هوليوود - محمد رُضا:
خلال أسابيع قليلة، ينطلق الفيلم الجديد للمخرج كلينت ايستوود وعنوانه (استبدال) Changeling إنه الفيلم الواحد والثلاثين منذ أن بدأ إنجاز الأفلام عوض الاكتفاء بتمثيلها- أي من العام 1971 حينما أخرج الدراما العاطفية - التشويقية التي شهدت بذور موهبته الحسنة في إدارة نفسه وإدارة ممثليه والفيلم بأسره وهو فيلم Play Misty For Me في فيلمه الجديد هذا يعود ايستوود إلى الواجهة بعمل درامي يسبر فيه غور قضيّة اجتماعية وأسروية.
مرّة أخرى، ينجح في اختيار موضوع غير مطروق كما هي حاله في أفلامه الأخيرة من (ميستيك ريفر) إلى (رايات أبائنا) مروراً بـ (مليون دولار بايبي) ناكشاً في سمعة بوليس مدينة لوس أنجيليس من خلال أحداث واقعية مؤرقة.
أحداث الفيلم الجديد مأخوذة عن وقائع محفوظة من العام 1928 في أرشيف المدينة وتبدأ حين تعود في الموظّفة كرستين (أنجلينا جولي) من عملها في شركة اتصالات إلى بيتها فلا تجد وحيدها الصغير وولتر (غاتلين غريفيث). تبلغ البوليس، ممثلاً بالكابتن ج.ج. جونز (جفري دونوفان)، عن اختفائه. بعد خمسة أشهر، تتصل بها وتعلمها أنه تم العثور على ابنها في ولاية إيلينوي وأنه سيصل إلى محطة القطار قادماً وأن الصحافة ستكون هناك لتسجيل لحظة لقاء الأم بابنها الوحيد.
المفاجأة التي تنتظر كرستين على محطة القطار مختلفة عن تلك التي في بالها فالصبي الذي جيء به ليس ابنها. ومع أنها تعلن ذلك من اللحظة الأولى غلا أن البوليس يؤكد لها أن هذا ابنها وربما يكون خطأها في التعرّف عليه ناتج من ابتعادها عنه لخمسة أشهر. لكن كرستين في مواجهات متعددة تصر على رفض اعتبار الصبي الغريب ابنها وتخبر كابتن جونز ذلك. لكن الكابتن، وفي موقف غريب، يصر بدوره على أنها على خطأ ويتجاهل الشهادات التي أدلى به طبيب الأسنان والطلاب في مدرسة ابنها. وإزاء إصرارها على موقفها يطلب منها التوقيع على تخليها عن قضيّتها وحين ترفض يأمر بإدخالها المصح النفسي لإثبات أنها مجنونة.
خلال كل ذلك، كان التحري لستر (مايكل كَلي) يحقق في بلاغ مختلف ينتج عنه إلقاء القبض على صبي يعترف بإشتراكه في قتل أطفال حبسهم مجرم في مزرعته النائية هذه القضية تدلف على الأولى بعد أن تم إلقاء القبض على المجرم في الوقت الذي يتم فيه إطلاق سراح كرستين بفضل المبشّر غوستاف (جون مالكوفيتش) الذي تبنّى موقفها وناضل من أجله. كرستين حتى استطاع إخراجها من المصحّة فرفعت دعوى ضد البوليس تواصل حربها ضد فساد البوليس فترفع قضيّة ضد الكابتن ورئيسه (وتربحها) فيُحالان فيها الكابتن ورئيسه المتواطئ إلى المحكمة، بينما يستمر سعي كرستين لمعرفة ما حدث لابنها وذلك إثر لقائها المجرم في زنزانته، وقبل تنفيذ حكم الإعدام به، لكي تسمع منه إذا ما قتل ابنها أم لا.
ليس فقط أن السيناريو (كتبه ج. مايكل ستراجينسكي) مشغول بطريقة محترفة لا تخفي أريحيتها لنقد الأوجه المختلفة التي يتعرّض إليها الفيلم خصوصاً حيال نظام البوليس الفاسد والعنف الموجّه ضد الأولاد ثم فساد الإدارة في الجسد الطبّي أيضاً، بل هناك الانتقال الجيّد من كل هذه القضايا من دون أن يستولى جانب على آخر. كما هناك الإدارة المُحكمة والعلوية لمخرج متمرّس بات كل شيء لديه سهل. تخال إيستوود أخرج الفيلم مغمّض العينين. يعرف كيف يرسم ويصمم وينفّذ ويوصل المعنى الكامن في كل مشهد، ثم كيف يترك تأثيره على المشاهدين وبأي جرعة. كما يجيد استخراج إداءات من ممثليه من دون منحهم المزيد من المشاهد المتخصصة. بما هو متاح، مثلاً، لشخصية التحري لستر، تستطيع أن تقرأ في شخصيّته كل ما تبحث عنه من معلومات. نعم إنها مهمّة الممثل الجيّد لكنها أيضاً مهمة المخرج الذي لديه الخبرة في المجال نفسه.
المحور الثابت
ما يجعل من الفيلم عملاً بالغ القيمة مسائل عديدة من بينها المادة المختارة ثم ما يفرضه المكان (مدينة لوس أنجليس) والزمان (العشرينات) من شروط فنية. وبفضل كاميرا من مصوّره الدائم توم ستيرن وتصميم مناظر ملتزم بالنص من جيمس ج. موراكامي ينجح المخرج في تقديم صورة خاصّة لم نشاهدها من قبل في الأفلام التي تعرّضت للمدينة في تلك الفترة أو بعدها قليلاً مثل Black Dhalia, L.A Confidential, Molholland Falls ليس فقط حكاية كرستين الصعبة داكنة، بل المدينة نفسها تحمل وزر أيام سوداء قاتمة بذاتها.
أسلوب ايستوود الرصين والملم جيّداً لا يفتأ يشهد لصالح سينما قديمة آيلة للاندثار. يعمل بشيفرة هوليوود الكلاسيكية التي هو من بين آخر من لا يزال يعمل فيها. يتعلم المشاهد من الفيلم كيف أن كل لقطة تبني الدراما التي في المشهد، ثم كيف أن كل دراما يبني الفصل وكل فصل يبني الفيلم، ما يمنح الفيلم قيمة لا نجدها في معظم الأفلام الأخرى هذه الأيام.
ينتقل الفيلم ما بين التحقيق والدراما العائلية ونوع المحاكمات، لكن المحور الثابث، ولو في الخلفية، في كل هذا هو موضوع الأولاد الذين يُساء إليهم كما كان حال موضوع فيلم ايستوود الأسبق Mystic River.
تقدم أنجلينا جولي ترجمة مرضية للشخصية التي تقوم بها. قابلة للتصديق إلى حد مُرض وإن غير كامل. بعض المشكلة يكمن في أن الأحداث تنتقل بها إلى مواقف عليها فيها أن تكرر ما سبق أن قدّمته قبل قليل (المقابلات بينها وبين كابتن البوليس، ثم المواقف بينها وبين الطبيب الذي يريد إثبات حالة جنون ليست عليه). الشخصيات المساندة كلها جيّدة والمرء يتعلّم الكثير من الفيلم وهو يرقب كل لقطة على حدة بالعلاقة مع السيناريو والمونتاج (أيضاً الملازم لأعمال ايستوود جوول كوكس مع إضافة غاري د. راوتش).
الإجادة والشهرة
حين وجد كلينت ايستوود، قبل 49 سنة مضت، الفرصة سانحة للفوز بدور ثابت في مسلسل تلفزيوني، لم يتأخر وسارع إلى اقتناصها. كان أمضى أربع سنوات من العمل في الظهور في الأفلام بأدوار ثانوية، وفي كثير من الأحيان بلا اسم. إنه مساعد في أحد المختبرات في فيلم (انتقام المخلوق) وبحار في صف متأخر وبضعة مشاهد من فيلم (فرنسيس في البحرية)، ثم مساعد في مزرعة في فيلم وسترن بعنوان (رجل القانون) ثم مسعف طبّي في فيلم ( إلى البعيد كل القوارب) وفي فيلم (العنكبوت) يظهر (بلا اسم في العناوين) كقائد طائرة حربية أميركية تقصف العنكبوت العملاق الذي كان هرب من المختبر صغيراً ثم كبر خارجه بفعل الإشعاعات النويية التي أصابته رئيس في شركة كولمبيا أخبره بصراحة: لديك تفاحة آدم كبيرة في عنقك لذلك لا تتوقع أن تصبح ممثلاً معروفاً).
