دولة تونس تلك البقعة الصغيرة من العالم المسلم والتي تقع ضمن دول المغرب العربي، تقع بين ليبيا والجزائر وتحدها ليبيا من الجهة الشرقية والجزائر من الجهة الغربية وتقع على البحر الأبيض المتوسط الذي تشكل معه شواطئ جميلة يحلو للسياح التمتع بجمال البحر ونعومة الرمال، كما تشتهر تونس بين جميع سكان العالم العربي والغربي بأنها مكان جميل لقضاء الإجازة لمن يرغب الاسترخاء والبعد عن صخب العمل ومسؤوليات الحياة المتصارعة.
كانت زيارة تونس والوقوف على المعالم الإسلامية فيها هاجساً يداعب ذهني وتحقق في هذا العام ولله الحمد وذلك من أجل التعرف على ما فيها من مساجد ومعالم إسلامية مشهورة مثل جامع القيروان الذي بناه القائد عقبة بن نافع في عام 50هـ وجامع الزيتونة الذي بناه عبيدالله بن الحجاب عام 114هـ كذلك مقام الصحابي أبي زمعة البلوي، ثم سوق القيروان القديم وبوابة تونس في شارع أبي رقيبة وأخيراً مهرجان قرطاج وأسوار وبوابات بعض المدن التونسية وغيرها من المعالم المشهورة.
وقد قمت بالاطلاع على تلك المعالم وغيرها في تونس ووثقتها بالمعلومات الجيدة والصور. وحرصا مني على أن أفيد القارئ عن بعض ما شاهدته في تونس سوف أقوم بالحديث عن تلك المعالم.
أول تلك المعالم الإسلامية (جامع القيروان) الذي زرته ووثقت الزيارة بالمعلومات والصور. أما مدينة القيروان فقد بناها القائد المسلم عقبة بن نافع الفهري الذي ولاه معاوية بن أبي سفيان على إفريقيا سنة (50هـ-670م) استقلالا. وكان هدفه من بناء المدينة استقرار المسلمين حتى لا يرجعوا عن دينهم وقد اختار موقعها لاعتبارات استراتيجية معروفة، فقد قال كلمته المشهورة: (إن أهل هذه البلاد قوم لا خلاق لهم إذا عضهم السيف أسلموا، وإذا رجع المسلمون عنهم عادوا إلى عاداتهم ودينهم ولست أرى نزول المسلمين بين أظهرهم رأياً وقد رأيت أن أبني هاهنا مدينة يسكنها المسلمون) فاستصوبوا رأيه. فجاء موضع القيروان في منطقة بريّة وذات أشجار كثيرة وهو موضع في وسط البلاد ويرى عقبة فيه بعده عن طريق مواكب الروم التي تمر حوله. وتبعد عن تونس العاصمة (156) كم وهي المدينة الإسلامية الأولى في المغرب وكان إنشاؤها هو بداية الحضارة العربية الإسلامية في المغرب العربي من حيث الجهاد والدعوة. ثم قام القائد عقبة ببناء جامع القيروان متزامنا مع بناء المدينة كما قام الأغالبة بتوسيع بنائه، فكان من أبرز ما جاءت به العمارة القيروانية في الحضارة الإسلامية، بنى عقبة بن نافع الجامع في سنة (50هـ) مع بناء المدينة. وكان في بدايته صغير المساحة بسيط البناء.
أما إذا أردنا أن نستعرض كل ما تم للجامع من توسعات وبنايات فنقول: بعد عشرين عاماً من بناء الجامع هدمه حسان بن نعمان الغساني وأقام مكانه مسجداً جديداً أكبر مساحة، ثم أمر الخليفة هشام بن عبدالملك بزيادة مساحة الجامع وأضاف إليه حديقة كبيرة وصهريجا للمياه وشيّد مآذنه. وفي عام (155هـ) أعاد بناءه يزيد بن حاتم، كما يعود الفضل لله ثم لأمير إفريقيا زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب الأول (220-226هـ) في رسم ملامحه وتخطيطه التخطيط النهائي حيث أعاد بناءه بعد أن هُدم في حرب أهلية قامت حوله.
وفي عام سنة 245هـ في عهد الفاطميين أمر الخليفة المعز لدين الله الفاطمي ببعض الإصلاحات في الجامع.
أما في عام 248هـ فقد قام أبو إبراهيم الأغلبي بأعمال زخرفة المحراب وعمل منبراً جميلاً للمسجد وشيّد قبته ووضع بلاطات القاشاني حول المحراب.
وفي عام 261هـ أضاف إبراهيم الأغلبي الثاني بعض الزيادات المهمة للجامع منها إنشاء قبة تسمى (قبة باب البهو) وأصبح للمسجد في عهده عشرة أبواب وأقام مقصورة النساء عند رواق القبلة.
وكذلك في عام 639هـ قام المستنصر بالله أبو حفص بعدة إصلاحات للمسجد، وتشير لذلك الكتابات التاريخية المثبتة فوق باب المسجد المسمى باب (الله رجانا) كما بنى مقصورة نفيسة تحمل اسمه لا تزال موجودة إلى اليوم.
وفي عام 1244هـ قام محمد بك مراد بإصلاح القبة عند مدخل الرواق.
وهو حاليا على مساحة مستطيلة تبلغ ما بين (70-122) متراً. ويشتمل الجامع على (17) بلاطة و(8) أساكيب، ويستمد تخطيطه من الجامع الأموي في دمشق من حيث الاقتداء بمثال مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم كما يتميز الجامع بمحافظته على بعض الأثاث القديم مثل (المنبر الخشبي) الذي صنع عام 284هـ وهو أقدم المنابر الإسلامية التي سلمت من تقلب الأزمان والحكومات وهو موجود حالياً في الجامع ومصنوع من خشب الساج، ويشتمل على ما يربو على (106) لوحات تحمل زخارف بنائية وهندسية بديعة.
ويعتبر الجامع من أقدم المساجد في المغرب العربي وهو المصدر الأول الذي اقتبست منه العمارة المغربية والأندلسية عناصرها الزخرفية والمعمارية. كما كان الجامع ميدانا للحلقات الدينية واللغوية والعلمية التي ضمت نخبة من أكبر وأشهر العلماء المسلمين.
ويشغل المسجد مساحة مستطيلة غير منتظمة الاستطالة، وتسند جدرانه الخارجية مساند مختلفة الحجم والشكل وتعلو سقفه من الخارج خمس قباب، وللجامع (11) باباً للدخول، يعلو الباب الشرقي قبة كبيرة ويعرف هذا الباب باسم (الله رجانا) وتشاهد كذلك ثلاثة أبواب أخرى في نفس الجانب ويعلو الباب المسمى (باب السلطان) قبة أخرى.
ويتقدم الأبواب التي في الجهة الشمالية بهو واسع، ويتكون رواق المسجد من (17) طارمة تفصلها بائكات (البائكة عمود في قمته تاج وقوس) وللمسجد محراب على شكل تجويف داخل الجدار يشبه حدوة الفرس ويكتنفه عمودان تيجانهما على الطراز البيزنطي، في طاقية المحراب زخارف ملونة باللون الأخضر ومنبر المسجد خشبي نفيس، وقبة المسجد مضلعة الشكل يبلغ قطرها (80-5)م ومنارة الجامع مكونة من ثلاث طبقات مربعة الشكل تعلوها قبة صغيرة. هذا ما أردت قوله عن جامع قرطبة، ولو كان الحديث عنه لا يغني عن مشاهدته، لذا أدعو الجميع لزيارة الجامع. وللحديث بقية عن المعلم الآخر (جامع الزيتونة) مع تحياتي.
- الرس
aa10@maktoob.com