Al Jazirah NewsPaper Saturday  11/10/2008 G Issue 13162
السبت 12 شوال 1429   العدد  13162
يومي الأول بالمدرسة السعودية
فوزية البكر

اليوم سأكون مضطراً للذهاب إلى المدرسة بعد تمدد صيفي أسطوري تجاوز في بعضه أربعة أشهر.

سيكون عليّ أن أستيقظ باكراً كما لا أحب ولا شهية لي في العادة عند الصباح لتناول أي إفطار وتبدو عيناي مغلقة تماماً بفعل السهر والنعاس.

جميعنا حضرنا في ذات اليوم.. المعلمون والإداريون.. وعمال النظافة وحتى حارس المدرسة الذي عاد من قريته ليلة البارحة.. ومئات الطلبة الذين يبدؤون عامهم الجديد في وجل، لا أحد فيما يبدوا يعرف ماذا يفعل.. حضرت مبكراً لكن الكثير من الطلبة جاؤوا متأخرين ولم يكن هناك التزام واضح بأي طابور.. فلا أحد يعرف أين فصله ومن هم رفاق هذه السنة ومن معلميه وهل وصلت الكتب المدرسية أم لا.

هكذا وجدت الوقت الكافي لأكتب في هدوء عن تجربة اليوم الأول في مدرستي دون أن يعيرني أحد انتباها فلا أحد يعرف ما يفعله طالب هنا وهناك. خاصة والجداول لم توضع بعد للفصول والمراحل المختلفة ولا للمعلمين بالطبع وبذا فإنني وبغبطة شديدة أتوقع أسبوعاً حافلاً بالفوضى العامرة مما سيضمن أن يأخذ الطلاب (الدائخون) بفعل اضطرابات النوم قسطاً لا بأس به من النوم يقيهم شر الوقوع واقفين حتى يعودوا إلى منازلهم فيخروا صرعى لنوم متواصل حتى يشق أذان المغرب الآفاق.. التراب يعلو كل شيء وفوضى بعض قطع الأثاث المدرسي تحتل جزءاً من الممرات وحين فتحنا المكيف في الفصل قذف في وجوهنا بذلك التراب المحشور لأشهر أربعة لتبتلعه حلوقنا وتبدو رموشنا أطول وأوضح بفعل الغبار، لا تبدو وجوه المعلمين مرحبة أو فرحة أو مرتاحة بعد كل هذه الإجازة الطويلة ولا تختلف أشكالهم وعيونهم النصف مغمضة عن طلبتهم بل ربما بدوا أكثر إرهاقاً فقد اضطروا للاستيقاظ أبكر منا لإيصال أبنائهم وزوجاتهم حيث يدرسون ويعملون.

تمتلئ غرفة المدير بالإداريين والمدرسين للسلام والتهاني بالعيد وتمتد الأحاديث الجانبية لتشمل ما حدث في الصيف والتوقعات للترقيات أو الندب أو برامج التدريب التي تعتزم الوزارة فرضها على المعلمين وماذا يهمهم جميعاً فالبال مرتاح والراتب نازل نازل أتدربوا ولا لا....

أعطونا نفس الوجبة البايتة من المواد والواجبات أو غيروا فيها شوي عشان الموجه يكتب في تقاريرهم فيحصلون على الامتياز في التقرير السنوي والذي سيحصلون عليه بأية حال كما لا يضيرهم أي تغيير فيه فلن يؤثر على رواتبهم أو ترقياتهم السنوية.. إنه فقط لحفظ ماء الوجه فيما لو اطلع أحد على ملفاتهم.

ونحن.. الطلاب.... ما هي أدوارنا في المدرسة الموقرة....؟.

أن نحاول الحضور مبكراً.. أن نمثل دور المنصت للملقن الذي سيفتح الكتاب المدرسي بعد أن تهدأ حمي البدايات ليقرأ منه ثم يبدأ تمثيل لعبته التعليمية بأنه يقوم بتدريبنا عن طريق نقل نفس التمرين الرياضي الموجود في الكتاب المدرسي وشرحه لنا على السبورة أو القاعدة النحوية ونردد نفس أمثلة الكتاب وربما نكتب بعض الملخصات في الدفتر إذا خشينا من متابعة المعلم الذي ينجح في الغالب في إنهاء حصته في زمن قياسي يحسده عليه كل معلمو العالم فشرح الدرس لا يستغرق أكثر من خمس عشرة إلى عشرين دقيقة تنتهي فيها مهزلة التلقين، أما نحن فليس علينا أن نبذل أي جهد فنحن نعرف ما يجب عمله إذا أردنا عبور السنة بسلام.. فمعلمونا غاية في الروعة والتفاني وهم لا يتركون شاردة ولا واردة في ثنايا الكتاب مما قد يطرأ في الامتحان إلا ويعيدونه ويكررونه على مسامعنا حتى نتحول جميعاً إلى أجهزة ثابتة بها أحجار معبأة ببطاريات قديمة تردد نفس الجمل وبنفس التعابير الجادة التي يمثلها المعلم أمامنا، إننا مطمئنون تماماً إلى قدرتنا على عبور اللعبة المدرسية، فمدرسونا أجادوا تدريبنا على الاعتماد الكامل عليهم فهم يعلموننا ماذا نفعل ومتى نفعل وأين نفعل ولماذا نفعل وما المدة الزمنية المطلوبة لأي فعل مدرسي وإذا حدث ووقفنا فجأة في الممر أو غاب مدرس ما أو سألنا أحد بعض هذه الأسئلة الغبية من مثل ماذا تفعل في السوبر ماركت أو ما هو رأيك في الخدمات المقدمة في الحي الذي تقطنه أي أنه شيء خارج الكتاب المدرسي والذي نجهله تماماً فلا إجابة وسنكون في وضع لا نحسد عليه، لكن لماذا لقلق... فنحن نعرف أن هذا لن يحدث كما أن المعلم يعرف دوره جيداً.. إنه يعلمنا ما علينا حفظه ويقدم لنا الملخصات حيث الإجابات معدة سلفاً (حتى لا نرهق بدراسة كل الكتاب المدرسي الذي سننساه بأية حال) أو قد نشتري الملخصات من مركز التصوير كما يفعل مدرسونا مع دفاتر تحضيرهم وبذا يصبح الهدف الأساسي لتعلمنا هو التذكر.. التذكر في بيئة مدرسية معلبة حتى نتمكن من عبور الامتحان والحصول على درجات كافية لنقلنا للصفوف التالية لعبتنا المدرسية تتلخص في القدرة على التذكر وليس علينا التفكير في المحتوى.

ونحن حقاً وبعد سنوات طويلة من تدريب ممل أصبحنا مهيئين ذهنياً للعبة التذكر هذه وعلى تقبل الاعتماد الكامل على المدرس والكتاب المدرسي لعبور السنوات الدراسية من المهم جداً أيضاً أن نمثل دائماً دور الطلاب المحافظين قليلي الكلام حتى نقبل من أوساط الطلبة وترتفع أسهمنا بين المعلمين، وبذا فمن الغباء أن ترفع عقيرتك بأسماء بعض الكتب غير المقبولة ضمن مناخ المدرسة أو أن تطرح للنقاش بعض المواضيع الجارحة للكرامة مثل سواقة المرأة التي لا يجرأ عاقل على النطق بها فهذه المرأة هي عرضك وشرفك فكيف تجرأ على طرح فكرة وجودها في الشارع العام كما يفيدك ويقربك من باقي الطلبة أن تطلق ألقاباً عنصرية على من حولك من أبناء القرى أو على غير السعوديين.

أنا لا أخشى على ذاتي في هذا المجال فسنوات طويلة من التدريب في الابتدائية والمتوسطة مكنتني من التعرف على ما هو المقبول من عدمه كما يفيد تماماً أن تكون منضوياً تحت لجان معينة في حيك أو في المسجد أو أنك من ضمن الأعضاء لبعض الجمعيات النشطة في الحي والتي يديرها بعض معلمو المدرسة فكل ذلك من معايير القبول الواسعة.. التي تضمن لك سنة مريحة دون استهزاء من الطلبة أو المعلمين.... وسوف أتدثر بغترتي وألف بها وجهي وأرقب العالم من حولي يركض بعينين غائرتين استعداداً لاستقبال عام بارد ومتكرر كما يحدث في كل عام دراسي.

تحية وسلام لكم من كل من: محمد ويوسف.. و.. وعبدالرحمن وخالد وناصر.... طلبة مدارس حكومية متفرقة في أنحاء مدينة الرياض.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد