروا هذا السوق أيام عزه ومعهم العديد من الشباب المهتمين بالتراث والذين يجتمعون يومياً في مجلس على الطراز القديم الذي تعد فيه القهوة والشاي لكل من يأتي إلى هذا المكان الرائع.
قام صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن عبد العزيز أمير منطقة القصيم بافتتاح السوق القديم (جنادرية القصيم) وذلك خلال فعاليات سياحي المذنب 26 في يوم الأحد الموافق 26 - 5 - 1426هـ وكان يرافق سموه صاحب السمو الأمير عبدالعزيز بن فهد بن عبدالله نائب الأمين العام للهيئة العلياء للسياحة آنذاك وقد أعجبوا بما رأوا وشاهدوا حيث أمر سمو أمير منطقة القصيم بتمديد فعاليات السوق لمدة أسبوعين.
استقبل صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز أمير منطقة القصيم وبحضور نائبة صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبد العزيز رئيس بلدية محافظة المذنب الأستاذ فهد بن محمد البليهي وأصحاب المحلات في السوق القديم بالمحافظة وذلك بحضور المدير التنفيذي لجهاز السياحة بالقصيم الدكتور جاسر الحربش وتم خلال الاستقبال تكريم رئيس البلدية وأصحاب المحلات من قبل أمير المنطقة.أقيمت في سوق المجلس القديم عدة فعاليات كان من أبرزها الفعاليات الشعبية لسياحي المذنب (26 - 27 - 28 - 29) والتي لاقت إقبالا من الجميع وشهدت حضوراً جيداً وجدوا الألعاب الشعبية القديمة والمزاد على القطع الأثرية والأمسيات الشعرية لعدد من الشعراء والرواة المشهورين في المملكة.
كما أقيم في جنادرية القصيم المهرجان الشعبي الأول والثاني والثالث والذي يعتبر الأول من نوعه على مستوى منطقة القصيم بل ربما على مستوى المملكة وكان الهدف من هذه المهرجانات ربط الجيل الحالي بتراث الآباء والأجداد وقد لاقت نجاحاً منقطع النظير حيث حضر والأباء قبل الأبناء للمشاركة والتفاعل معه وكان الحضور من جميع مناطق المملكة حيث وجدوا بانتظارهم الألعاب الشعبية والمزاد الأثري والأمسية الشعرية وكان المهرجان برعاية رسمية من رجل الأعمال الأستاذ عبد الله بن فهد المجماج عضو مجلس إدارة الغرفة التجارية بالقصيم. برعاية الدكتور شويمان بن محمد الشويمان. برعاية رسمية من البلدية
مزاد القطع التراثية
تقيم بلدية المذنب مزاداً للتراث أخر أربعاء من كل شهر يحظى بإقبال كبير من هواة التراث على مستوى المملكة ومنطقة الخليج إذ يفد إلية المهتمين من جميع مناطق المملكة وبعض دول الخليج حيث تباع فيه القطع الأثرية النادرة والتي تبلغ قيمتها آلاف الريالات. والمشاهد والمتابع لهذا المزاد يلاحظ أنه يزداد نشاطاً وقوة عن ذي قبل فكثرة مرتاديه وزواره تدل على أنه فرض نفسه ضمن المزادات الموجودة في المنطقة والمملكة عموماً. هناك ألعاب شعبية تقام داخل السوق القديم ومن أهمها (أم تسع - حمد حمد - الجلدية - طاق طاق طاقية -الدنانة - أعظيم ساري) وشهد السوق منذ القدم حركة تجارية تتمثل في بيع أنواع الماشية من إبل وبقر وغنم والإقط والسمن والأرز والقهوة والهيل وخاصة من البادية التي كانت تحضر للمدينة لبيع منتجاتها وشراء ما تحتاجه وفي الوقت الحالي يشهد السوق إقبالاً من الناس كل جمعة حيث يوجد حراج في هذا السوق بعد كل صلاة جمعة يرتاده جميع الناس سواء للعرض أو للبيع.
ساحة الحرف القديمة
قامت البلدية خلال سياحي المذنب 28 وبجهود ذاتية بالعمل على تجهيز ساحة للحرف القديمة وتشتمل على بعض الحرف القديمة وخاصة الزراعة منها مثل (السواني - الدياسة - الختام - البناء -) وقد تفضل صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز أمير منطقة القصيم بافتتاح هذه الساحة وأبدى إعجابه بما شاهد فيها من حفاظ على تراث الآباء والأجداد والسوق القديم أو جنادري القصيم تراث الأجداد وأساس نشأتهم كم يحلو لنا أن نعايش هذا المجد التليد وهذا العبق التاريخي الجميل الذي ترنو إليه النفس ويعشقه الفؤاد وبلغ مكانته المميزة حتى أصبح من أهم المواقع التراثية ليس على مستوى المنطقة فحسب بل على مستوى المملكة حتى نال هذا الموقع مؤخر جائزة الأمير سلطان بن سلمان للتراث العمراني في دورته الثانية وقد تسلمها مؤخراً رئيس بلدية الأستاذ فهد بن محمد البليهي من يد صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان الأمين العام للهيئة العلياء للسياحة وبحضور صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل أمير منطقة مكة المكرمة
قصر الغيلان: ومن ضمن المعالم السياحية التي يرتادها الزوار داخل السوق القديم المجلس المحلي هو قصر الشيخ غيلان عبد الله الغيلان والذي يقع في الديرة القديمة في محافظة المذنب غرب سوق المجلس التراثي وقد تم فتحه مع بداية انطلاق فعاليات صيف المذنب 29 والذي تفضل في تدشينه صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز أمير منطقة القصيم حيث تجول سموه الكريم في الداخل واطلع على بعض ما يحتويه القصر من التراث الشعبي الأصيل ومنذ افتتاحه أمام المواطنين لم يخلُ هذا القصر من زيارات المواطنين والمقيمين وذلك لمشاهدة تلك الآثار التي ما زالت باقية شامخة منذ بنائه وحتى تاريخنا الحاضر وقد ذكر رواة الآثار ممن عاصروا ذلك الماضي أن القصر موجود منذ أكثر من 200سنة قبل توحيد هذه البلاد على يد المؤسس جلالة الملك عبدالعزيز رحمه الله ومما يقوي هذا أن جلالته رحمه الله كان له مخاطبات مع الشيخ غيلان الغيلان وكان ذلك في عام 1350هـ أي قبل أن يتم توحيد المملكة وما زال ذلك الخطاب موجوداً في القصر.
مكونات القصر: يتكون قصر الغيلان من ثلاثة أدوار بني من الطين والخشب وثمانية مواقع ما بين غرفة وصفة والليوان كما يطلق عليها كبار السن وهي غرفة القهوة والتي يستقبل بها الشيخ ضيوفه إما عابري سبيل أو صلح ما بين متخاصمين أو طلاب علم أو كتابة عقود الأنكحة وغيرها من الأمور الكريمة والخصال الحميدة كقضاء حوائج الناس وهي التي كان يتمتع بها فضيلته رحمه الله0
القبة: وهي يوجد فيها الرحا التي يطحن فيها القمح والذرة والعيش، وكذلك يوجد بجوار القبة غرفة صغيرة تحت الدرج وتسمى في الماضي (بيت الدرجة) إضافة إلى غرفة خاصة تستخدم للنساء لمن هن على مشارف الولادة والعناية بهن بعد الوضع وذلك لحماية المرأة وابنها من الأمراض والضجيج وعوامل المناخ التي تحدث في أيام السنة.
المجبب: وهي غرفة مسقوفة ومحاطة من ثلاث جهات ومفتوحة من جهة واحدة على فناء صغير يسمى في الماضي (حوش) حيث يكون مستراح للشيخ ومكان يجتمع مع جميع أفراد أهله وأسرته بعد أن يقضي أعماله اليومية المتعلقة بمصالح الناس ويوجد في هذا الفناء الصغير التنور والقربة ومكان خاص للتغسيل والاستحمام وخاصة (العريس) وهو على زاوية جدار القصر وهو على شكل حوض وكذلك يوجد مكان خاص لطبخ الولائم سواء كانوا ضيوفاً أم خصوماً ويوجد في هذا القصر غرف للنوم وغرفة للعروسة مع وجود بعض المحتويات القديمة مثل السحارة وهي للملابس وكذلك وجود رف خاص لأدوات الزينة والطيب من بخور وغيره وهي للرجل والمرأة.
المرزق: وهو المكان المخصص لحفظ الأطعمة وتخزين أدوات الزراعة الخاصة بالشيخ كما يوجد بجانبه غرفة كبيرة وتسمى الجصة يضع فيها الشيخ ما يفد إليه من المزارعين من الإسبال والزكاة لطلاب العلم والفقراء والصائمين في شهر رمضان، ويوجد مطبخ في إحدى زوايا القصر يحتوي على الأواني الخاصة بالطبخ والأكل وبداخلها الجصة التي يستخدمها الشيخ شخصياً له ولأهل بيته، أما الدور الثاني فيوجد فيه أكثر من خمسة مواقع أثرية ما بين صفة وغرفة ومجلس وفي إحدى الغرف وجدت أنها تستخدم لتقفير وتخزين اللحم بطريقة التشريح والتمليح والنشر وتسمى بالقفر لكي يتم تخزين اللحوم الزائدة حتى لا تفسد وعدد من الغرف التي تخص الشيخ وأبنائه وأحفاده حتى أنه يذكر أن هذا القصر كان يحتضن أكثر من خمسة عوائل في الزمن الماضي لعائلة الشيخ وأبنائه وأحفاده 0
الآن وما زال هذا القصر قائم ببنيانه شامخاً في قوة آثاره التي ما زالت موجودة حتى يومنا هذا وقد حظي هذا القصر بزيارة لعدد من المسؤولين وعدد من المواطنين من محافظة المذنب ومحافظات القصيم ومدن مملكتنا ومن رعايا دول الخليج وقدر عدد زائريه في اليوم من خمسمائة إلى ستمائة شخص ومن المواقف التي شوهدت فيه أن أحد كبار السن حينما دخله لم يتمالك نفسه حيث انهمرت الدموع وسط ذهول زائريه لأنه أعاد له شريط ذكريات الماضي ولكنه أعادها بدون أهله وأصحابه حيث تفاعل معه عدد من زوار المتحف رغم فوارق السن فيما بينهما ولكن تبقى ذكريات الماضي عالقة في أذهانهم حلوها ومرها 0
علماً أن المشرفين على المتحف هم الأستاذ علي بن عبد الله العويد والأستاذ فايز بن عبد الله النصار والأستاذ إبراهيم بن سعود الخميس ومازال يحتفظ بطابعة القديم عبر السنين الماضية وهو يحتل الجهة الغربية من السوق الشعبي.