ليس أن كلينت ايستوود أصبح ممثلاً معروفاً فقط، ولا حتى أنه تحوّل إلى نجم أميركي ساطع، بل أصبح أيضاً واحداً من أهم المخرجين في عصره وأحد السينمائيين القلائل المتواجدين الذين يعملون ضمن شيفرة السينما الهوليوودية القديمة. كيفما نظرت إلى كلينت، وجدته سينمائياً يجمع بين ناحيتين مهمّتين: الإجادة الفنية والشهرة الكبيرة. وكل تدلف إلى الأخرى وتستفيد منها المسلسل الذي وجد ايستوود نفسه فيه هو Rawhide وهو وسترن انطلقت حلقاته سنة 1959 ولم تتوقّف الا مع نهاية العام 1965 وهذه فترة ناجحة في مقاييس العمل التلفزيوني لا نزاع عليها. كلينت لم يكن بطله، لكنه كان شريكاً في البطولة. كان الثاني في بعض حلقاته والثالث في بعضها الأخرى، وفي سنوات لاحقة أصبح الأول في قسم ثالث منها تفاحة آدم كانت ظاهرة، لكنها لم تكن معيقة. من يراه في تلك الحلقات التي تدور دائما حول قطيع كبير من الماشية على رعاة البقر قيادتها من نقطة إلى البرية ضمن سلسلة من المخاطر المختلفة، يجده يلعب شخصية الشاب المتمرّد الذي يريد دوماً مجابهة العدو أو الذي يحث على حل غير سلمي في نزاع ما.
ثلاثية ليوني ورباعية سيغال
إنه من المثير للملاحظة كيف أن إريك فلمينغ، البطل المسمّى لتلك الحلقات الذي لعب دوماً شخصية قائد القافلة المتحمّل لمسؤوليّتها لم تتح له الشهرة. لم يستطع اتخاذ المسلسل كمنصّة انطلاق ولم يتعدَّ عدد المرات التي مثل فيها للسينما أكثر من خمسة مرّات، في حين سطا كلينت على تلك الحلقات بشخصيته الوثّابة طبيعياً وانتقل منها إلى ما ألّف لاحقاً كل ذلك التاريخ الطويل من الأعمال ممثلاً ومخرجاً.
ايستوود تستطيع تقسيم أفلامه إلى نوعين غالبين: الوسترن والبوليسي من (روهايد) الوسترن إلى ثلاثية سيرجيو ليوني الوسترن التي شملت A Fistful of Dollars سنة 1964 ثم شملت For A Few Dollars More و The Good, The Bad and the Ugly بناءً على النجاح الكبير الذي حققه الفيلم الأول ثم الثاني هذه الأفلام تطلّبت من ايستوود ترك الولايات المتحدة إلى إيطاليا، لكن حين شارفت المرحلة على الانتهاء، كان عاد إلى هوليوود نجماً محبوباً ليجد نفسه في سلسلة من الأفلام التي لا بد من القول إنه أحسن اختيارها لأن كلاً منها حقق نجاحاً يفوق الذي سبقه أو - على الأقل - يدعمه.
بعد ثلاثية سيرجيو ليوني وجد كلينت ايستوود نفسه في أربعة أفلام من إخراج الأميركي دونالد سيغال تمازجت بين الوسترن والبوليسي. في القسم الأول نجده في (المخدوع)، حيث ايستوود جندي جريح من جنود الشمال خلال الحرب الأهلية تكتشف وجوده مجموعة من النساء اللواتي يعشن حياة قريبة من الرهبنة، ثم في (بغلان للأخت سارا) لاعباً شخصية مشابهة لشخصيته في أفلام ليوني، حيث يعمل من أجل المال وحده وعلى هذا الأساس يساعد شريكته في البطولة (شيرلي مكلين) الوصول إلى الثروة التي كانت تبغي الوصول إليها متخفية في ثوب راهبة.
في الجانب البوليسي من الأفلام، هناك (خديعة كوغان)، عن ذلك البوليسي الكاوبوي الذي ينتقل من صحراء أريزونا إلى مدينة نيويورك ويفرض طريقته في العمل على شرطة المدينة، ثم هناك أشهرها على الإطلاق الذي بدأ سلسلة قائمة بذاتها وهو Dirty Harry.
تجربة مرّة
ليس أن دونالد سيغال كان المخرج الوحيد الذي كان على ايستوود التعامل معه، بل رأينا عدداً آخر من المخرجين (بينهم مايكل شيمينو، جون ستيرجز، جوشوا لوغن، برايان هاتون) يختارونه في سلسلة من الأفلام معظمها الكاسح ناجحة (استثني (أدهن عربتك) لجوشوا لوغن الذي كان اختيار ايستوود الخطأ الوحيد والأكبر إلى اليوم).
لكن ما لم يكن معروفاً آنذاك، ولم يكن واضحاً على الإطلاق، كيف أن هذا الممثل ذي الحنجرة النابقة خطط سريعاً للسيطرة على مهنته عبر ثلاثة خطوات رئيسية: اختيار الأفلام التي تعكس شخصيّته القويّة (وفي ذات الوقت المعرّضة لسخريته الخاصّة منها) وتأسيس شركة إنتاج ما زالت نشطة إلى اليوم و- فنياً الأهم - الانتقال من أمام الكاميرا إلى خلفها ليصبح المخرج الذي يسيطر أيضاً على المقدرات الفنية للعمل ويؤمن شروطها حسب الرؤية التي يريد.
ايستوود لم يدع الوقت يمر هباءً. بعد سنواته الأولى ممثلاً انتقل إلى ممارسة دوره منتجاً ومخرجاً أيضاً وخطّته كانت تقتضي لا الانتقال فقط من بين أنواع مختلفة، لكن أساساً اختيار الأنواع بنفسه لأنه لم يكن مؤمناً بأنه يريد الكوميديا لذاتها ولم يكن مهتماً ليجد نفسه في فيلم رعب أو فيلم موسيقي آخر كالفيلم الذي سيق إليه (أدهن عربتك) أكثر من ذلك، تفيدنا النظرة إلى أفلامه في الستينات والسبعينات إلى أنه كان يخطط لأن لا ينطفأ نجمه سريعاً.
أمر آخر نجده من مجرد ملاحظتنا لأعماله منذ تلك الفترة وهو ابتعاده عن تناصف البطولة مع نجم آخر لقد فعل ذلك مرّات قليلة في حياته وتعلّم درساً من المرّة الأولى حين كان لا يزال في مطلع عهده بالنجومية. في البداية، حين كانت شهرته ما زالت طازجة اضطر للتمثيل مع نجوم آخرين منهم رتشارد بيرتون في الفيلم الحربي (حيث تجرؤ النسور) وأمام لي مارن في (أدهن عربتك) لكن قراره بعدم مناصفته البطولة جاء سنة 1969 حين لعب بطولة (بغلان للأخت سارا) فخبر أي نوع من النساء كانت شيرلي مكلين، التي كانت - حسب شهود عيان - من عدم الثقة بنفسها والاعتقاد بأنها الأولى في الفيلم أمام هذا الطارئ الجديد بحيث حوّلت العمل إلى جحيم مخرج الفيلم دونالد سيغال علّق على ذلك قائلاً: (لم أتوقع ولم يتوقّع كلينت ايستوود أن تكون شيرلي مكلين على هذه الدرجة من العداء). من يومها امتنع ايستوود، وقد خرج من هذا الفيلم ومن سواه نجماً (في حين خبا نجم مكلين فيما بعد) عن مناصفة البطولة ولم يتراجع عن قراره ذاك الا حين تمنّى عليه بيرت رينولدز تحقيق فيلمهما الوحيد معاً وهو (حرارة المدينة) سنة 1984م. هذا الفيلم الذي كان من إنتاج شركته، لم يكن من إخراجه، بل تصدّى له ممثل فاشل انقلب مخرجاً فاشلاً اسمه رتشارد بنجامين.