Al Jazirah NewsPaper Saturday  27/09/2008 G Issue 13148
السبت 27 رمضان 1429   العدد  13148
حديث الاسبوع
أسهم الأسبرين..هـبوط وصعود
د. محمد غياث التركماني

الأدوية كالبشر، منها ما يناله من قسمة الحظ قسط كبير، ومنها ما يبتعد عنه الحظ قليلاً أو كثيراً. والأدوية كسوق الأسهم أيضاً، يختلف رسمها البياني صعوداً وهبوطاً من حين لآخر.

واليوم سأتحدث معكم عن الدواء الأكثر شيوعاً في العالم ألا وهو (الأسبرين)، ذاك الدواء المعروف والمشهور الذي مضى على اكتشافه سنوات طوالاً، وقلَّ اليوم من الناس من لم يسمع باسم الأسبرين، أو من لم يستعمله، خاصّة لدى من تعدّى الأربعين من العمر. وللأسبرين هذا الذائع الصيت فوائد ثابتة ومعروفة، منها ما عرف قديماً ومنها ما اكتُشف حديثاً، وربما كان منها من لم نعلمه بعد. أما مجالات استعماله فهي كثيرة ومتنوعة. وللأسبرين كغيره من الأدوية تأثيرات جانبية ومضاعفات؛ فهو يزيد من احتمال حدوث النزف بتأثيره على الصفيحات الدموية وعوامل التخثر، كما أنه يحدث التهاباً في الغشاء المخاطي للمعدة. ومع ذلك فإن فوائده أكبر بكثير من مضاره. ومن هنا كان الاستعمال الواسع لذلك الدواء الذي انتشر بين الناس انتشار النار في الهشيم.

إلى أن جاءت الضربة القاصمة التي كسرت ظهره وأصابته إصابة أساءت إلى سمعته وجعلت بعض الدول تصدر تشريعات تحذر من خطورة استعماله. وسبب الضربة هذه هو اتهامه بإحداث مرض يدعى متلازمة (راي REY)، وهو باسم الطبيب الذي وصفه أول مرة. وهذا المرض يحدث لدى الأطفال عادة ويظهر على هيئة زكام عادي بسيط أو التهاب معوي أي على هيئة التهاب فيروسي.

ويتجلى المرض بإصابة كبدية شديدة تؤدي إلى عجز الكبد عن تخليص الجسم من السموم؛ ما يؤدي إلى أذية الدماغ وتسمم خلاياه فيحصل السبات ثم الموت. وما زلت حتى يومي هذا أذكر طفلاً قريباً لي توفي في المستشفى التي كنت أعمل بها عندما كنت طالب طب متدرباً في سنة الامتياز متأثراً بإصابته بذلك المرض، وكان الطفل يومها وحيد والديه.. ولست هنا اليوم في صدد تأكيد دلائل الاتهام وقرائن الإثبات، لكنّ تلك القرائن قد ثبتت رسمياً حيث إن اللجان الموكلة بدراسة دور الأسبرين في إحداث مرض (راي) أصدرت رأيها القائل: إنه رغم قصور الدراسات، ورغم عدم الوصول إلى نتائج أكيدة، فللأسبرين دور ما في إحداث هذا المرض، ولذلك كان من الضروري جداً تحذير الناس عند استعماله خاصة في حالات الإنفلونزا والالتهابات المعوية وجدري الماء عند الأطفال والالتهابات الفيروسية الأخرى؛ خشية أن يؤدي استعماله إلى حدوث مرض (راي) القاتل.

اليوم تغيّر الحال قليلاً، وأصبح الوعي الطبي أكثر نضجاً وانحسرت حالات مرض (راي). فبعد أن كانت حظوظ الأسبرين ضعيفة منذ عقدين من الزمن وأصابه ما أصابه من اتهامات، عاد اليوم الأسبرين لتعلو أسهمه من جديد وغدا واحداً من أكثر الأدوية استعمالاً في مجالات طبية متنوعة ومختلفة.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد