Al Jazirah NewsPaper Sunday  28/09/2008 G Issue 13149
الأحد 28 رمضان 1429   العدد  13149
السلامة المرورية قضية الجميع
صالح بن محمد السبتي

الكثير منا يعلم أننا في المملكة من أعلى دول العالم في حوادث المرور -إن لم نكن أعلاها- وأغلبنا -بل أكاد أقول كلنا- فقد على الأقل صديقا أو زميلا أو قريبا في حادث مروري. وكثير ممن لم يقضوا في تلك الحوادث أصيبوا بالشلل أو بإعاقات دائمة أخرى، ضيعت الكثير من أحلامهم وآمالهم، وأضافت الأعباء على أهليهم ومجتمعهم والاقتصاد الوطني.

كل هذا يحدث، ونحن نتعامل معه، أو لا نتعامل معه، كالمتفرجين.. نتحدث عن السلامة المرورية في مجلس عزاء ضحية حادث مروري، وبعد أسبوع ننسى كل شيء. كل منا يتهم الآخر بالتقصير.. نتهم سائقي سيارات الأجرة، الذين يفاجئون السائقين بالتوقف لأجل راكب.. ونتهم الأطفال الذين يرون في الطرق مسرحا للتسلية.. ونتهم الإدارة العامة للمرور بأنها لا تفعل شيئا لحماية الأرواح، رغم أننا نفعل ما نستطيع للشفاعة لديها لمخالف لنظام المرور يعز علينا.

كما أننا نذم الآخرين على مخالفاتهم المرورية، ونفعل الشيء نفسه عند الحاجة (التي لا تنقطع) ونبرر ذلك لأنفسنا.. فتجاوز إشارة المرور الحمراء سلوك مشين، إذا فعله الآخرون، رغم أننا نفعله عند الحاجة (التي تتكرر). وقس على ذلك المخالفات المتعلقة بتغيير المسارات على الطرق السريعة بشكل غير نظامي، ومخيف في كثير من الأحيان، أو الالتصاق بالسيارة التي أمامك على طريق سريع، أو السماح لابنك، الذي يقل عمره عن السن النظامي، بأن يقود سيارة على الطرق العامة، وغير ذلك. والتوسط لإخراج مخالف مروري من الحجز عمل سيئ في نظرنا، ولكننا، كما أسلفت، نسعى إليه عند الحاجة.

يبدو أننا لم نع خطورة حوادث المرور بعد، رغم الإحصائيات المخيفة، والمآسي الإنسانية، والمستشفيات المليئة، والمقابر التي تتزايد وتيرة زياراتنا لها. حوادث المرور تيتم الأطفال، وترمل النساء والرجال، وتقضي على الأحلام، وتضيف أعباء على ذوي المتوفى أو المعاق، بشكل يقلل من مستوى معيشتهم، خصوصاً إذا كانوا من محدودي الدخل، ويؤثر سلبا على حياة البشر من كل الفئات.

رفع مستوى السلامة المرورية هدف جماعي يحتاج إلى تضافر الجهود لتحقيقه. فلابد من رفع مستوى هندسة الطرق، والتأكد من كفاءة السيارات التي تمخر عباب طرقنا وشوارعنا، ورفع مستوى السائقين، والشدة والدقة في تطبيق نظام المرور.

ولابد أن يصاحب كل ذلك حملات توعية مركزة لتنقلنا من ثقافة مرورية إلى أخرى، لنعتبر طرقنا وسائل للتنقل الآمن، لا ميادين للسباق. ولنحسن التعامل مع بعضنا البعض خلال قيادة سياراتنا، وليتوقف الشباب عن استخدام الطرق للترفيه عن أنفسهم، خصوصاً في أوقات الذروة.

التوعية المرورية واجب على الجميع، يقع على عاتق فئات كثيرة، منها البيت، والمدرسة، ووسائل الإعلام، والعلماء، وأئمة المساجد، وبخاصة في خطب الجمع.

فعلى الآباء والأمهات أن يتحملوا مسؤولياتهم، بدلا من أن يرموا الآخرين بها، وعليهم أن يتصرفوا مع أبنائهم بعقلانية، وأن يتذكروا أن من الحب ما قتل. وكما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته..) الحديث.

كما يجب على أئمة الجوامع أن يتذكروا أن ذلك الموضوع من الموضوعات التي لا يجب أن يتحدثوا عنها في خطبة واحدة فقط، بل عليهم أن يكرروا الحديث عنها، فالحفاظ على الأنفس والممتلكات من الأهداف التي جاء ديننا الحنيف لتحقيقها. ومن المفارقات هنا أن كثيرا منا يرتكب مخالفة مرورية شائعة أثناء الصلاة، وخصوصاً صلاة الجمعة، وهي إيقاف سيارته بشكل غير نظامي أثناء الصلاة، بشكل يمنع أي مضطر من أن ينطلق بسيارته المخنوقة للتعامل مع ضرورته. كل ذلك لأن ذلك السائق المخالف لا يريد أن يمشي عددا قليلا من الأمتار إلى المسجد. فمن العجب أن يطيع العبد ربه ويعصيه في وقت واحد.

أما وسائل الإعلام وكتاب المقالات فما عليهم إلا أن يحللوا مضمون وسائل الإعلام ليدركوا أن موضوع السلامة المرورية لم يعط حقه الكافي من الاهتمام الإعلامي، في حين أن بعض الموضوعات التي تنشغل بها وسائل الإعلام ليست بأهميته. كما أن بعضها يعتبر مضيعة وقت لكاتبه وقارئه.

الموضوع ذو شجون، فحوادث المرور تزهق آلاف الأنفس وتبدد بلايين الريالات من الممتلكات سنويا، وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد